نماذج من آيات القرآن الكريم :
يقول سبحانه وتعالى : " سورة النجم – الآيات 31-53 " (37). في هذه الآيات – على قلتها – تتجلى الخصائص العريقة للغة العربية ، ففيها نبرز ثمانية وعشرين صوتا صامتا : ونجد من الأفعال : الماضي والمضارع فقط شأنه شأن بقية الساميات ، ومن الأسماء نجد المبني والمعرب ، ووفرة من حروف العطف والجر والنهي والاستفهام والنفي والتوكيد والاستثناء والتعليل... ونلاحظ خصائص الأفراد والتثنية والجمع ، وبعض المشتقات والمصادر. ونبرز علامات الإعراب : الرفع والنصب والجزم والجر ، كما نلاحظ غلبة الفعل على الاسم شأنه شأن اللغات السامية... وهكذا كله في تنسيق بديع ومنظم رائع وتنقل بين الخبر والإنشاء ، والإقناع تارة والسخرية أو التهديد تارة أخرى ، مع التحذير من عواقب الطغيان ، وضرب الأمثلة مما حل بالطاغين ، من أقوام عاشوا داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها ، وأنبياء استوطنوا شبه الجزيرة العربية وما حولها... كل ذلك في إيجاز مبين ، وموسيقى لفظية أخاذة ، غير نافرة ولا مستكرهة تتلاءم والمعنى وتتفق والسياق.
هذه الصور الناصعة للعربية الفصحى والحيوية الدافقة والقدرة على التعبير عن ادق المعاني وأعمق خلجات النفس واحكم قوانين التشريع... الدليل على هذا أن هذه اللغة طوعت كثيرا قبيل الإسلام حتى غدت على تلك الصورة من المقدرة والمدونة والدقة.
وآيات (الأحكام والتشريع) لا تقل مرونة ودقة عن آيات الوعظ والقصص والإرث. (انظر قوله جل جلاله) (38).
هذه الأحكام – على كثرتها – موجزة في آيات معدودة وقد استطاعت اللغة أن تساير التشريع بدقة وأحكام وإيجاز. ولولا ما في اللغة من مرونة وسعة في المعجم اللغوي والنحوي والصوتي والدلالي لما استطاعت أن تنهض بأعباء هذا التشريع المحكم في غاية من الدقة والإعجاز والإيجاز .
والقرآن الكريم – رغم إقرارنا بإعجازه – لم يأت بلغة لم يتكلمها العرب ، ولم يستعمل ألفاظا – لم يستخدمها العرب ، ولم تكن صيغ الجموع والأفعال والمصادر والمشتقات المختلفة التي وردت في القرآن الكريم غير مألوفة في العربية والفصحى أو في اللغات السامية وأدوات النفي والاستفهام والشروط والتوكيد... كانت معروفة مألوفة عند العرب وهي موجودة في الشعر الجاهلي وفي إشعار المخضرمين والإسلاميين.
لغة الشعر الجاهلي لغة القرآن الكريم :
بالرغم من أن الشعر الجاهلي وصل إلينا رواية (39) ، وبالرغم مما يثار حول الشعر الجاهلي من شكوك (40) ، فإن لغته على الأقل مقطوع بصحتها فهي تشبه لغة القرآن الكريم في معجمها وتراكيبها وأسلوبها وأن تفوق القرآن الكريم في بيانه وإعجازه وأحكامه.
ولو سلمنا بوضع الشعر الجاهلي كله ، ونسبناه إلى إسلاميين فإن لغته تبدو " ذات تاريخ بعيد في طيات الزمن ، وأنها مرت بمراحل من التطور ، مما جعلها لغة عامرة تصلح أن تكون أداة صالحة لحضارة جديدة (41)."
نموذج من الشعر الجاهلي ولغته :
إذا كان في علمنا أن الأعشى حضر الإسلام ، ونسبت إليه قصيدة في مدح الرسول عليه السلام (42) ، وإذا علمنا أيضا بأن الأبيات الموالية له تعتبر من أوثق شعره وأجوده ، فإن اللغة التي كتبت بتا تعبر عن النضج الذي وصلت إليه العربية الفصحى قبل الإسلام.
يقول الأعشى يمدح الأسود بن المنذر اللخمي : (43)
عنده الحزم والتقى وأسا الصـــر ع وحمل لمضلع الأثقـــــــــال
وصلات الأرحام قد علم النـــا س وبك الأسرى من الأغـــلال
وهو إن النفس العزيزة للذكــــــ ر إذا ما التقت صدور العوالي
وعطاء إذا سألت إذا العــــــــــذ رة كانت عطية البخـــــــــــال
ووفاء إذا أجرت فما غــــــــــــر ت حبال وصلتها بحبـــــــــال
إن يعاقب يكن غراما وان يعــــ ط جزيلا فإنه لا يبالـــــــــــي
والمكاليك والصحاف من الفضـ ة و الضامرات تحت الرجـــال
رب حي أشقاهم آخر الـدهــــــــ ر وروي سقاهم بسجـــــــــــال
فالتأمل في هذه الأبيات القليلة يقتنع بأن الشاعر استطاع أن يضفي على ممدوحة صفات كثيرة مكنته منها التراكيب المرنة في العربية ، والمعجم الضخم والتراث الأدبي من مجاز وكناية وإيحاء حيث يستخدم الألفاظ في غير ما وضعت له أصلا وتتحول الكلمات والعبارات إلى دلالات أكثر جدة وأعمق تأثيرا. ومرونة التراكيب ودقة التشابه وروعة المعاني ما كانت لتتوافر للشاعر
لو أن اللغة كانت قاصرة أو بدائية أو حديثة العهد ، غير أن اللغة العربية كانت متمرسة بشتى ألوان التعبير الفكري والعاطفي والروحي ، فجاء القرآن الكريم تتويجا لتلك الخصائص العريقة في اللغة العربية ، وكان الشعر الجاهلي بخصائصه اللغوية الراقية دليلا آخر على الرقي الذي وصلت إليه العربية الفصحى قبل الإسلام.
الإحـــــــــالات و الـهـــــــوامــــــــــش
1- د. السيد يعقوب – دراسات في فقه اللغة ، ص 9 وما بعدها.
2- ترجمة د. احمد فخري – شجرة الحضارة ، ج/2 ، ص 183.
3- إسرائيل ولفنسون – تاريخ اللغات السامية ، ص 18.
4- د. احمد بدوي – اللغة المصرية القديمة وصلتها باللغات السامية ، مجلة مجمع اللغة العربية عامي 1960 و 1961 ، ص 264.
5- د. رمسيس جرجس – اللغة الفرعونية وعلاقتها باللغات السامية ، مجلة مجمع اللغة العربية ج/14 ، ص 112.
6- د. احمد بدوي – المرجع السابق ، ص 265.
7- د. اخمد فخري – دراسات في تاريخ الشرق القديم ، ص 124 وما بعدها.
8- إسرائيل ولفنسون – المرجع السابق ، ص 14.
9- د. علي عبد الواحد وافي – فقه اللغة ، ص 18.
10- د. جواد علي – المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج/1 ، ص 222.
11- د. عبد الصبور شاهين – القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث ، ص 226.
12- د. جواد علي – المرجع السابق ، ج/7 ، ص 75 – 101.
13- مبروك نافع – عصر ما قبل الإسلام ، ص 42.
14- ادوارد دروم – العربية الفصحى ولغة حمو رابي ، مجلة مجمع اللغة العربية ، ج/12 ص 188 – 190.
15- د. احمد الحوفي – الحياة العربية من الشعر الجاهلي ، ص 69.
16- د. محمود حجازي – اللغة العربية عبر القرون ، ص 21.
17- د. جواد علي – المرجع السابق ، ص 9 – 10 – 286.
18- فيليب حتى – تاريخ العرب مطول ، ص 88.
19- د. مراد كامل – لغات النقوش العربية الشمالية وصلتها باللغة العربية ، ص 181 مجمع اللغة العربية العامي 1961 و 1962 م.
20- د. شوقي ضيف – الشعر الجاهلي ، ص 112.
21- د. مراد كامل – المرجع السابق ، ص 182 وما بعدها.
22- و.ج. دي بورج – ترجمة : زكي سوس – تراث العالم القديم ، ص 55.
23- عبد القادر المغربي – الاشتقاق والتعريب ، ص 30 – 38.
24- إسرائيل ولفنسون – المرجع السابق ، ص 127.
25- فيليب حتى – المرجع السابق ، ج/1 ، ص 100.
26- جورجي زيدان – ترايخ العرب قبل الإسلام ، ص 101.
27- جورجي زيدان – المرجع السابق ، ص 92.
28- د. عبد العزيز سالم – تاريخ العرب قبل الإسلام ، ص 197.
29- د. مراد كامل والبكري – تاريخ الأدب السرياني ، ص 5 – 09.
30- فيليل حتى – المرجع السابق ، ج/1 ، ص 102.
31- مجلة المثقف العربي ، مارس 74. عدد 02 ، ص 46 وما بعدها.
32- إسرائيل ولفنسون – المرجع السابق ، ص 205.
33- د. عبد المجيد عابدين – المدخل إلى دراسة النحو العربي ، ص 31.
34- سيرة ابن هشام ، ج/1 ، ص 47.
35- د. شوقي ضيف – العصر الجاهلي ، ص 32 – 37.
36- إسرائيل ولفنسون – المرجع السابق ، ص 169.
37- سورة النجم – الآيات : 31 – 53.
38- سورة الطلاق – الآيات : 01 – 07.
39- د. ناصر الدين الأسد – تدوين الشعر الجاهلي ، ص 155 وما بعدها.
40- د. طه حسين – في الأدب الجاهلي ، ص 71 وما بعدها.
41- د. إبراهيم السامرائي – مجلة المثقف – مارس 74 ، ص 40.
42- د. محمد محمد حسين – شرح ديوان الأعشى ، ص 59.
- ابو الفرج الأصفهاني – الأغاني ، ج/09 ، ص 125.
المصدر