السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد،
فقد سبق لي بمجرد قراءتي لمسال مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية بشأن تعريب التركيب الأجنبي( فيس بك) أن قمت بكتابة رأيي على عجل، وأرسلته مباشرة، ثم عدّلته في اليوم التالي، وأرسلته عبر مرسال المجمع؛ أعني( إميل المجمع)، ثم كتبت رأيي في رأي الزميل أد عبد الحليم الريوقي، وكان بعنوان:( رأي في مقترح تعريب الفيس بك بمشخّص ومشخصن)؛ وهو المنشور في هذه الصفحة الإلكترونية، وعندما اطّلعت على الصفحة لم أجد هذا الرأي الأول؛ لذا اقتُضىي التنويه، وإرسال هذا الرأي السابق لرأيي المنشور، وهو التالي:
تعريب مصطلح( فيس بك) مقتَرَحٌ ورأي
بقلم
أ. د. صادق عبد الله أبو سليمان
أستاذ العلوم اللغوية- جامعة الأزهر/ غزة
وعضو مجمع اللغة العربية( القاهرة)، و( مكة المكرمة)
عرض الزميل الأخ الدكتور إبراهيم حكومة مقترحاً جديراً بالنشر والاهتمام؛ لأنه يصب في خدمة لغتنا العربية، ومضمونه: اقتراح لفظ( الواجوه) بديلاً عربيا له، وقد سعدتُ به؛ لأنه يتمشى مع رأيٍ صرفيٍّ لي أُعِدّ العُدةَ لصوغهِ ونشرِه، وهو جعْلُ صيغةِ( فاعول) قياسيةً في دلالتها على المصطلحاتِ المستعملةِ في مجالاتِ الحوسبة، كما في الألفاظ المعروفة التالية، وهي:( حاسوب- ناسوخ- خادوم- حاكوم)؛ و( ناقول) الذي أقترحه من خلال هذا" المرسال"( الإِميل) لفظاً دالاً على اللفظ الأجنبي( اسكنر).
وفي هذا السياق فإني أقترح تعريباً آخر لمصطلح( الفيس بك) أرجو عرضه من خلالِ استفتاءٍ عامٍّ يعرضه المجمعُ الموقّرُ على موقعه في الشبكة العالمية يستفتي فيه جماهيرَ العربيةِ في مختلِفِ أصقاعها، وآخرَ خاصٍّ يتدارسه الإخوةُ الزملاءُ المختصون من مجمعيين وغيرِهم، ويبدون فيه آراءهم الثاقبةَ قبل الاستفتاءِ العام، وبعد دراسته الدراسةَ" الاستقَرحصائيةَ"، ومعرفةِ نتائجها.
يتناول هذا الاستفتاء الذي أقترحه- في هذه المقالة اللغوية- إبداء الرأي في الألفاظ التي أقترحُها بديلةً له، وذلك إلى جانب لفظ( الواجوه) الذي اقترحه الزميل الفاضل، وهي على النحو التالي:
1- اقتراح لفظ( كاشوف)؛ لأن الاطلاع على ما فيه من معلوماتٍ وأخبارٍ وأفكارٍ وإعلاناتٍ وما إلى ذلك مما يتناقله المتواصلون -يشكل كشفاً لأشياءَ تكون- في الأغلب- غيرَ معلومةٍ للمطّلعين عليها.
2- اقتراح لفظ( واصول)؛ لأنهُ وسيلةٌ يَتواصَلُ بها المتواصلون على شبكات التواصل الجماعي.
3- اقتراح لفظ( حاروك)؛ لأنه يحرِّكُ العقولَ والمشاعر، ويحرك الجماهيرَ على النحو الذي شهدناه في الثورات العربية المعاصرة.
4- اقتراح لفظ( شاروك)؛ لأن فيه مشاركةً بين المتواصلين أنفسِهم من خلاله.
وكذلك أرجو الاستفتاء على استعمال هذا البديل العربي( الناقول) للفظ( اسكنر) بدلاً من مقترحٍ سابقٍ تمثّل في اقتراح" الماسح الآلي"، أو" الماسوخ".
على أن هذه المقترحات التعريبيةَ قد تواجَهُ باعتراض مَنْ يقول: إن( الفيس بُك) في أصلِهِ اختراعٌ أجنبيٌّ؛ لذا فإن من البدهي أنْ يكونَ لفظُهُ أجنبياً، وقد غدا لفظه من الألفاظِ العالميةِ المنتشرة في أكثرِ لغات العالم، ولا داعي لتعريبِهِ، ولكننا نقول في هذا السياق:
قد يبدو هذا القولُ الناقدُ أو المُعترضُ منطقياً في ظاهره،؛ لأن قائلَه أو قائليه يعترفونَ لمبتدعي مكوناتِ إنشائه ولفظه بفضلهم في الاختراع، على أن الأمرَ في هذهِ المسألةِ اللغويةِ وأمثالِها لا تُؤخذ على هذا النحوِ؛ فلا أحدَ يمكنُهُ أنْ يُنازعَ أهلَ هذا الاختراعِ سبقَهم إليه وتَسميتَهم له بلغتهم.
على أن هذا الاعترافَ بهذا الفضلِ لا تراهُ الأممُ المعتزةُ بهويتِها المميزةِ لها صالحاً لمنعِها من الحِفاظِ على هويتِها الذاتيةِ؛ لأنَّ إبقاءها على الدخيلِ في لغتِها- تراه- يُشكِّلُ تدخلاً في أهمِّ مقوماتِ هذه الهويةِ، وهي اللغةُ التي تحرصُ- هذه الأممُ- على نقائها في دلالتها على لسانِهم المعبِّرِ عن كلِّ مجالاتِ حيواتهم؛ لذا فإنَّ إيجادَ البديلِ لأيِّ دخيلٍ يتسربُ إلى متنِها لَيشكِّلُ مهمةً قوميةً يتوجبُ على العلماءِ والقادرين إنجازُهُ بالسرعةِ الممكنة.
وإذا كنا نحن العربَ قد عُرِفْنا بأننا أمةٌ ذاتُ فصاحةٍ وبيانٍ فمن الواجب والأَوْلى لنا أن نحافظَ على نقاءِ هويتنا اللغوية كما حافظ عليها أسلافنا، وأوصلوها لنا فصيحةً سليمة.
وإذا ما ربطنا هذه السلامةَ والفصاحةَ بالجهودِ العظيمةِ التي بذلها الأسلافُ في الحفاظ على هذه اللغةِ المغرِقةِ المُغْرِقةِ في القَدامة- حتي إنها لَتُعَدُّ من أقدمِ اللغات، إنْ لم تكنْ أصلَها الأول- يُلزِمنا نحن الخلَفَ بالسيرِ على منوالهم في الحفاظِ عليها. لقد حافظوا على سلامتِها، ودافعوا عن ثباتِ خصائصِها الصوتية والبنويةِ والتركيبيةِ في أحللكِ ليلي أيامهم؛ فلم تنقرضْ كما انقرض عليها، ولم تتفرعْ إلى لغاتٍ رسميةٍ بل استمرت على ألسنةِ أهلها والناطقين بها غيرَهم أصيلةً قويةً ونقيةً.
أقول:
إن حرصنا على تعريب لساننا لا يعني التنكر للغات الآخرين، ولا يعني أننا نقول بحذف ألفاظها من متونها، أو استعمالنا لِمُعرَّباتنا مع أهلها حين نتحدثُ بلغتهم، ولكننا أناسٌ مثلُهم نريدُ الحفاظ على سلامةِ هويتنا اللسانية ومقوماتها الصوتية والصرفية والنحوية؛ فاللغةُ- أيةِ لغة- لَتشكلُ مكوناً أصيلاً في شخصيةِ مجتمعها، وترتبطُ بفكرهم، وتعبِّرُ عنه؛ لذا فإنَّ حِرْصَنا على التعريب ينطلق من إيماننا بأنَّ حديثَ المرء بلغته وتفكيره بها لَهو أيسرُ عليهِ من التحدث أو التفكير بلغة غيره، وعليه فإن فتح الباب على مصراعيه لدخول الألفاظ والتراكيب الدخيلةِ لَيشكّلُ خطراً على اللغةِ وفكر أهلها، وربطاً لهم بغيرهم؛ الأمر الذي يصبُّ في خانات تفتت شخصيتها، أو ذوبانها في غيرها.
إن حمايتنا للغة العروبة والقرآن الكريم وتراثنا المديد تتطلب منا- نحن أهلها- الحرص عليها، والاستمرار في تعريب الوافد الجديدِ عليها بما يتفق وقواعد أنظمة اللغة العربية الصوتية والصرفية والنحوية، وإننا نقول دوما: لا هوية بدون لغة، ولا عروبة بدون العربية الفصيحة".
والله الموفق والمستعان
أ. د. صادق عبد الله أبو سليمان