وما ذهب إليه ابن جني يؤيده أمران:
1- ما ذهبت إليه الدراسات الصوتية من أن الخاء: "حرف مهموس رخو مستعل منفتح مصمت"[25]، والقاف "شديدة مجهورة مستعلية منفتحة"[26]، فالقاف أقوى من الخاء.
2- ما ذهب إليه أبو عبيد نفسه في تفسير هذا الحديث؛ حيث قال: وإنما أراد أبو هريرة بهذا مثلاً ضربه، يقول: استكثروا من الدنيا، فإنا سنكتفي منها بالدون [27]، فمن رضي بالدون، فحاله شديدة تحتاج إلى القضم لا الخضم، فناسب المعنى القوى الصوت القوى، والمعنى الضعيف الصوت الضعيف، ومما جاء الصوت فيه بقيمته البيانية آخر الكلمة: ما ذكره ابن قتيبة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه دَعا بِلالًا بتمر فجَعَل يجيء به قُبَصًا قُبَصًا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (أنْفِق بلال ولا تَخْشَ من ذي العرش إقْلالاً)[28].
قال: قُبَص جَمْع قُبْصة، وهو من القَبْص، والقَبْص بأطْراف الأصابع، والقبض بالكف كلِّها[29]. وإنما كان ذلك لأن الضاد فيها من القوة ما ليس في الصاد.
هذا في حال البساطة، أما في حال التركيب، فقد تنبه هؤلاء العلماء الأجلاء لهذه القيمة للحرف في حال التركيب، وأشار ابن جني إلى هذه الدلالة؛ حيث ذكر أن سيبويه قال في المصادر التي جاءت على الفعلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة؛ نحو: النقزان، والغليان، والغثيان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال.
ووجدت - أنا - من هذا الحديث أشياءَ كثيرة على سمت ما حداه، ومنهاج ما مثلاه، وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضعفة تأتي للتكرير؛ نحو: الزعزعة، والقلقلة، والصلصلة، والقعقعة، والصعصعة، والجرجرة، والقرقرة، ووجدت أيضًا الفَعَلى في المصادر والصفات إنما تأتي للسرعة؛ نحو: البشكى، والجمزى، والولقى؛ قال رؤبة من الرجز [30]:
أَوْ بَشَكَى وَخْدَ الظليم النَّزِّ
وقال الهذلي[31]:
كَأَنِّي وَرَحْلِي إذا هَجَّرْت
على جَمَزَى جَازِئٍ بالرمال
أو أصحمَ حَامٍ جَرَامِيزَه
حَزَابِيةٍ حَيَدَى بِالدِّحَالِ
فجعلوا المثال المكرر (بشكى وجمزى) بتوالي حركاتها للمعنى المكرر - أعني باب القلقلة - والمثال الذي توالت حركاته للأفعال التي توالت الحركات فيها[32].
وسيأتي بيان لذلك في الاشتقاق الصوتي، وأكتفي بذكر مثالين.
قال ابن قتيبة: كان يقال: من وقى شر لقلقه، وشر ذبذبه، فقد وقى.
قال الأصمعي اللَّقْلَق اللِّسان والقَبْقَب البَطْن والذَبْذَب الفَرْج...، إنَّما قيل للسان: لَقْلَق من اللَّقْلَقة، وهي الجَلَبة، وكأنَّ اللقلقة حِكاية الأصوات إذا كثُرت...، وإنَّما قيل لِلبَطْن قَبْقب من القَبْقَبة، وهو صوت يُسْمَعُ من البَطْن، وكأنَّ القَبْقبة حكاية ذلك الصوت[33].
فكلمتا (لقلق، وقبقب) حكايتان للأصوات إذا كثُرت، وقد بيَّن ابن قتيبة علة تسمية اللسان لقلقًا، والبطن قبقبًا.
وأصل بناء (لقلق، وقبقب) (لق، وقب) تكرر هذا المقطع، فنتج البناء الرباعي المضاعف، فهذا الأصل الثنائي ما يفتأ أن يوحي عند التركيب والامتزاج بما كان يوحي به الصوت في حال البساطة والإفراد من قيمة بيانية له.
ولقد سمى العلماء هذه الظاهرة بـ"الثنائية التاريخية" وقد قال بعض العلماء: إن أصل الكلم هو الثنائي، فلقد وضعت الكلم في أول أمرها على هجاء واحد: متحرك فساكن، محاكاة لأصوات الطبيعة، ثم فُئِّمَت؛ أي: زيد فيها حرف أو أكثر في الصدر أو القلب أو الطرف، فتصرَّف المتكلمون بها تصرُّفًا يختلف باختلاف البلاد، والقبائل، والبيئات، والأهوية، فلكل زيادة، أو حذف، أو قلب، أو إبدال، أو صيغة معناة أو غاية، أو فكرة دون أختها، ثم جاء الاستعمال فأقرها مع الزمن على ما أوحته إليهم الطبيعة، أو ساقهم إليها الاستقراء، والتتبع الدقيق، وفى كل ذلك من الأسرار والغوامض الآخذة بالألباب، ما تجلت بعد ذلك تجليًا بديعًا، استقرت على سنن وأصول وأحكام ثابتة لن تتزعزع"[34].
ومن ذلك أيضًا ما ذكره الخطابي في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكهان؟ فقال: (ليس بشيء)، فقالوا: يا رسول الله، فإنهم يقولون كلمة تكون حقًّا، قال: (تلك الكلمة من الحق يخطفه الجني، فيقذفه في أذن وليِّه كقر الدجاجة، ويزيدون فيه مائة كذبة)[35].
قوله: كقر الدجاجة، يريد: صوتها، يقال للدجاجة إذا قطعت صوتها: قرت تقر قرًّا وقريرًا، فإذا رجعت فيه، قيل: قرقرت قرقرة وقرقريرًا[36].
لم ينص الشارح صراحة على الدلالة الصوتية، وإنما يستنتج من كلامه، وأرى أن تكرير المقطع (قرقر) دل على حركات الفعل = (ترجيع الصوت)، كما دل القطع في الفعل (قَرَّ) على قطع الصوت.
قال الخليل: والقرقرة في الضحك، ومن أصوات الحمام، قال (من الطويل):
وما ذاتُ طَوْقٍ فوقَ خوط أراكةٍ ••• إذا قَرْقَرَتْ هاج الهوى قَرْقَريرُها [37]
وأنشد (من الرجز):
كأَنَّ صَوْتَ جَرْعِهِنَّ المُنْحَدِرْ ••• صَوْتُ شِقِرَّاقٍ إِذا قال قِرِرْ[38]
يَصِف إبلاً وشربها.
فأظهر حرفي التضعيف، فإذا صرفوا ذلك في الفعل، قالوا: قرقر، فيظهرون حروف المضاعف لظهور الراءين في قرقر، ولو حكى صوته وقال: قر، ومد الراء لكان تصريفه: قر يقر قريرًا، كما يقال: صر يصر صريرًا، وإذا خفف وأظهر الحرفين جميعًا، تحول الصوت من المد إلى الترجيع فضوعف؛ لأن الترجيع يضاعف كله في تصريف الفعل إذا رجع الصائت، قالوا: صرصر وصلصل، على توهُّم المد في حال، والترجيع في حال[39].
[1] السابق (ص30)، وينظر: دلالة الألفاظ؛ د. أنيس (ص35).
[2] الدلالة الصوتية والصرفية في سورة يوسف في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة ومناهجها (ص2)؛ د. نادية رمضان النجار، بحث منشور بكتاب المؤتمر العلمي التاسع بكلية دار العلوم 2007م.
[3] الخصائص (2/ 152)، وينظر العين (1/ 56).
[4] ينظر: الخصائص (2/ 145) وما بعدها، ودراسات في فقه اللغة؛ د. صبحي الصالح (ص141) وما بعدها، دار العلم للملايين، ط 13- 1997م.
[5] الخصائص (2/ 146).
[6] الخصائص (2/ 146).
[7] السابق (2/ 161).
[8] السابق نفسه.
[9] الخصائص (2/ 161).
[10] السابق (2/ 160).
[11] السابق (2/ 161).
[12] السابق (2/ 158).
[13] السابق نفسه.
[14] السابق (2/ 160).
[15] السابق (1/ 162).
[16] السابق (2/ 163).
[17] المصنف في الأحاديث والآثار، (كتاب الصلوات - في فضل الجمعة ويومها)، (1/ 477)؛ لأبي بكر عبدالله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، تح/ كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الرياض 1409هـ، والفائق في غريب الحديث (3/ 200)؛ لمحمود بن عمر الزمخشري، تح/ علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، لبنان ط2، بدون تاريخ، والنهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 870)، لأبي السعادات المبارك محمد الجزري، تح/ محمود محمد الطناحي، دار الفكر، بدون تاريخ.
[18] غريب الحديث (3/ 294) وما بعدها؛ لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، ت د. حسين محمد محمد شرف، 1404هـ - 1984م.
[19] المقاييس (4/ 506).
[20] السابق (قصم) (5/ 93).
[21] الغريبين في القرآن والحديث (5/ 1553، 1554) لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي صاحب الأزهري تح ودراسة/ أحمد فريد المزيدي. مكتبة نزار مصطفى الباز. مكة المكرمة. الرياض ط:1- 1419هـ - 1999م.، والفائق (2/ 200).
[22] الفائق (1/ 379)، والنهاية (2/ 111).
[23] غريب أبي عبيد (5/ 210).
[24] الخصائص (2/ 157).
[25] المختصر في أصوات اللغة العربية: دراسة نظرية وتطبيقية (ص91)؛ د. محمد حسن جبل، مكتبة الآداب ط5، 1429هـ - 2008م.
[26] السابق (ص94).
[27] غريب أبي عبيد (5/ 210).
[28] البحر الزخار المعروف بـ(مسند البزار) (1/ 396)؛ للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق العتيكي البزار، مؤسسة علوم القرآن بيروت، ومكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1، 1409هـ -1988م، وشُعَب الإيمان (3/ 209)؛ لأبي بكر أحمد الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1410هـ - 1998م.
[29] غريب الحديث (1/ 214)؛ لأبي محمد عبدالله مسلم بن قتيبة الدينوري، مطبعة العاني، بغداد، ت د. عبدالله الجبوري، ط1 - 1397هـ.
[30] مجموع أشعار العرب (ص65)، اعتنى بتصحيحه وترتيبه وليم بن الورد البروسي، دار ابن قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع، الكويت بدون تاريخ، والبشكى: الناقة السريعة، والوخد: ضرب من سير الإبل، يقال: وخد البعير، إذا رمى بقوائمه كمشي النعام، والظليم: النز السريع الذي لا يستقر في مكان؛ ينظر: الصحاح (وخد) (2/ 548)، واللسان (نزز) (8/ 517).
[31] لأُمية بن أبي عائذ، شرح أشعار الهذليين (2/ 175، 176)؛ صنعة أبي سعيد السكري؛ حققه: عبدالستار أحمد فراج، مكتبة دار العروبة، بدون تاريخ، يريد بالجمزى: حمار الوحش، وجازئ: يَستغني بالرطب عن الماء، والأصحم: من الصحمة، وهي سواد إلى صفرة، وجراميزه: جسده ونفسه، وحزابية: مجتمع الخلق غليظ، وحيدى: يحيد من سرعته، والدحال: جمع الدحل، وهو هوة من الأرض ضيقة.
[32] الخصائص (2/ 152، 153).
[33] غريب ابن قتيبة (1/ 430).
[34] نشوء اللغة ونموها واكتهالها (ص1، 2)؛ للأب أنستاس ماري الكرملي، مكتبة الثقافة الدينية، بدون تاريخ.
[35] الجامع الصحيح (صحيح البخاري)، (كتاب الأدب، باب قول الرجل للشيء: ليس بشيء..)، (5/ 2294)، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ت د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، واليمامة، بيروت ط3، 1407هـ - 1987م، وصحيح مسلم، (كتاب السلام، باب تحريم الكهانة..)، (4/ 1750)؛ للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري؛ تح/ أحمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ.
[36] غريب الحديث (1/ 160، 161)؛ لأبي سليمان أحمد بن محمد الخطابي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة؛ ت د. عبدالكريم إبراهيم العزباوي، ط2، 1422هـ - 2001م.
[37] اللسان (قرر) (7/ 308)، بدون عزو.
[38] جاء في اللسان (قرر) (7/ 308)، بدون عزو، والشقراق: طائر يتطير منه العرب.
[39] العين (قر) (5/ 23).
المصدر