ويطلق العلامة المسدي على هذه المراحل " مراحل الترقّي نحو صوغ المصطلح التأليفي: أولها تقبّل ثم تفجير فتجريد" مراحل ثلاث " تتعاقب في الزمن وتترادف في الصيرورة، فالمفهوم المستحدث يقتحم المجال الذهني السائد في المجموعة الاجتماعية التي يحولها الرابط اللغوي إلى مجموعة ثقافية حضارية " على هذا النحو من التدرج جرى التعامل مع المصطلح اللساني بعامة والمصطلح الصوتي بخاصة، في المرحلة الأولى أبقي على المصطلح الوافد بلفظه ومعناه، مثل: الفوناتيك والفونولوجيا والفونيم والألفون إلى غير ذلك، ثم جاءت المرحلة الثانية وفيها انبرى الدارسون يصوغون المقابلات لتلك المصطلحات بما يتفق مع ما تحمله من مفاهيم وتصورات في شكل بحوث أو ورقات بحثية تنشر في المجلات المتخصصة أو تلقى في المؤتمرات العلمية، فكان أن تعددت المقابلات العربية للمصطلح الواحد ما بين تعريب وترجمة،وقد بلغت هذه الجهود الذروة عندما انصرف نفر من الدارسين إلى تصنيف معاجم متخصصة في مقابل المصطلح اللساني وكان المصطلح الصوتي من بين ما اشتملت عليه تلك المعاجم،وقد صدرت "أول محاولة استقرائية للمصلح اللساني المتداول بين بعض اللسانيين العرب (عام 1977) قام بها محمد رشاد الحمزاوي" بعنوان المصطلحات اللغوية الحديثة في اللغة العربية،نشرت بحوليات الجامعة التونسية/ كلية الآداب والعلوم الإنسانية- العدد 14(عدد خاص) في 202 صفحة،وهو ما يمكن أن يوصف بأنه أول محاولة معجمية في المصطلح اللساني العربي، لتتوالى بعدها معاجم المصطلحات اللسانية في الصدور ففي العام 1982 صدرت ثلاثة معاجم، هي: معجم علم اللغة النظري لمحمد الخولي، ومعجم المصطلحات اللغوية والصوتية لخليل إبراهيم حماش، ومعجم مصطلحات علم اللغة الحديث لبكلا وآخرين بمداخل إنجليزية ومقابلات عربية، وفي العام 1984 صدر قاموس اللسانيات لعبد السلام المسدي، ومعجم اللسانية لبسام بركة بمداخل فرنسية ومقابلات عربية،وفي العام 1989 صدر معجم اللسانيات الموحد عن مكتب تنسيق التعريب بمداخل إنجليزية وفرنسية ومقابلات عربية، وبعد ذلك بعام واحد (1991) صدر معجم المصطلحات اللغوية لرمزي منير البعلبكي بمداخل إنجليزية ومقابلات عربية،وفي العام 1995 صدر معجم المصطلحات اللغوية لخليل أحمد خليل بمدخل عربي ومقابلات فرنسية وكذلك معجم المصطلحات الألسنية لمبارك المبارك بمدخل فرنسي ومقابلات إنجليزية وعربية، وفي العام 1997 صدر معجم اللسانيات الحديثة لسامي حنا وزميليه بمداخل إنجليزية ومقابلات عربية،حاول كل منها وضع ما يراه مناسبا من مقابلات عربية للمصطلحات الوافدة، في غياب تام للمؤسسات العلمية وتغييب لها في بعض الأعمال المعجمية تمثل في عدم الخضوع لما قررته أو عرض ما تضمنته تلك المعاجم عليها، وهكذا قامت بترسيخ مبدأ التعدد في وقت كانت تسعى إلى الحد منه أو على الأقل التقليل منه،ليستمر مكوثنا في المرحلة الثانية،التي كنا نريدها مرحلة عبور، جيلا آخر أو أكثر،ولم يقف الأمر عند حد تعدد المعاجم لتكون المقابلات بعددها للمصطلح الواحد، ولكن تعدى ذلك إلى أن كثيرا من تلك المعاجم ربما قدمت للمصطلح الواحد أكثر من مقابل على نحو ما فعل الخولي حين قابل الـ Phoneme بأربعة مقابلات: فونيم، فونيمية، صوتيم، صوت مجرد،وبركة حين قابل المصطلح نفسه بـ فونيم و لافظ ومستصوت.بل إن بعضها ربما قابل مصطلحات متعددة تعبرعن مفاهيم مختلفة بمقابل عربي واحد قد لا يستطيع استيعاب تلك المفاهيم إلا على طريقة ليّ العنق أوالتطويع القسري، فقاموس اللسانيات قابل المصطلحات الفرنسية (Articulation , Decoupage Segmentation ) بمقابل عربي واحد هو التقطيع، وهذه مصطلحات لمفاهيم مختلفة" رغم المظاهر الدلالية السطحية التي قد توحي بها حتى في اللغة الفرنسية نفسها" وقد قابلها بركة : Articulation ب النطق تارة و انبناء وتمفصل تارة أخرى و Decoupage بتقطيع وتفصيل و Segmentation بتقطيع، وفي هذا دلالة على أنه مدرك لما بينهما من فروق ولكن التعبير خانه في إيجاد المقابل الدقيق لكل منهما، وقد دفعنا إلى هذا الاعتقاد مقابلته لـ Decoupage بتقطيع وتفصيل، ومقابلته لـ Segmentationبتقطيع فقط. والمقابل الإنجليزي ل Articulation يستعمل في الدلالة على نطق الأصوات، ومقابلSegmentation يستعمل في الدلالة على التقطيع بل إن قاموس اللسانيات قابل Articulation في المسرد الفرنسي بالتقطيع وفي المسرد العربي بالنطق فبأي المقابلين يأخذ القارئ.
ويزداد الأمر غرابة حين يورد بعض المعجميين مداخل مصطلحية معرّبة تعريبا لفظيا دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث في المفهوم وما يمكن أن يعبر به عنه في العربية، ولو أدى ذلك إلى مخالفة المنهج الذي اختطوه لأنفسهم، ففي معجم بكلا وآخرين نجد عشرات بل مئات المداخل المعرّبة تعريبا لفظيا، ومنها فيما نحن بصدده، ومن ذلك: (الأكوستيكا) والمشهورعلم السمعيات، وعلم الأصوات الفيزيائي و(الأكروفونيا) والمشهور أوائلية صوتية ومجمع القاهرة قابله بـ (اقتطاع هجائي) . مع أنهم يعتمدون منهجية تقوم على" إعطاء الأولوية للمصطلحات العربية المعروفة قديمها وحديثها" وقد يقوم بعضهم بصياغات لمقابلات على طريقة التهجين تجمع بين العربي والأجنبي لا تراعى البنية الصرفية لنسق اللغة العربية مثل صيغة فعلم ( صوتم) مقابل Phoneme و( منغم) مقابل Toneme وهو ما سوف نفصل القول فيه في موضع لاحق.
إن ما ينبغي أن ينطلق منه كل من يتصدى للعمل المصطلحي ووضع المقابلات العربية للمصطلحات الوافدة هو المفهوم لا اللفظ، ما الذي يعبر عنه المصطلح المراد مقابلته؟ فإذا ما وقع في أذهاننا استطعنا أن نصوغ له المقابل بإحدى الطرق المعروفة، أما أن ننطلق من اللفظ الوافد ونحاول إيجاد المقابل العربي له فهذا لن يجدي نفعا، وسيتضح عند عرض المقابلات التي اشتملت عليها المعاجم المختارة أنها جميعها انطلقت من اللفظ لا من المفهوم.
وقبل أن أدخل في الدراسة المعجمية أود أن أشير إلى أن المصطلح لا يعاني من الفوضى والاضطراب في عالمنا العربي فحسب بل حتى في العالم الذي يعد منشأ للعلوم ومفاهيمها، ولا أدل على ذلك من أن المصطلحين الرئيسين في الصوتيات وهما الـ (Phonetics) والـ (Phonology) لم يتفقوا على ما يطلق كل منهما، فمنهم من يطلق الـ (Phonetics) على الدراسة التاريخية للأصوات والـ (Phonology) على الدراسة الآلية للنطق، ومنهم من عكس، ومنهم من عدهما مترادفين، ومنهم من يطلق الـ (Phonetics) على الدراسة الآلية و الـ (Phonology ) على الدراسة الوظيفية فقط، أو الوظيفية والتركيبية. الأمر الذي حدا ببعض الدارسين إلى صك مصطلحي (Phonematics) و(Phonemics) ليحل أحدهما محل الـ (Phonology ) في الدلالة على العلم الذي يدرس وظائف الأصوات. فإذا كان الأمر على هذا النحو مع رأسي العلم وعنوانيه في بلد المنشأ، فكيف بما دونهما؟ بل فكيف بهما وبما دونهما في البلاد العربية؟.