عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-01-2019 - 11:41 AM ]


المبحث الثاني:البناء... مفهوما وصفيا توصيف الشكل المنجز

تعد القصيدة عملا بنائيا، فهي تبدأ بفكرة ذهنية بسيطة، لتنتهي بجسد كتابي متحقق وجوديا، والقصيدة بشكلها المتحقق تخضع لتوصيفات ترسم ملامحها، مثلما تخضع لإشتراطات تكفل نجاحها.

والفرق بين توصيف القصيدة، بوصفها وحدة بنائية مكونة من اجزاء متعددة، وبين الاشتراطات التي يجب ان تكون عليها صناعة القصيدة كالفرق بين المادة المدروسة ومنهج دراستها، فهما ميدانان متغايران، لكل منهما استقلاله وخصوصيته، بحيث يصبح الجمع بينهما تعسفا واضحا، بل خلطا لا يسوغه المنطق.

وبناءا على ما تقدم، يصبح من الضروري، ان يكون لكل ميدان من الميدانين السابقين، مصطلحاته الخاصة، التي تحدد ــ وبدقة ــ هوية كل منهما، ليتسنى للدارس والمتلقي معا الخروج بصورة واضحة لعملية الخلق الشعري.

والمتابع للمتن النقدي العربي المتخصص بدراسة القصيدة العربية، لا يخفى عليه ما وقعت فيه الدراسات الخاصة بهذا الجانب من خلط مصطلحي، الى درجة يمكن معها ان نصف هذا الخلط بالفوضى المصطلحية، وسيكون هذا المبحث خاصا بدراسة البناء بوصفه شكلا منجزا.

فالبناء بمعنى الشكل المنجز، هو هيكل القصيدة القائم الماثل للعيان، ودراسته تعني توصيف مكونات القصيدة الخارجية، او الداخلية، أي انه عمليا يدل على دراسة الاجزاء الخارجية للقصيدة من: مقدمة الى التخلص ثم الموضوع وصولاً الى الخاتمة، ثم الانتقال لدراسة المكونات الداخلية لها التي تتكون من: دراسة اللغة الشعرية: الالفاظ، والتراكيب، والجمل، والاساليب، والابيات، والبناء بهذا المعنى نادرا ما يختلف من غرض لآخر، اومن شاعر لآخر، منذ نشوء القصيدة العربية قبل الاسلام الى العصر الحديث الا في حالات قليلة.

وبناءا على ما تقدم، فإن ميدان البحث، ومجال الدراسة لهذا المفهوم من البناء انصب على بنية القصيدة الخارجية، ثم الوقوف على ما تخفيه من آليات داخلية، ومن ثم تفكيك اجزائها لمعرفة الآليات الحاكمة لعلاقة تلك الاجزاء ببعضها، وهو بهذا غير معني بما يجب ان تكون عليه تلك الاجزاء معياريا، وغير معنى ايضاً بما يجب ان تكون عليه عملية الخلق الشعري وادواته من خيال او تصوير او غير ذلك، فهو مفهوم وصفي تحليلي وليس معياريا، معني بما هو كائن وليس بما يجب ان يكون.

وفضلا على ما تقدم فإنه مما يندرج تحت هذا المفهوم من البناء توصيف خطوات انشاء القصيدة وصناعتها، اذ ان: ((كل مرحلة من هذه المراحل تمثل خطوة في إتمام مشروع العمل الشعري، ويستلزم تبعاً لهذا الاساس ايجاد رابط لفظي او معنوي يربط تلك الوحدات برابط الوحدة القدية المشتركة، ولما كان هذا المضمار اسا لابد منه في عملية البناء الشعري فقد اقتضى براعة في وضع اللبنات موضعها المناسب حتى تتجاذب اقطاب المراحل مع بعضها بعضاً))([27])

وقد حاول ابن قتيبة ان يضع تأسيسا تاريخيا لهذا المفهوم من البناء حينما قال: ((وسمعت بعض اهل الادب يذكر ان مقصد القصيدة إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار. فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر اهلها الظاعنين عنها، اذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لإ نتقالهم من ماء الى ماء وانتجاعهم وتتبعهم مساقط الغيث، حيث كان، ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد والم الفراق، وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف اليه الوجوه... فإذا علم انه استوقف من الاصغاء اليه والاستماع له، عقب بايجاب القول، فرحل في شعره، فشكا النصب والسهر، وسرى الليل، وحر الهجير، وانضاء الراحلة والبعير، فاذا علم انه قد اوجب على صاحبة حق الرجاء، وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح...))([28]).

نجد في النص السابق ان ابن قتيبة حاول ان يضع يده على اجزاء القصيدة العربية الاساسيه الا انه قدم وأخر بين تلك الاجزاء والموضوعات التي تعالجها ؛ فالشاعر (مقصد القصيدة) يبدأ بالمقدمة التي تتضمن وصف الديار ثم يذكر معاناته، ومن بعد ذلك يستوقف الصحب ليتخلص لذكر احبابه وهجرانهم عنها بغية امالة قلوب السامعين اليه ليكون ذلك مدخلاً مناسبا للدخول في غرضه وهو المديح: ((فالشعراء يبدأون قصائدهم بوصف الديار وحالها في نفوسهم من ذكريات وبالغزل والحديث عن الحبيبة وديارها قبل ان ينتقلوا الى ما نكبتهم به ضرورة العيش وهو المديح استجداء لرمز الممدوحين))([29]).
ويبدو ان هذا الترتيب بين اجزاء القصيدة كان اشبه بالدستور الذي يسير بمقتضاه الشاعر حينما يريد بناء قصيدة: ((فالشاعر يبدؤها بوصف الاطلال والديار والنسيب، ثم يستطرد الى وصف الصحراء، او حيوانها الاليف والوحشي، حتى إذا فرغ من هذا الوصف خرج الى الغرض الاساسي لقصيدته من الفخر او المدح او الهجاء او الاعتذار او الرثاء، وربما ختمها بالحكم والامثال))([30]).

ومعنى هذا ان الاجزاء البنائية للقصيدة العربية على وفق هذا المفهوم من البناء انحصرت في ثلاث وحدات: المقدمة والتخلص والموضوع، وقد تناولها الشاعر العربي بحسب ما ذكره ابن قتيبة في نصه السابق في ثلاث مراحل وهي: الافتتاح والرحلة والغرض، فلقد: ((تحددت صيغ مدخل القصيدة الجاهلية الموروثة عبر ثلاث مراحل ؛ اولها: الافتتاح الذي يعالج فنون الطلل والظعن والنسيب والغزل والخمر والشيب والشكوى والفروسية وما الى ذلك من صور ظلت البيئة الجاهلية تغذيها، وتحدها بالتفاصيل المتجددة، وظل الشاعر يتخذها منفذا تعبيريا لحديث النفس في تأملها للماضي... وثانيها: الرحلة التي تتخذ ـ غالباً ـ مجرى وصف الناقة ورحلتها... وثالثها: الغرض الذي تعالجه القصيدة ويتمثل في الاستجابة الآنية لظرف طارئ يستدعي المديح او الهجاء او الرثاء او الفخر...الخ ويتخذ الشاعر منفذا تعبيريا لا ستشرافه الذاتي وتطلعه الى النموذج الاعلى لمثله في الحياة))([31]).

ونرى عند النقاد العرب القدماء تأكيداً على ضرورة تماسك تلك الاجزاء، فقد اشار الحاتمي الى ان: ((القصيدة مثلها مثل خلق الانسان في اتصال بعض اعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر، او باينه في صحة التركيب، غادر بالجسم عاهة تتخون محاسنه وتعفي معالم جماله))([32])، وهذا الكلام يحيلنا الى مفهوم الوحدة العضوية للقصيدة التي يفترض ان تكون كالكلمة الواحدة ((في اشتباه أولها بآخرها، نسجاً ولفظاً، ومعنى))([33]).

وفيما يخص البناء الداخلي فقد وجد النقاد العرب ان المكونات الداخلية للقصيدة العربية يعد الوجه الآخر لبنائها الخارجي، فقد زاد الدكتور نوري حمودي القيسي على عناصر وحدة القصيدة عناصر اخرى تصب في بنائها الداخلي منها: ((الترابط العضوي بين الاغراض التي يطرقها الشاعر، ووحدة الفكر التي تشد اجزائها، ووحدة الحدث، وترابط الحدث، وترابط الافعال التي تأتي وفق سياق محكم وتسلسل مترابط))([34]).

وقد نجد هذا المفهوم للبناء ـ بمعنى الشكل المنجز ـ يقترب من دراسة الوحدة العضوية للقصيدة التي سبق ارسطو العرب في التركيز على ضرورتها اثناء حديثه عن المأساة اليونانية اذ رأى ارسطو ان تلك الاجزاء يجب ان تكون متماسكة: ((بحيث اذا نقل او بتر جزء انفرط عقد الكل وتزعزع لأن ما يمكن ان يضاف اولا يضاف دون نتيجة ملموسة لا يكون جزءاً من الكل))([35]).

وعلى الرغم من تلازم مكونات البناء الداخلي والبناء الخارجي للقصيدة، وعدم انفصالهما منطقيا، وصعوبة تصور اي واحد منهما دون تصور الآخر، يرى الباحث ضرورة فصلهما في دراسة القصيدة، اذ ان مزجهما معا تحت مفهوم واحد في الدراسة، وكأنهما شيئا واحدا كثيرا مما يؤدي الى نتائج دراسية سلبية لا تصب في الكشف عن آاليات القصيدة، وربما تؤدى الى تكوين صورة مشوشة وغير دقيقة عنها.

فقد اوجدت الدراسات النقدية الحديثة مصطلحا جديدا ملتبسا هو: البناء الفني، للدلالة على محمولات المصطلحين السابقين معا، ومن خلال استعراض المتون النقدية الحديثة، واستعراض ما انجزته الجامعات من رسائل واطاريح اكاديمية نجد ان المراد بمصطلح البناء الفني: دراسة هيكل القصيدة او شكلها المنجز فضلا على دراسة البناء الداخلي لها: اللغة الشعرية، والاساليب، والصورة الفنية، وربما تجمع تلك الدراسات بين مكونات القصيدة المتقدمة الى جانب ما يجب ان تكون عليه عملية الخلق الشعري، وهو جمع لا مبرر له ولا يسوغه المنطق العقلي.

لقد اوقع هذا المفهوم كثيرا من القراء والمتلقين العرب في لبس، وقد لا يستطيع القارئ ان يتبين له مفهوما موحدا او تعريفا دقيقا في دراسات النقاد المعاصرين، فقد بان الخلط واضحا في المؤلفات الحديثة بخصوص تحديد المصطلحات الخاصة بدراسة مكونات القصيدة العربية، وعلى سبيل التمثيل ورد المصطلح المذكورعند الدكتور مرشد الزبيدي واراد منه: ((بناء العبارات والصور والموسيقى والافكار والتركيبات اللغوية والعواطف المتآلفة والمتضادة فيها...)) ([36])، وهذا معنى عام غير مخصص، يشتمل على دراسة اوجه القصيدة كلها، وهو معنى يبتعد من مفهوم دراسة وحدات القصيدة الذي يتفق مع الرؤية السابقة لمفهوم البناء، ومما يزيد الامر غموضا والتباسا ان الاستاذ الزبيدي يعود ثانية ليعقد مقارنة بين المصطلح المذكور ومصطلح آخر هو: الوحدة العضوية، قائلاً: ((وان الفرق بين المفهومين فيما ترى يتعلق بطرائق التحليل، ففي حالة دراسة الوحدة العضوية يتعلق البحث بدراسة العلاقات التي هي الاقسام التي يتكون منها النص بينما في حالة البناء الفني يتعلق الامر بدراسة العناصر المكونة للقصيدة فضلاً عن دراسة علاقات الاقسام المكونة لها، فالبناء الفني... اشمل من وحدة القصيدة، وهو يتضمنها، ولذلك يكون من المناسب في بنية العمل الفني ان يخصص جزءاً من دراسته لموضوع وحدة القصيدة))([37]).

ولا يمكن التسلسم بصحة هذا الكلام بمجمله لتناقضه لا سيما في الجزء الاخير منه حينما اراد من (مصطلح البناء الفني): الدراسة الشاملة للقصيدة أي جعل مفهومي البناء: الشكل المنجز، وعملية الخلق والتكوين منظويات تحته، مع الاشارة الى ان هذا اللبس الذي يتمثل في تعميم مصطلح البناء الفني وارد في اكثر المصادر التي عنونت بهذا العنوان([38]).

ويرى الباحث ان مصطلح (البناء الفني) مصطلح غير دقيق، فهو يثير كثيراً من الارباك اولا، ثم اذ انه لم يرد في المتن النقدي العربي القديم ثانيا، فالمدونة النقدية العربية قد درست القصيدة العربية في اغلب الاحوال على وفق مفهومي البناء اللذين ذكرناهما.

ونجد الامر ذاته عند الدكتور جودت فخر الدين في كتابه (شكل القصيدة العربية)، فقد استعمل الدكتور جودت مصطلحا آخر ليس اقل ارباكا من مصطلح البناء الفني، فقد استعمل مصطلح: الشكل، بوصفه مصطلحا جديدا في دراسة القصيدة العربية، فقد جعله جامعا لمفهومي البناء السابقين في سلة واحدة، فالشكل عنده يتحدد بهذه المعادلة:

الشكل = المعنى + المبنى

وبذلك فإن مفهوم الشكل عند الدكتور فخر الدين مفهوم عام يمكن للدارس من خلاله دراسة كل ما يتعلق بالقصيدة بصورة غير محددة، مما افقد هذا المصطلح هويته ([39]).

وبناءا على ما قدم يرى الباحث انه يتوجب على الدارس إن اراد معالجة الشكل الخارجي المنجز وهيكلها المعماري والهندسي فإن مصطلح البناء الخارجي اومصطلح البناء الهيكلي هو المصطلح الملائم لدراسته، ويقع تحت هذا النوع من الدراسة: دراسة اللغة الشعرية: الالفاظ والتراكيب والجمل والاساليب والابيات، واجزاء القصيدة من مقدمة وتخلص وموضوع وخاتمة، فضلا على دراسة الايقاع بنوعيه: الخارجي والداخلي، اما إذا أراد دراسة عناصر القصيدة الداخلية: الافكار والعواطف، الخيال، الصور الفنية، والحالات النفسية فإن مصطلح البناء الداخلي سيكون المصطلح المناسب لدراسته.


رد مع اقتباس