رابعا: إقحام العامي مع الفصيح في معجم واحد!
هناك من يدعو إلى إقحام الكلمات العامية مع الفصحى بحجة شيوعها والحاجة إليها، يقول إلياس أنطون إلياس تحت عنوان: ضرورة التساهل في قبول الكلمات الجديدة ما يلي: ( وخير لنا أن نجري على سنن العصر ونشايعه ولو على خطأ من أن نرتد إلى الماضي ونأخذ بلغته وأساليبه ولو كان على حق… ثم إن في اللهجات الكلامية للبلاد العربية المختلفة كثير من الألفاظ المشتركة التي تعبر أصدق تعبير عن حاجاتنا في العصر الحاضر ولكننا درجنا على التنكر لها وعلى تسميتها عامية أو سوقية أو دخيلة أو مبتذلة، مع أنها قد وصلت إلينا منذ مئات السنين من عرب يحبون لغتهم كما نحبها، ولست أرى مبررا لهذا التنكر إلا إذا كان الغرض جعل اللغة وقفا على طائفة خاصة) . ولا وجه لقوله بالأخذ بالشائع ولو كان خطأ، وترك الماضي ولو كان على حق، لأن الشائع اليوم قد يتغير غدا، ويصبح مهملا ويشيع مكانه لفظ جديد، فالشيوع ليس أمرا ثابتا ولا مستقلا عن عوامل الزمن والبيئة والحياة، فلا بد من شيء ثابت ترتكز عليه اللغة العربية، وهذا لن يكون سوى معجمها القديم الذي صفاه العلماء من الشوائب فكان كالإبريز الخالص.
وفي خطوة أكثر جرأة ذهب الدكتور بسام ساعي في بحثه: (نحو معجم جديد للألف الثالثة) إلى ضرورة وضع معاجم للعامية، حيث رأى (أننا نحيط معاجمنا بهالة من القدسية القاتلة، وانه لا بد من فتح الحدود بين الفصحى والعامية، وعبر عن تقديره للبصريين لأخذهم بالقياس الذي رأى أن المجامع اللغوية قد أهملته، وأشار إلى أن تلك المجامع مطالبة باستقصاء العاميات من المحيط إلى الخليج، مع الاستناد إلى مجموعة من الضوابط… ودعا إلى تشكيل هيئات صغيرة في كل قطر لإعداد معجم لعاميته، وأخرى كبيرة تدرس تلك المعاجم وتنتقي منها، للخروج بمعجم جديد لتلك اللغة الوسيطة، وأشار إلى أن العامة هم المبدعون الحقيقيون للغة شئنا أم أبينا) .
وهذه الدعوة خطيرة جدا، لأن إقحام العامي مع الفصيح سيفسد الفصيح ولن يصلح العامي، مما يسبب فساد اللسان العربي الذي وحد العرب عبر آلاف السنين، وهو ما عبر عنه الشاعر هاشم الرفاعي بقوله:
واختلفنا في الورى ألسنة يجهل المصري لفظ الحلبي
فاللغة الفصحى السليمة تجعلنا نفهم القرآن والسنة والشعر الجاهلي ونلتحم مع التراث قبل آلاف السنين، كما تسهل التفاهم بين أقطار العروبة، وكافة الجاليات والأقليات العربية والإسلامية حول العالم، وهي اللغة التي يتعلمها ملايين المسلمين في البلاد التي تنطق بغير العربية، فكيف نفسد صفاءها بإقحام العاميات معها، يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي: (متى انتشرت اللغة في مناطق واسعة من الأرض تحت تأثير عامل أو أكثر من العوامل السابق ذكرها، وتكلم بها جماعات كثيرة العدد وطوائف مختلفة من الناس، استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى أمدا طويلا، فلا تلبث أن تتشعب إلى لهجات، وتسلك كل لهجة من هذه اللهجات في سبيل تطورها منهجا يختلف عن منهج غيرها، ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بينها وبين أخواتها حتى تصبح لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلا لأهلها، وبذلك يتولد من اللغة الأولى فصيلة أو شعبة من اللغات يختلف أفرادها بعضها عن بعض في كثير من الوجوه، ولكنها تظل مع ذلك متفقة في وجوه أخرى … وقد اتسعت مسافة الخلف بين اللهجات المتشعبة عن العربية، حتى أصبح بعضها شبه غريب عن بعض، فلهجة العراق ولهجات شمال أفريقيا في العصر الحاضر مثلا يجد المصري بعض الصعوبة في فهمها، غير أنه قد خفف من أثر هذا الانقسام اللغوي بقاء العربية الأولى بين هذه الشعوب لغة أدب وكتابة ودين) .
ثم إن لدينا أكثر من عشرين دولة عربية، والعاميات تختلف داخل القطر الواحد من مدينة لأخرى، يقول الأستاذ أحمد الشايب: (فأهل مصر لهم عاميتهم، وأهل العراق لهم عاميتهم، وكذلك المغاربة، كما أن لأهل الصعيد لغتهم العامية التي تخالف لغة سكان الشمال، الذين يختلفون هم أيضا في اختلاف عاميتهم باختلاف الأقاليم، ومعنى هذا توشك أن تكون هي اللغة القومية لكل قطر من أقطار الشرق العربي) وكثيرا ما يحمل اللفظ أكثر من معنى، وقد يكون مساغا في مكان ومرفوضا في آخر، فأي عبء على دارس العربية أكبر من هذا؟ وهي أن يلم بلهجات الأمة العربية من المحيط إلى الخليج والعاميات التي فيها، ثم إن العاميات مختلفة من بلد إلى آخر ومن زمن إلى آخر فكيف نختار منها ما نريد؟ وما هو مقياس الاختيار؟ أليست العودة إلى الفصحى هي الأفضل من التشتت وراء العاميات واللهجات الشائعة في الأقطار العربية؟
وللأسف الشديد بدأنا نجد جامعات ودور نشر ومؤسسات ثقافية وأكاديمية تتبنى مشاريع دمج الفصحى بالعامية، ووضع قواميس للعاميات في كل قطر وكل مدينة عربية، وذلك كما يقول أحمد الشايب (إما لأنها طور من أطوار التاريخ اللغوي والأدبي والاجتماعي، وإما لأنها قد تكون أساسا لهذه اللغات الإقليمية التي قد ينتفع بها فيما بعد كما يرى بعض المفكرين) .
ولا أدري ماذا سيفعل طالب درس العربية إذا وضعنا أمامه عشرات القواميس المختلفة للهجات العربية والعاميات المنتشرة في الأقطار العربية ثم طلبنا منه أن يلم بها، بل ماذا سيصنع الطالب العربي إزاء هذا الركام من الكلمات العامية وقواميسها، ألا يعني هذا أن العربية الفصحى ستكون في خطر، بل إن الذوق العربي والبلاغة العربية والحس الأدبي سيكون في خطر، وذلك يعود لسببين يتعلقان باللغة العامية:
(أحدهما: شيوع الخطأ اللفظي، والخروج على قوانين النحو والتصريف وعدم التحرج في قبول كل دخيل أو أعجمي من الألفاظ والتراكيب، حتى هجر فيها النحو العربي، وخضعت العبارات لصور أجنبية في تأليف الجمل وتكوين الأساليب. وثانيهما: ما غلب على معانيها من التفاهة والعرف، فأغلبها أوامر ونواه وأخبار عادية تتصل بالحياة الجارية، وتتكرر في كل وقت، وكل يوم مما لا يستحق درسا ولا تقييدا)
إن الدعوة إلى العامية تجعل الأمة العربية مرشحة لتمزق ثقافي قد يكون أشد إيلاما من تمزق وحدتها السياسية؟
كيف نرفع من شأن لغتنا ونطور تعليم اللغة العربية:
إن اللغة هي هوية الأمة الحضارية، والتمسك بها والسعي إلى إحيائها وتطوير الدراسات حولها دعامة من أولى دعائم النجاح الحضاري لكل أمة تسعى أن يكون لها مستقبل مشرق في الغد القريب، وإذا أردنا التقدم في استخدام اللغة وتعليمها، فنحن بحاجة إلى أمور، نذكر منها:
الأول: إيجاد النص اللغوي المعاصر الذي ينبغي أن يكون سهلا وميسرا في الخطوة الأولى.
ثانيا: ينبغي الاستفادة من القرآن والحديث وخطب السلف الصالح، ففيها مدد عظيم للفصحاء والبلغاء، يقول الشاعر القروي رشيد سليم الخوري في هذا الصدد: (فعلموا القرآن والحديث ونهج البلاغة في كل مدارسكم وجامعاتكم، لتقوم بالفصحى ألسنتكم، وتتقوى ملكاتكم، ويعلو نفسكم، وتزخر صدوركم بالحكمة، وتشرق طروسكم بساحر البيان) .
ثالثا: تنمية المهارات اللغوية لدى المتكلم الذي ينبغي أن يكون متلافيا لأخطاء الكلام، والاستفادة من تقنيات التعليم في هذا الصدد.
رابعا: تعريب المصطلحات العلمية بشكل دائم وتوحيد جهود التعريب في العالم العربي، وتعريب آداب وعلوم الأمم المتقدمة للاستفادة منها في آدابنا وواقعنا المعاصر.
خامسا: إيجاد المعاجم والقواميس العصرية وتزويدها باللوحات والرسوم التوضيحية، وتطوير هذه المعاجم بشكل دائم.
سادسا: تعاون كافة أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في هذا الصدد، وإبعاد شبح العاميات التي تهدد الفصحى في العالم العربي.
سابعا: التزام البلديات والمؤسسات وكافة أجهزة ومرافق الدولة والمجتمع على مستوى العالم العربي باستخدام العربية الفصحى وبخاصة في أسماء الطرق والإعلانات العامة.
ثامنا: إعادة صياغة العقل العربي بما يعزز الشخصية الحضارية للإنسان العربي والتأكيد على الهوية وعدم الانجراف الحضاري مع تيار العولمة الذي بات يهدد ثقافات الأمم والشعوب جميعا.
تاسعا: اللغة جزء من حياة الناس العامة وتراثهم الثقافي، وتفعيل الدور الحضاري للأمة مطلوب حتى تنهض اللغة وعلومها برفقة بقية العلوم الإنسانية والميدانية والمعملية والتجريدية، فلا يمكن أن تتم نهضة في جانب واحد من حياة الأمة دون بقية الجوانب، لأن النهضة حركة متكاملة، وكلٌّ يتقاسمه الأجزاء، وليس أجزاء بمعزل عن الكل. يقول الدكتور إبراهيم أنيس: (وتتبع اللغات الأمم في صعودها وهبوطها، وفي تطورها وتغيرها، إذ لا وجود للغة بغير المتكلمين بها، ولا تحيا إلا بحياة أبنائها، فكل تطور في حياة الأمة يترك أثرا قويا واضحا في لغتها)
وهذا يتطلب منا أمورا كثيرة، وفي مقدمتها العمل معا كفريق جماعي من أجل البحث في عيوب المناهج القائمة، وطرق تقويمها، والسبل النافعة لإعداد المعلم الناجح الذي يستوعب تحديات العصر ويتخلق بأخلاق المهنة، ويكون له من الصبر وقوة الإرادة ما يستطيع معه مواصلة رسالة نشر اللغة العربية. ثم يأتي دور الإرادة الفاعلة للأمة بأسرها، كل بحسب موقعه، من أجل نهضة شاملة تحتل الثقافة منها حصة الأسد، ويكون للغة العربية الحظ الأكبر من تلك الحصة، لأنها وعاء فكرنا الحضاري، ونبض حياتنا الاجتماعية، وأملنا المشرق في مستقبل حضاري واعد، والله ولي التوفيق.
المصدر
المصادر والمراجع
أولا: الكــتب
- الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، دار النهضة العربية، بيروت، الطبعة الثالثة، 1392هـ / 1972م.
- الأسلوب، أحمد الشايب، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1990م.
- البيان والتبيين، للجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي بمصر، الطبعة الرابعة، 1395هـ / 1975م.
- تاريخ آداب العرب، للرافعي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ / 1972م.
- جذور البلاء، لعبد الله التل، المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الثانية، 1398هـ/1978م.
- دلالة الألفاظ، د. إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الرابعة، 1980م.
- دليل الإملاء وقواعد الكتابة العربية، فتحي الخولي، مكتبة المنهل، جدة، الطبعة الخامسة، 1414هـ/1994م.
- ديوان حافظ إبراهيم، ضبط وتصحيح وشرح وترتيب أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الأبياري، دار العودة، بيروت.
- ديوان الشاعر القروي رشيد سليم الخوري، دار المسيرة، الطبعة الكاملة، بيروت، 1978م.
- ديوان هاشم الرفاعي، جمع وتحقيق محمد حسن بريغش، مكتبة المنار، الزرقاء، الطبعة الثانية، 1405هـ/1985م.
- في الأدب الحديث، عمر دسوقي، دار الفكر العربي، الطبعة السادسة.
- القاموس العصري، إلياس أنطون إلياس، دار الجيل، بيروت، 1986م.
- قواعد الإملاء والخط للصف الأول المتوسط، تأليف محمد أبو معطي مع آخرين، طبعة معدلة، وزارة المعارف السعودية، 1411هـ/1990م.
- علم اللغة، د. علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، القاهرة.
- كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري، تحقيق د. مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ/1981م.
- تفسير الكشاف، رتبه وضبطه وصححه مصطفى حسين أحمد، دار الكتاب العربي، بيروت، 1406هـ/1986م.
- الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1406هـ /1985م.
- مختارات البارودي، مشروع المكتبة الجامعة، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1404هـ / 1984م.
- من أسرار اللغة، د. إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو ا لمصرية، الطبعة الخامسة، 1975م.
- نشيدنا، سليم عبد القادر، دار السلام، القاهرة، الطبعة الخامسة.
- وفيات الأعيان، لابن خلكان، بتحقيق الدكتور إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت.
الدوريــــــات
- مجلة إسلامية المعرفة، السنة السابعة، العدد (26)، خريف (1422هـ /2001م).
- مجلة التجديد الماليزية، العدد الأول، رمضان 1417هـ/ يناير 1997م.