عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-07-2019 - 11:26 AM ]


حوار مع د. عبد الله التطاوى
نحتاج إلى التفاعل مع التراث بشكل أفضل

حوار: أحمد محمد خلف



دعا الدكتور عبد الله التطاوى ـ نائب رئيس جامعة القاهرة لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة ـ إلى مراجعة التراث وإعادة قراءته والتفاعل معه وانتقد الموقف المبدئى العدوانى من التراث، وأكد على أن التجديد لا يعنى بالضروة الخلاص من القديم، كما أن التمسك بالتراث لا يعنى بالضرورة الانعزال عن الجديد.

وقال فى حواره لـ"الساقية الورقية" إن التراث بالنسبة لأى أمة يمثل الأب الشرعى لبقائها بشرط أن تحافظ عليه وأن تجعله موضع المساءلة والحوار، وحَمَّل المؤسسات التعليمية بالدرجة الأولى مهمة تعريف الأجيال الجديدة بالتراث، وأشار إلى أن التراث يمكنه أن يساهم فى النهضة والتقدم بشرط أن نعيد إلى الأذهان ذلك الرصيد العلمى والمعرفى الذى تميز به.



عبد الله التطاوى
وفيما يلى نص الحوار:



â–* بداية.. ما هو التراث؟

تراث أى أمة هو خلاصة ما تمتلكه من ماضيها على المستوى الإنسانى والمستوى الفكرى والمستوى القيمى والسلوكى والمستوى الثقافى بوجه عام، وإن شئنا الدقة فى التحديد فهو أغلى ممتلكات الأمة عبر ماضيها، بما يسجل خلاصة عطاء الأجيال السابقة وما يمثل رصيدًا للأجيال الحالية وأجيال المستقبل، وهو بالنسبة لأى أمة يمثل الأب الشرعى لبقائها بشرط أن تحافظ عليه إحياءً وتجديدًا وأن تجعله موضع المساءلة والحوار والإضافة والابتكار بما يضمن له المزيد من الاستمرارية والبقاء، ويُسْتَدْعى هذا التراثُ دائمًا لصناعة قفزة فكرية قوية ومُتمكنة لرسم سياسات المستقبل.

"
لا يجوز أن نرفع لواء التمرد والرفض ضد تراثنا دون أن نقترب منه.. ونتفاعل معه
"


â–* إلى أى مدى ترى تفاعلنا فكريا وثقافيا ومجتمعيا مع هذا التراث؟



نحن نحتاج إلى أن نتفاعل مع التراث بشكل أفضل بكثير مما نحن عليه، فينبغى أن ننشر أفضل ما فى تراثنا على الأجيال الجديدة لتعرف ماضيَها على حقيقته بعيدًا عن المزايدة عليه.. أو التشويه له.. أو التشويش حوله، فمن واجبنا أن نأخذه من مصادره الصحيحة وأن نوظف تكنولوجيا العصر فى خدمته على مستوى المنهج.. والأدوات.. والقدرة على التعايش معه فهما وبحثا، كما كان يقول الأستاذ أمين الخولى بـ"ضرورة قتل التراث بحثـًا"، أما الوقفة الصامتة إزاء التراث فإنها تأتى بتداعيات سلبية لا تظهر سلبيتها عند جيل الرواد أو عند جيل الوسط وإنما تظهر عند الأجيال التالية، لنفقد ثقافة الثقة فى النفس وفى الأمة، أو ثقافة التواصل المعرفى والإنسانى عبر الأجيال، أو ثقافة الانتماء للشخصية القومية واحترام الخصوصيات الثقافية للوطن، دون تفريط أو مجرد تهوين من شأن التاريخ أو التراث بمعناه الإنسانى العام.

فنحن نحتاج إلى "تحقيق التراث" ولا بد أن نستوثق من تراثنا بتحقيق المخطوطات وجمع صورها من مكتبات العالم كله وإتاحة الفرصة لباحثينا ومفكرينا لأن يجمعوا هذه المخطوطات ويحققوها تحقيقا علميًّا عصريًّا سليمًا.

وتطبيق المناهج العصرية والإفادة من تجارب الدول المتقدمة فى التعامل مع موروثها الإنسانى من حيث "إعادة القراءة"، إعادة قراء ة التراث بمنهج عصرى جديد، وفتح مجالات النقاش والحوار حول إيجابياته وسلبياته دون تعصب أو انغلاق، بحيث لا تتحول علاقة التراث بأهله إلى نمط من الاستعباد أو السيطرة أو الهيمنة أو الرقابة بقدر ما يظل قابلا للمناقشة والحوار؛ ولا مانع من طرح هذه القراءات المتجددة للتراث على الناشئة من خلال مختصر مبسط له مع الإحالة إلى مصادره من أمهات الكتب لمن استطاع الاطلاع عليها والتعامل معها، كما يمكن النظر فى تصفية المواد التراثية مما قد يشوبها أحيانا من الخرافات والأساطير والأوهام والإضافات التى ربما تلاعبت بها أقلام بعض المؤرخين فى محاولة لتشويه تراث الأمة.



â–* من القادر على تحديد أن هذا الشىء خرافى وأسطورى وأنه محاولة لتشويه تراث الأمة.. وأنه غير ذلك؟



أستطيع أن أحدد لك أكثر من وسيلة لتنقية التراث:

1- طريقة تعامل المتخصص فى قراءة التراث مع النص القديم، فهو يصبح كالصيرفى الماهر الذى يعرف العملة الزائفة بالخبرة والدربة.

2- استجلاء المرويات التاريخية بما يقنع بصحتها (فالفرق كبير بين رواية الآحاد والرواية المتواترة موضع الثقة) فرواية الآحاد موضع شك.

3- الاعتماد على استبطان ما وراء النص التراثى من دلالات، بمعنى قدرة أهل التراث على فهم مدلول النص أو فضاء النص ومجالاته الدلالية وما وراء السطور بشكل صحيح غير قابل للعدوانية أو لمحاولة النيل من التراث.

4- الاستعانة بإجماع أهل العلم والخبرة فى القضايا التراثية الشائكة والتى يمكن فيها الاطمئنان إلى الإجماع أو إلى رأى الأغلبية، خاصة إذا عُرض على العقل وقَبِلَه العقل.

خذ مثلا المعلقات فى الأدب، روى ابن عبد ربه فى كتاب (العقد الفريد) أنها عُلِّقت على أستار الكعبة وكتبت بماء الذهب، والحقيقة أنها لم تكتب بماء الذهب ولا غير ماء الذهب ولم تعلق أصلا، لماذا؟ الدليل التاريخى هنا أن كلمة المعلقات نفسها لم ترد فى الشعر الجاهلى فلم تكن فى ذاكرة العرب، هذه كلمة وردت فى عصر التدوين فى العصر العباسى.

الدليل التاريخى الثانى أن هذه الرواية التى وردت عند ابن عبد ربه هذه تعتبر رواية آحاد لم تتواتر فى نفس الجيل ربما يقول البعض أنه تم تناقلها بعد ذلك لكن المصدر غير دقيق، هذا مصدر واحد ونحن هنا ينبغى أن نلجأ إلى تعددية المصادر.

الدليل التاريخى الثالث: ألم يأت مؤرخ ـ ربنا يفتح عليه ـ ويقول لنا ماذا فعل النبى عليه الصلاة والسلام فى فتح مكة مع المعلقات المدرجة بماء الذهب على الكعبة، حرقوها قطعوها مزقوها كما فعلوا بالأصنام، لا يوجد خبر واحد يقول لنا ما الذى حصل معها؟ الدليل التاريخى الرابع: أنها لو كانت علقت فعلا فهل هى 7 أم 9 أم 10؟ ولو علقت هل يختلفوا فى رواية البيت الواحد فى نسبته مرة لامروء القيس ومرة لطرفة بن العبد، لماذا؟ إذا كانت مسجلة فلا توجد مشكلة.

الدليل التاريخى الخامس: هل الكتابة عند العرب كانت راقية حضاريا إلى هذا الحد؟ العرب كانوا يكتبون على ماذا؟ على عظام الحيوانات وجلود الحيوانات ولحاء الشجر وسعف النخيل، يعنى أدوات صعبة، صحيح أن القرآن قال لهم (ذلك الكتاب) ففى كلام عن (الكتاب)لكن الكتاب هنا محتواه، ما بين دفتين، والكتاب قيد العلم عند العرب، لكن هل كانت المسألة بهذه البساطة؟ فهذه مسألة لا تتفق مع الكتابة الحياتية المرتبطة بالحياة اليومية، هل كان مثل ذلك قائما على المستوى الحضارى؟ نحن لم نعرف الورق إلا من صلتنا بالصين بعد ذلك لما أنشأ المأمون دار الحكمة والرشيد وبدأنا انفتاحًا حضاريًّا.

يمكن أن تأخد خمسة أو ستة شواهد وتمررها على العقل والنص والخبر التاريخى، هذا الثالوث إذا اطمأننت إلى تمرير النص التراثى عليه واتفق معه أستطيع أن آخذ النص التراثى وأنا مطمئن.



â–* ما أثر التراث فى الواقع الآن؟



سؤالك هذا خطير جدا، لأنك من الجيل الجديد الذى يمكن أن يطرح هذا السؤال ويقول أين تراثنا وإحساسنا به؟ أنا أقول لك هذه مسؤولية مؤسساتنا التعليمية بالدرجة الأولى أن تُعَرِّفَ الأجيال الجديدة بقيمة هذا التراث ليس من قبيل الإعلاء ولا التفاخر والتباهى ولا حتى التماهى مع هذا التراث والتعايش معه فى جلباب القدماء، ولكن من قبيل الاستفادة منه فى خلق طاقات جديدة، سأقول لك كيف تكون؟ لأن هذا السؤال مهم جدًّا، حينما تعرف أن الثقافة العربية الإسلامية هذه تحولت من مجرد إبداع شعرى فى العصور المبكرة قبل الإسلام إلى حضارة علمية من الدرجة الأولى، فتجد فى الطب ابن سينا وأبو بكر الرازى والمنصورى، وفى الكيمياء جابر بن حيان، وفى الدورة الدموية ابن النفيس، وفى البصريات ابن الهيثم، وابن سينا فى القانون أيضًا فألف لنا كتاب (القانون) فى الطب وكتاب (الشفاء) فى القانون فلديدك موسوعة متحركة فى الحياة.



â–* وكانت توجد شبكة صرف صحى فى زمن الحضارة العربية الإسلامية فى الأندلس وقت أن كانت لندن تعيش فى الأكواخ..



صحيح.. وليس هذا فحسب، بل إن معابر الحضارة العربية الإسلامية التى انتقلت للأندلس ووصلت إلى الصين أيضًا فى الشرق عَلَّمَت البشرية كلها كل العلوم والمعارف وهذه قيمة تعليم التراث وتاريخ العلم الآن، سأقول لك لماذا؟ لأن الأمر وصل لدرجة أن العلم ظل يتحدث بالعربية أكثر من 800 سنة، فمن يريد أن يتعلم الطب عليه أن يتعلم العربية، ومن يريد أن يتعلم الفلك أو الهندسة أو الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء لا بد أن يتعلم العربية، لماذا؟ لأن المُنتِجَ عربى، فالمنتج عندك إما أن يكون ابن سينا أو ابن حيان أو غير ذلك، فمُنتِج العلم هو صاحب السطوة والسيادة.

"
تحدث العلم بالعربية لأكثر من 800 سنة
"

â–* كما يحدث الآن

نعم.. أما المستهلك أو المستورد فهو مجرد مُتَلـَّقٍ لا دور له فى إفراز العلم ولا إنتاج المعرفة، وإنما يظل مجرد متلق للعلم أو المعرفة، وهذا هو التحدى الحقيقى، فهذه الأمة التى أنتجت أو أنتج فيها الأسلاف هذا الكم من العلوم الذى نقل عبر معابر النهضة إلى أوروبا، أصبحنا الآن فى الأجيال الجديدة مطالبين باستعادة قدرة القدماء على إنتاج العلم والمعرفة وعلى توطين العلم وتوطين المعرفة وعلى المشاركة فى إنتاج المعرفة بدلا من وقفة المتفرج أمام الآخرفى موقف الانبهار أو الدهشة؛ الأمر يحتاج إلى إعادة نظر فى المنظومة حتى نستطيع أن نسترد أيضا قدرًا من هذا التراث ونعيد توظيفه، ليس بلغة أمجاد يا عرب أمجاد التى لم تعاصرها طبعا، وإنما بلغة كيف يستفيد اللاحق من السابق وكيف نرسم رؤى المستقبل عبر جذور قوية وثابتة دون تضييع أو إزالة أو تهميش لما صنعه القدماء، وبالتالى يحتاج الأمر إلى عقلية مجددة قابلة للتعددية وقابلة لعدم التناقض بين هذه التعددية وبين الوحدة فى آن واحد، وقد لخصها الرسول عليه الصلاة والسلام فى ست جمل فى حجة الوداع، قام بتلخيص رائع لهذه المسألة حين خاطب الناس بـ"أيها الناس" وليس "أيها المسلمون" ولا "الحجاج" ولا "المؤمنون" ولا غيره، فجمع فى كلمة الناس وحدة النوع؛ "كلكم لآدم" توكيد للوحدة؛ "وآدم من تراب" توكيد للوحدة؛ لكن انظر فى بقية التعبيرات: "ليس لعربى فضل على أعجمى إلا بالتقوى" توكيد للتعددية، واحترام للتعددية، "أكرمكم عند الله أتقاكم" احترام للتعددية؛ فهناك المشترك الإنسانى الذى يجب احترامه والانطلاق منه بين الشعوب لأنه يختزل مسافة الخلاف ويفتح بابا جيدًا للحوار الفكرى الذى تلتقى حوله الأمم والشعوب دون خلافات أو تناقضات بعيدة، وثمة فرق بين بنية الحياة الفكرية على أساس التصادم أو الصراع أو التشدد والانغلاق وبين قبول التعددية والمرونة والانفتاح على الآخر بما يثرى القيمة التراثية ويُعلى من شأنها ويجعلها قيمة مضافة دائمًا إلى عطاء المرحلة دون استخفاف بها ودون تنازل عنها أو إهدار لقيمتها.



â–* الذين يتفاعلون مع التراث.. هل لا يزالون يعيشون فى ذات اختلافات التراث؟



هذا تحدٍّ أمامهم، فالذين يتعايشون مع التراث يجب أن يتمتعوا بالقدرة على الخروج من دائرة هيمنة التراث أو سيطرته أو رقابته عليهم إلى جعله قابلا للمساءلة والمراجعة والحوار، دون مساس بالثوابت أو المقدسات أو الرموز التى ينبغى أن تحترم لدى أهل الأديان جميعا، وبالتالى تبدو الوسطية فى التعامل مع التراث هى المدخل الناجح لصناعة برامج التفاعل معه، بلا تعصب أو انغلاق، خصوصا أن هناك بالفعل مساحات مشتركة بين الأمم والشعوب تجعلها قادرة على التعايش والوئام بمنأى عن الخصومة والصدام، فالوسطية تمثل "المدخل الآمن" لهذا الأمر، ولعل هذه الأمة حين وصفت بالوسطية قُصِدَ من ورائها أن تتفاعل مع فكر الآخر وثقافاته وأخلاقياته دون قهر له أو ظلم.. ودون قبول أى إذلال لها ـ الأمة ـ أو ضيم، ومن ثم كانت خير أمة باعتبارها أمة وليست جزرًا مفرقة ولا دولا ممزقة ولا مناطق متشرذمة، بحيث تمتلك أدواتها العقلية والوجدانية من خلال تراث متجانس ينبض بفكر متقارب وبلغة واحدة وتاريخ مشترك مما يجعل تكامل فكر الأمة مبنيا على صدق فهمها ووعيها لتراثها.



â–* كيف تقيم تفاعل التيارات الثقافية والفكرية مع هذا التراث؟



انظر.. أنا أقيم هذا التفاعل إذا صدقت النوايا وصَحَّت المقاصد، بمعنى أننا لا يجوز أن نرفع لواء التمرد والرفض ضد تراثنا دون أن نعيد قراءته.. وأن نقترب منه.. ونتفاعل معه، فالموقف المبدئى العدوانى من التراث يبدو مشوبا بالحيطة والحذر سواء من خصوم التراث من الداخل أو من أعدائه من الخارج عند بعض المستشرقين، ومن ثم تبدأ الخطوة الصحيحة من المصالحة النفسية مع التراث، وإزالة الحواجز النفسية لدى البعض تحت مطلب التجديد أو الحداثة بما تعنيه من بتر الجذور أو محاولة الخلاص من الأصول.

المؤشر الثانى يأتى من خلال مطالب الإصلاح من الداخل دون استجابة لأى ضغوط أو تبعية من جانب الآخر الذى قد يضمر شرًّا للثقافات العريقة المتجذرة فى بعض الأمم ذات التاريخ العريض، بما يوجب التنبه لضرورة التعامل بدقة منهجية تقوم على استقراء الظواهر واستقصاء الأشياء دون الاستجابة للادعاءات المرسلة أو محاولة الخصوم للنيل من هذا التراث.

الرهان الثالث والأخير يظل ـ كما رأينا أكثر من مرة ـ مرتبطـًا بدرجة الانفتاح العقلى ومتابعة المناهج العصرية واكتساب الخبرات والتجارب من الأمم المتقدمة لإعادة النظر فى المادة التراثية من خلال صناعة معادلة هادئة بين القديم والجديد فى تداخل حقيقى بينهما، فلا يعنى التجديد بالضروة الخلاص من القديم، ولا يعنى التمسك بالتراث ضرورة الانعزال عن الجديد، ولكنها المعادلة الواجبة بين هذا وذاك، وهى التى تشبه "وسطية الأمة" التى تحدَّثنا عنها من قبل.



â–* ما هى أبرز العيوب والمثالب التى كانت موجودة فى التراث؟



تعرف أنه فى فترة المَدِّ التاريخى وكثرة التأليف عند العرب هناك أشياء أضيفت قسْرًا إلى التراث، على سبيل المثال "الإسرائيليات" فى كتب التفسير وما حولها من أوهام وخرافات وأساطير، وهذه يمكن التعامل معها عن طريق غربلة كتب التفسير والخلاص من هذه الإسرائيليات على نحو ما صنعه الشيخ محمد حسين الذهبى ـ رحمه الله ـ فى كتابه الضخم (التفسير والمفسرون)، وما حدث فى النص الحديثى ـ أى الحديث الشريف ـ من الأحاديث الموضوعة والتى نسبت خطأ بقصد وأحيانًا عن غير قصد إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولذلك ظهرت كتب "الصحاح" ومثل هذا الذى حدث فى النصوص المقدسة، حدث فى الأخبار التاريخية على أيدى مؤرخى الروم مثلا فيما أضافوه من أخبار غير صحيحة إلى تاريخنا الحربى كما حدث فى واقعة عجيبة وقعت بين الأسطول العربى وأسطول الروم فى القرن الثالث الهجرى والذى سجلها بدقة وبموضوعية شديدة جدًّا هو "البُحترى" فى قصيدة له وهو يمدح قائدًا عربيًّا فارسيًّا اسمه أحمد بن دينار، فقال البحترى فى القصيدة أن العرب دخلوا معركة بحرية لأول مرة فى تاريخهم وانتصروا، لدرجة أن أسطولهم احترق وتحولت المراكب لألواح خشب محروقة على سطح المياه وأتى بمشاهد جميلة جدًّا، فجاء فازيلييف وماريوس كنار وهما إيطاليان وألفا كتابًا فى غاية الخطورة اسمه (العرب والروم)، قيمة هذا الكتاب أنهم قالوا إننا نستطيع أن نأخذ من الشعر العربى فى الروميات وثيقة تاريخية نعتمد عليها، ونبحث فى كتب المؤرخين العرب التى احترقت أيام التتار أو غيرهم ـ لأنه كانت هناك هجمات حدثت قبلها غير هجمات التتار وهذا دائمًا ما يحدث حين تريد أن تضرب أمة فى مقتل كما حدث فى العراق فتقوم مباشرة بتدمير تراثها الإنسانى ـ فقالوا نبدأ فى تأمل الأخبار التى وردت فى بعض الكتب التى بقيت من غزو التتار، وسنجد أن الروم أخفوا هذه المعركة وسقطت من كتبهم عن عمد، وسنجد نتفًا صغيرة منها موجودة فى الخبر العربى، لأن هذا تاريخ أمة فأنت تسجل حربًا أو معركة بحرية تُعدُّ فتحًا فى التاريخ العربى كله لأن لديك أسطولا عربيًّا يهزم أسطول الروم.

هنا يأتى دور التاريخ والمؤرخون، فللمؤرخين أدوات ناقدة فى فحص المرويات ونسبة المرويات ودرجة الشك أو الثقة أو اليقين فى طبيعة هذه المرويات، أعتقد أن هذا دور مهم، وأن مؤرخينا المعاصرين يستطيعون أن يطمئنونا إلى صحيح الأخبار التاريخية فى تراثنا من خلال أدواتهم النقدية ومصادرهم الصحيحة، بعيدًا عن شبهة الإضافة أو التشويه التى قصدها خصوم التراث، والحكم هنا يأتى بالمعيار العقلى والتاريخى بعيدًا عن شبهة المزايدة على حساب الأمم وتراث الشعوب.



â–* كيف نتلمس عوامل النهضة والتقدم عن طريق التراث؟



أنا سأضطر هنا أن أنقل لك كلام الدكتور فؤاد سزجين وهو يتلمس عوامل الركود، ركود النهضة العربية الإسلامية ويكشف لنا عن حالة التكاسل العلمى التى وصلنا إليها، حيث تنبه الدكتور سزجين فى موسوعته عن تاريخ التراث العربى إلى أصالة الحضارة العربية الإسلامية وقدرة الملاحين العرب على أن يكتشفوا غرب الأرض والأمريكتين قبل كريستوفر كولومبوس وأتى بالأدلة الجغرافية والتاريخية على ذلك، وعنده معرض للآلات التى استعملها العرب فى الملاحة البحرية، و بالمناسبة.. المعرض فيه أكثر من ألف قطعة من القطع التى استخدمها العرب، لكنه كان يثبت بكل الأدلة والبراهين والحجج فضل العرب على الغرب حتى فى اكتشاف الأمريكتين، فما بالك بتقدم العلوم التى تحدثت بالعربية لثمانية قرون أو أكثر، فهذا بحث آمن عن حقائق تراثية وإعادة اكتشاف التراث وهذا مهم جدًّا فى أن تعيد اكتشاف الأشياء، وأن تعيد اكتشاف وليس فقط "إعادة قراءة" بل "إعادة اكتشاف" لهذا التراث فأنا سآخذ الإجابة فى الحقيقة من سزجين لأنه هو الذى تأمَّل معنا فى محاضرات متعددة قصة ركود الوعى العربى والإسلامى ومحاولة الخروج من مرحلة الركود إلى عصر نهضة من جديد، ولكن بشرط أن تعيد إلى الأذهان هذا الرصيد العلمى والمعرفى، وتعيد معه توطين العلم وإنتاج المعرفة والمشاركة فى صناعة العالم الجديد، بعقل جديد وفكر مفتوح، وأعتقد أن هذه الأدوات هى التى يمكن أن تنهض بها الأمة وأن تنشأ عليها الأجيال القادمة التى يمكن أن تعيد صياغة العلاقة الحميمة بين القديم والجديد بعيدًا عن شبهة القطيعة وثقافة الجحود والنكران أو ثقافة العداء للتراث بما يخدم أهداف خصومه وبما يجنى على الأمة.


رد مع اقتباس