عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-10-2019 - 08:42 AM ]


أمّا شيوعُ الأخطاءِ النّحويّة والإملائيّة فقد بلغَ السّيلُ فيها الزّبى، حتّى انتقلتْ عدوى الوقوعِ بها إلى أصحابِ الاختصاصِ، وحملة الشّهاداتِ العليا، بحجّةِ أنّ المقامَ ليسَ مقامَ احتفالٍ باللغةِ الغربيّة بقدرِ ما هو امتثالٌ لمتطلّباتِ التّفاعلِ السّريعِ، وإيصالِ (المسجاتِ) بأسرعِ الطّرقِ، معَ وجودِ حالاتٍ من التّثاقلِ في البحثِ عن الهمزاتِ وحركاتِ الضّبطِ وزخرفةِ الكلماتِ ما دامَ أنّ الرّسالةَ ستصلُ دونَ هذا العناءِ.
فلا يمكنُ القولُ: إنَّ مستخدمي شبكاتِ التّواصلِ الاجتماعيَّ قدْ نجحوا في إيجادِ لغةٍ جديدةٍ عبرَ عالمهم الافتراضيِّ، لغةٍ خارجةٍ على الأُطرِ والقواعدِ اللّغويّةِ الرّاسخةِ للغتنا العربيّةِ الأمّ؛ لأنَّ هذا الاعترافَ نوعٌ من التّسليمِ بأحقيَّتهم في الخروجِ على لغتِهم الأصيلةِ، وتحويلِها إلى خليطٍ من الحروفِ والأرقامِ والرّموزِ والرّسوماتِ والاختزالاتِ، رغمَ أَنَّها تؤدّيْ رسالتَها، وتحقِّقُ متطلَّباتِ التّعبيرِ عن الذَّاتِ الإنسانيّةِ، إِذْ إِنَّ اللغةَ العربيّةَ من أقدمِ لغاتِ الأرضِ، وخزائِنُها ملأى بالمفرداتِ ومرادفاتِها الّتي أهَّلتْها لمواكبةِ الحداثةِ، فلا يعتريها النّقصُ لتحقيقِ أيِّ نشاطٍ اجتماعيٍّ تواصليٍّ مهما كانَ طابعُهُ وشكلُهُ، فلا يُقالُ اليومَ على ألسنةِ المنظّرينَ والمنادينَ بالانقسامِ اللغويّ: إنَّ لغتَنا قاصرةٌ عن مجاراةِ اللغاتِ الأخرى، والثَّقافاتِ المتنوّعةِ؛ ليكونَ هذا الاتّهامُ الموجَّهُ للغتنا العربيّةِ دافعًا للتّوسّلِ إلى لغاتٍ هابطةٍ لا ترتكزُ على قواعدَ، بلْ تعتمدُ العشوائيّةَ في توجيهِ النّظامِ اللغويّ الضَّعيفِ كتابةً ومشافهةً.
فممّا لا شكَّ فيهِ أنَّ شبكاتِ التّواصلِ الاجتماعيّ قدْ أصبحتْ تشكّلُ خطرًا على اللغةِ العربيّة، فالرّواجُ للغةِ الإنترنيتيّة انتشرَ بشكلٍ واسعٍ، وفقَ الإحصاءاتِ الّتي قدّمها الباحثون، وذلكَ على حسابِ اللغةِ العربيّة الّتي باتتْ منسيَّةً، إلَّا لدى فئةٍ قليلةٍ من المهتمّينَ والمدافعينَ والمثقّفين الّذين يتداولونَها، ويعبّرون بها، ويثرونَ فيها المشهدَ الثّقافيَّ، والأكثر إدهاشًا وحزنًا أنَّ هذهِ اللغةَ قدْ تسلّلتْ من الواقعِ الافتراضيّ إلى الواقعِ الحقيقيّ، بلْ إِنَّها أصبحتْ في نظرِ الكثيرين من مستلزماتِ التّواصلِ الاجتماعيّ؛ لسهولةِ استخدامِها وسرعةِ إنجازِها، والتّنازلُ عنها ليسَ بأسهلَ من التّنازلِ عن اللغةِ العربيّة الأصيلةِ، فاستخدامُها مبرَّرٌ ومباحٌ بكلِّ الأوجهِ والأشكالِ.
فهامشُ الحرِّيَّةِ المعطى لمرتادي صفحاتِ التّواصلِ الاجتماعيِّ جعلهم يقفزون عن كثيرٍ من الحواجزِ القيميّةِ الضَّابطةِ في استخدامِ اللغةِ العربيّة، للدرجةِ الّتي استباحوا فيها التّعدّي على قواعدها النَّاظمة؛ باستنساخِ لغةِ محادثةٍ أقربَ ما تكونُ إلى اللغةِ التِّجاريّةِ الّتي تتبدّلُ مصطلحاتُها وتراكيبُها يومًا بعدَ يومٍ حسبَ متطلّباتِ السّوقِ، فلا تستقرُّ على حالٍ، والمجالُ مفتوحٌ فيها للحشو والاستبدالِ والتَّمازجِ معَ اللغاتِ الأخرى، والانزياحِ بالألفاظِ إلى غيرِ معانيها، والتَّرويجِ للمبتذلِ من التَّراكيبِ الدَّخيلةِ، وتفريغِ المفرداتِ من مضامينِها الحقيقيّةِ، إذْ لا مكانَ للاستنادِ إلى مقولاتِ العلماءِ وآرائهمْ، ومراجعةِ القواعدِ والمسائلِ اللغويّةِ المتَّفقِ عليها، وتمحيصِ الأقوالِ الواردة في سياقِ النَّصِ قبلَ زجِّهِ في الصَّفحاتِ للمتلقِّيْ، ولا رادَّ من استباحةِ ساحةِ اللغةِ العربيّةِ بما لا حصرَ لهُ من المخالفاتِ الّتي لا يحتاجُ الأمرُ معها بعدَ ذلكَ إلى مصحِّحٍ أو مدقِّقٍ لغويٍّ؛ لتقودنا تلكَ الحملةُ على اللغةِ العربيّةِ في نهايةِ المطافِ إلى الاستخفافِ بها، ثمَّ وبالتَّدريجِ طمسِ الهويَّةِ للحرفِ العربيِّ، وإحداثِ حالةٍ من التّغريبِ بينَ اللغةِ العربيّةِ وأبنائها.

رد مع اقتباس