عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-02-2019 - 11:03 AM ]


أما كتاب السد فقد اعتمد شكل المسرحية إطارا لأحداثه مع حفاظه على صور ومفاهيم وألفاظ مستقاة من التراث العربي والاسلامي، ذلك لأن غيلان شخصيّة مأسويّة قويّة قد يكون الاطار المسرحي أنسب إلى التّعبير عن مطامحها وآرائها. فأهمّ الأحداث تقوم على رغبة غيلان في بناء سدّ يحبس به الماء الضائع في أرض ضمأى تعاني القحط والجفاف ويرفض أهلها الاعتراض على موانع الالهة صاهباء وهواتف أنبيائها، فتمرّد غيلان على تلك القوى الغيبيّة ولم يثنه عن عزمه إيمان ميمونة ورضاها بالمقدر، فنجح في التصدّي للعراقيل وبنى سدّه رغم كلّ الصعاب.لكن سرعان ما هبّت عواصف هوجاء وغضبت الطبيعة وانهدّ السدّ وسقط أنقاضا. وكانت ميارى قد شدّت أزره عندما خذله عمّاله ودفعته إلى المثابرة على الجهد فظهرت طيف خيال وبعثت في نفسه أملا متجددا وعزيمة وأرشدته إلى نور في الغاب منير، فقالا في صوت واحد: "لنعلون برأسينا ولنفتحن لهما في السماء بابا".وبذلك صعّد إرادته نحو السماء ولم يمنعه انهيار السدّ من التفكير في تجديد التجربة أنه يعتقد أن الفضل كل الفضل في الفعل والعزم. ويتّضح من هذاالتحليل الموجز لأهم الأحداث أنّ هذا الكتاب ينتمي إلى جنس المسرح الذهني الهادف إلى تبليغ أطروحة فكرية في شكل فنّي. وقد أثارت المسرحية عندما نشرت لأول مرة سنة 1955 نقاشا حادّا في الساحة الأدبية أذكاه الدكتور طه حسين بقوله: "وحسبك أني قرأتها مرّتين ثم احتجت إلى أن أعيد النظر فيها قبل أن أملي هذا الحديث، وهي بأدب الجدّ العسير أشبه منها بأي شيء آخر". لكن بقية الفصل دلّت على فهم عميق لمختلف أبعادها، خاصة عندما ربطها بالتيّار الوجودي القائم على الحرية والارادة والمسؤولية ونزّلها في إطار وجوديّة إسلامية عميقة الجذور في التراث العربي الاسلامي.

ولا يقلّ مدين في مولد النسيان عزيمة عن غيلان، فهو أيضا أراد تجاوز حدود الذات الانسانية بإرادته الخلود، فقد ساءه أن يرى الناس يجدّون ويسعون فيهيئون الطعام للدّود والفناء، وأزعجه أن يتداوى الناس بالأوهام والغيب فبنى مارستانا يعالج فيه المرضى، وصدّهم عن الاستغاثة بسحر رنجهاد سادنة عين سلهوى، وأحبّ أن يركّب عقّارا يعيش أبدا من يتناول منه. ولمّا مات له أول ميّت انتابه الشك في قدرة أدويته في القضاء على "هادم اللذات" وفكّر في الاستعانة بسحر رنجهاد فأدخلته الغاب ورافقته إلى عين سلهوى وأرته كيف يعاني الأموات من ذكرى أجسادها وعلّمته أن يطهّر من الزمان دواءه لأن الزمان هو الذي يجعل الروح تحنّ إلى الجسد حتى بعد الموت. وكان أول من تناول الدواء الذي ركبّه، فظنّ أنه أدرك الخلود... ساعة، لكن جسمه انهار وتعفّن في لحظات وعزّ عليه نيل الخلود، إلاّ أنّ ليلى التي كانت تعترض على تجاربه قد أصابتها بعد موته عدوى الارادة، فكانت نهاية مدين بداية لها. وهكذا تتجدّد عبر ليلى التجربة الانسانية وتبقي على الأمل في نيل المراد.

إنّ بعض من اطّلع على هذا الأدب اعتبره أدب الهزيمة التي تتوّج التمرد وتفلّ العزائم !ولو صحّ هذا الفهم لما كان لأدب المسعدي قيمة فكرية تذكر، إذ لا يعقل أن يدعو الأدب الرفيع إلى اليأس والتشاؤم ويبقى مع ذلك إشعاعه وبعده الانساني. لكنّ تحليل الجوانب الفنية قد يكون كفيلا بمعرفة غاياته على حقيقتها. أما الكتابان النقديّان فيمكن أن نعتبرهما رافدين ينيران بعض تلك الجوانب، ونخص بالذكر منهما كتاب تأصيلا لكيان....


رد مع اقتباس