الفتوى (2408) :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
(مَا) الموصولة التي بمعنى (الذي) إذا وقعت بعد حرف من الحروف الثلاثة: (في، ومِنْ، وعَنْ) ففيها ثَلَاثَة مَذَاهِب ذكرها السيوطي في "الهَمْعِ" كالتالي: أَحدهَا أَنَّهَا تكْتب مُتَّصِلَة مَعهَا لأجل الْإِدْغَام فِي عَن وَمن وَهُوَ مَذْهَب ابْن قُتَيْبَة، نَحْو: رغبت عَمَّا رغبت عَنهُ، وَعَجِبت مِمَّا عجبت مِنْهُ، وفكرت فِيمَا فَكرت فِيهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُكْتب مفصولة على قِيَاس مَا هُوَ من كَلِمَتَيْنِ، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا -يعني البصريين- وَبِه جزم ابْن عُصْفُور، وَهُوَ أرجح؛ لِأَنَّهُ الأَصْل، وَلِأَن عِلّة الْوَصْل الْآتِيَة فِي (مِمَّن) وَهُوَ التباس اللَّفْظَيْنِ خَطًّا مفقودة فِي (مِمَّا)، وَالثَّالِث: أَن الْغَالِب تُكْتب مَوْصُولَة وَيجوز كتبهَا مفصولة وَهُوَ اخْتِيَار ابْن مَالك. أ.هـ
ومذهب البصريين يُفَصِّلُهُ ابن درستويه في كتاب "الكتاب" فيقول: «ولا يجوز أن توصلَ (ما) بـ(في) عندنا؛ كقولك: رغبت في ما عند الله؛ لأنَّها بمعنى (الَّذي) ها هنا...، وإن جاءت (ما) المؤكدة الَّتي لا صلةَ لها بعد (في)؛ جاز وصلها بها، فأمَّا مَن وصلَها بها على كلِّ حال؛ فإنما شبَّهها بـ(من وعن)؛ لأنَّهما حرفا جرٍّ مثلها، وهنَّ على حرفين، وذلك رديءٌ، والقياس ما قلنا؛ لأنَّه يقع في (عن ومن) إدغام مع (ما)، وليس ذلك في (في)».
ولم يذكر الأستاذ عبد السلام هارون في "قواعد الإملاء" باب الفصل والوصل في (ما الموصولة) سوى وجه الوصل فقال: (الموصولة، النكرة، المعرفة التامة) توصل بهذه الكلمات: مِن، عن، في، سىّ، نِعْمَ؛ نحو: سألتُ عمَّا سألتَ عنه، رغبتُ عمَّا رغبتَ عنه، أفكر فيما تفكر فيه، لاسيَّما يومٌ بدارة جلجل، ((إنّ الله نعمَّا يعظكم به))، دققتُه دقًّا نعمَّا ....". اهـ.
وبالنظر إلى مواضع (ما) مع (في) في القرآن الكريم فقد جاءت منفصلة (في ما) في (11) موضعًا، ونلاحظ أن أغلب تلك المواضع جاءت فيها (ما) موصولة بمعنى الذي. في حين نلاحظ أنها جاءت متصلة (فيما) في (24) موضعًا، وأغلب تلك المواضع أيضًا جاءت فيها (ما) موصولة بمعنى الذي، وجاءت في بعض المواضع تحتمل المصدرية مثل قوله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ)، وقوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ). والعجيب أن الآية الأخيرة جاءت بالصورتين وصلا وفصلًا في سورة البقرة، فجاءت بالفصل في الآية (240): (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ)، وبالوصل في الآية (234): (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
وعليه فالرأي أنَّ (ما) إذا كانت موصولة بمعنى (الذي) فالباب فيها واسع يجوز فيها الوصل والفصل والوصل أغلب استئناسًا بمواضعها في القرآن وهو الرأي الذي خَرَّجَهُ ابنُ مالك. فإذا كانت مصدرية جاز وصلها بـ(في) بلا خلاف.. والله تعالى أعلم.
اللجنة المعنية بالفتوى:
المجيب:
أ.د. مصطفى شعبان
أستاذ اللغويات المساعد بجامعة القوميات بالصين
راجعه:
أ.د. محروس بُريّك
أستاذ النحو والصرف والعروض المساعد
بكلية دار العلوم جامعة القاهرة
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)