د.عبدالعزيز بن علي الحربي
مِن الناس مَن يولد وتولد معه شهادته المعيشية، فمَن وُلِد بصوت حسن أو مَلَكةٍ من الملكات التي يحتاج النّاس إلى قطف ثمارها؛ فقد يكون له ذلك خيرًا من كل شهادة عالمية (بفتح اللاّم وكسرها). وللشّعراء منزلةٌ في مدارج التّاريخ وشُهرةٌ غلبت شُهرةَ الحكماء والفلاسفة، وسبقوا بشعرهم بحسب حظوتهم لدى ممدوحهم، ولو كانوا من الماجنين.
والملكة إذا كانت كاملة لا تدع صاحبها، بل تثور عليه وهو في صباه، فتجذبه إليها، فإما أن تُردِيَه، وإما أن تُبْدِيَه، فإن كانت متوسطة أو دون ذلك وسقاها بما ينمّيها ويمدّ أصولَها قويت وصارت ملكةً صُنع وطَبْع، وقد يغلب أحدهما على الآخر، ويظهر أثر ذلك في موهبته، وكأيِّن من صبيٍّ ضُيِّعت موهبتُه بأخذه إلى غير ما يَنزع إليه وإلى غير ما يسِّر له أوّلاً، فلا تزال ملكاته تضعف حتى تموت، ولن يحييها إلاّ من يحيي العظام وهي رميم، وإذا بالذي كان يمكن أن يكون شاعرًا أو خطيبًا أو كاتبًا أو راسمًا أو خطاطًا أو مستشارًا، قد صار سبّاكًا أو حدّادًا أو طَلاّءً أو خياطًا أو خَبَّاطا أو حارسًا.
ولا نقصد من ذِكر هذه الحِرَف الشّريفة الذمّ أو التّحقير، فضروريّ الحياة وكمالها قائمان على هذه وأمثالِها، ولهذه الحِرَف من الكسب المعيشي اليوم لِمَن أتقنها مجالٌ رَحب؛ لأنّ قيمة المرء ما يُحسنه، وقيمة ما يحسنه حاجة النّاس إليه، والنّاس أحوج إلى الصّانع والخائط والسابك، والكسب من هذه الحرف خيرٌ لهم من الشّهادات العالمية، وبرهان ذلك أنّ صاحب الحِرفة مُستغنٍٍ بكسبه منها، وصاحب الشّهادة قابعٌ في بيته.
والمعادلة التي أريد الوصول إليها، هي: إذا كان الطالب لا هَمَّ له إلاَّ الشَّهادة، وضيّع على نفسه صدق التَّوجُّه، ونيةَ إحياء العلوم، ورفع الجهل، والعمل بما علم، وكان هَمُّه الأوّل هو تحصيل الشَّهادة طلبًا للعيش، فالأَولَى له أن يجتهد في تحصيل حِرفة من الحِرَف في بِضعة شهور تحقق له هدفَه، فهي خيرٌ له من ضَياع بضع عشرة سنة يجهد فيها نفسه وأهله وبلاده.
الموَظَّفونَ .. !!
العاملون على أربعة أقسام :
الصّنف الأول: العاملون في هدوء وصمت، الذين يبنون في ثقة ويعملون في اطمئنان، يرى النّاظر ثمرة دأبهم واجتهادهم في الواقع أكثر ممّا يرى عملَهم في الظّاهر، وهي الطَّريقة المُثلى، والسِّيرة الفُضلى، التي يسلكها المخلصون، والمصلحون الصّادقون، أصحاب الضَّمير الحيّ، وجهاز المراقبة الدّائب.
والصّنف الثّاني: أصحاب حركة وبركة، يظهرون عملهم وحركتهم ليعرف عملهم ويقتدي من حولهم بهم، أعمالهم ظاهرة، ونتائجها باهرة، وهي طريقة النّاجحين الذي هم إلى الشُّهرة ساعون، وإلى المعالي مسارعون.
الصّنف الثّالث: من يذهب ويجيء ويستجيش ويلتجي، يعمل، ولكنه يخبط خَبط عَشواء، فلا تجد إلاّ جَعجعةً بلا طحين، ولا ترى غير تخبط وركض، عمل كثير في ما يظهر للناس، والفائدة قليلة، والثّمار لا تزهو، والنّتاج خِداجٌ غير تمام، وهي طريقة المُرائين، الذي يحبُّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
والصّنف الرّابع: هم أصحاب أعمال لا ترى فيها حركة ولا بركة، وإنما مثل صاحبها مثلُ مَن قال الله فيه: " وهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ " ...
فهذه أربعُ طرائق مختلفة، لكلّ طريقة منهم جزءٌ مقسوم.
وإنّا لنرجو أن يكون أصحاب المدرسة الأولى والثّانية هم الأعْلَيْن في عددهم، كما كانوا في الدّرجات العُلَى في منازلهم، فهم العاملون بما ينفع النّاس ويمكث في الأرض.
ولا كثَّر الله سواد أولئك الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.