عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-24-2019 - 06:35 AM ]


الفصحى ولغة النفوس في شمال شبه الجزيرة العربية :

لقد عثر المنقبون في (الحجر) و(ديدان) شمالي الحجاز على مدينة لا يعرف عنها إلا الشيء القليل (18) ، وهي الأقوام من الشوديين واللحيانيين ، استوطنو شمال الحجاز، وتدل أثارهم على ملامح حضارة مزدهرة ، ولغة راقية وتطور كبير في الفن والعمران والزخرفة. كما عثر المنقبون قرب جبل الصفا (جنوب شرق دمشق) على نقوش كثيرة ، اصطلح على تسميتها بالنقوش الصفوية ، وفي النفوس الثمودية واللحيانية والصفوية تظهر بوادر اكتمال لغتنا العربية الشمالية فلغة هذه النقوش هي أقرب إلى العربية الفصحى منها إلى العربية الجنوبية ، وان كتبت بالخط المسند – الخط الذي كتبت به العربية الجنوبية.
وخط تلك النقوش والعديد من مميزاتها ومفرداتها توحي بأصلها العربي الجنوبي ، غير أن احتكاك شمال الحجاز بالشعوب السامية الشمالية جعل لغات تلك النقوش تبتعد قليلا أو كثيرا عن أصلها الجنوبي. ويعود تاريخ تلك النقوش جميعها إلى الفترة ما بين (400 ق.م) (400 م).
ومع أن المادة اللغوية في نقوش شمال شبه الجزيرة العربية غير كافية لتاريخ تطور العربية الفصحى ، فإنها على أية حال تمثل مرحلة قريبة من اكتمالها ونضجها. وهي في صيغها المختلفة وأسمائها وأفعالها وحروفها وأصواتها... لا تختلف كثيرا عن فصحانا من الأصوات – مثل الفصحى – ثمانية وعشرون صوتا صامتا (19) (Consonant) وفيها من حروف الجر : الباء واللام ، في ، من ، وفيها الواو والفاء للعطف ، لم للنفي وفيها لام الأمر وتاء التأنيث وياء النداء...
كما ورد فيها من الضمائر(أنا ana) ، ( آت – antti أنت)... والضمائر المتصلة الباقية تطابق ما في العربية الفصحى مع اختلافات بسيطة.
ومن أسماء الإشارة في نقوش شمال شبه الجزيرة العربية (ذا) للمذكر، (ذين) للمؤنث وهما يقابلان : (هذا ، هذه) في الفصحى. وأداة التعريف عندهم (ها) مثل العبرية. ومن أسماء الموصول (من) ، (ما) ، (ذو) الطائية (20) وفي تلك النقوش نجد وفرة من الأسماء والأفعال التي نعرفها في العربية الفصحى ، ففيها من الأفعال (علم) ، (حل) ، (بات) ، (رعى) ، (كتم) (عشق) ، (ندم) ، (لعن) ، (نهل) ، (سمع)...
وفيها من الإعلام : (احمد) ، (بدر) ، (وائل) ، (زيد) ، (حليم) ، (ظريف) ، (لبيد) (مروان) ، (نوفل)...
ومن أسماء الحيوانات : (جمل) ، (ناقة) ، (فرس) ، (أسد) ، (ضأن) ، (خيل)... ومن أوجه الشبه أيضا بين لغات تلك النقوش الفصحى : - التثنية ، والجمع بأنواعه ، والتصغير والنسب ، وصيغ العديد من الأسماء والأفعال (21)...

اثر اللغة الآمرية (الهند واوربية) في الفصحى :

بدأ الاجتياح الآري لمواطن الساميين حوالي سنة 500 ق.م حينما فرضت جيوش فورش وأحفاده سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط. وكانت مملكة قورش – مؤسس الدولة الفارسية – تمتد أثناء وفاته سنة 538 ق.م من بحر ايجة غربا إلى هند كوش شرقا ، ومن بحر قزوين شمالا إلى صحراء العرب في الجنوب (22) .
ثم أعقب الفرس في المنطقة : اليونان – فالرومان ، ثم وقع شمال شبه الجزيرة العربية وشرقها وجنوبها اليمني تحت هذا التأثير الآري ، فتسرب إلى لغتنا في الجاهلية فيض من الألفاظ المعربة والدخيلة.
فمن الألفــاظ : إنجيل ، اسطوانة ، أسقف ، ناموس ، ميل ، إسفنج...
ومن الرومية : الفردوس (البستان) ، القسطاط (الميزان) ، السجن جل (المرآة) ، البطاقة (رقعة فيها رقم البضاعة) ، البطريق (القائد) ، الترياق (دواء للسم) ، النقرس (مرض) القنطرة...
ومن المغرب عن الفارسية نقتطف هذه الألفاظ :
جاموس ، سلحفاة ، رهوان (دابة مدربة) ، فيل سنديان ، توت ، طوخ ، بندق ، جوز، لوز، كعك
عجة ، كباب ، رشتة ، كشك ، جردق ، سراويل ، برنس ، طيلسان ، قز، خز، شاس... (23)

اثر النبطي – التدمري في العربية الفصحى :

لعل قيام الدولة القبطية في الطرف الشمالي الغربي من شبه الجزيرة العربية ساعد على احتكاك العرب بالشعوب السامية الشمالية ، ومن هنا تسربت إلى لغتهم وفرة من الألفاظ الآرامية فاللغة الآرامية أصبحت المعبر الرئيسي عن العقلية السامية منذ القرن السادس ق.م إلى أن اجتاحتها العربية الفصحى بعد ظهور الإسلام. ويرى الدكتور ولفنسون أن الحضارة الآرامية أثرت في الحضارة العربية وفي تكوين المادة اللغوية شمال شبه الجزيرة العربية بسبب انتشار الكتابة الآرامية واللغة الآرامية في شمال شبه الجزيرة (24).
وحين انهارت دولة الأنباط على أيدي الرومان سنة 106م قامت دولة " تدمر" إلى الشمال منها على الخط التجاري الواصل بين العراق والشام ، أو بين الفرس شرقا والروم غربا ومن هنا كانت مدينة " تدمر" مزاجا من العناصر الفارسية والرومانية واليونانية والآرامية (25).
أما لغة التدمريين فقوامها الآرامية والعربية الشمالية وأمشاج من اليونانية والرومانية، حتى لقد اثر ملكتهم زنوبيا أنها كانت تتكلم الآرامية والقبطية بالإضافة إلى الرومانية واليونانية (26). ويرجع كثير من المؤرخين أن مهام هاتين الدولتين كانوا من العرب رغم كتاباتهم بالآرامية وأعلام ملوكهم وألهتهم وكثير من مفردات لغتهم تفصح عن هويتهم العربية. فمن أعلام ملوكهم : - الحارث ، عبادة ، مالك ، جميلة... (27).
ومن أعلامهم الشائعين : جذيمة ، وائل ، كليب ، مغيرة ، قصي ، عدي ، عائذ ، عمرو معن ، وهب ، اللات ، علي ، حبيب ، سعيد ، هاجر، هاني ، عبد الملك ، سعد الله ، حميد.
ومن آلهتهم : ذو شرى (اله الشمس) اللات (اله القمر)، منوتن – مناة ، هبلو – هبل...
ويرى الدكتور السيد عبد العزيز سلام " إن لغة الأنباط لهجة عربية شمالية ، فكثير من الكلمات الواردة في النقوش النبطية المكتشفة عربية خالصة... بل فقد لاحظنا في بعض النقوش أن عبارات بأكملها تكاد تكون عربية (28).
والحكم نفسه ينطبق على التدمريين الذين نسبهم معاصروهم من اليونان إلى العرب ، ولم يعتدوا بكتابتهم الآرامية ، لأنها كانت اللغة الرسمية لجميع شعوب المنطقة آنذاك (29).
اثر الغساسنة والمناذرة في العربية الفصحى :
لم ينقطع اتصال العربية الفصحى باللغات السامية الآرامية في أعقاب سقوط تدمر سنة 272 م. فقد نشأت دولة الغساسنة في الشام ودولة المناذرة في العراق. وبذلك استمرت الروافد الثقافية التي تغذى معجم العربية الفصحى وتتيح لها مزيدا من الاحتكاك والتطور والنضج.
ويذكر الدكتور فيليب : ان " غسان " تنصرت في الشام واتخذت الآرامية لغة لها ، إلا أنها لم تهجر لسانها العربي الأصلي بل إن أبناءها أصلحوا وكغيرهم في الهلال الخصيب مزدوجي اللغة (30).
وقد كان عرب الحيرة – مثل الغساسنة – يتكلمون العربية الشمالية في حاجاتهم اليومية وإذا كتبوا كتبوا بالسريانية.
غير أن العديد من الدارسين بالغوا في بيان أثر السريانية – إحدى اللهجات الآرامية – على العربية الفصحى ، وراحوا يرجعون الألفاظ المشتركة بين جميع اللغات السامية إلى أصول سريانية وقد نبه الدكتور إبراهيم السامرائي إلى هذا الخطأ المتعمد أحيانا ، فليس كل لفظ في السريانية دخيل على العربية أو مستمدا من السريانية بالضرورة ، اللهم إلا الألفاظ النصرانية التي لم تعرفها بقية اللغات السامية من قبل مثل : ملكوت ، جبروت ، لاهوت ، ناسوت...
وبعض الصيغ مثل : شاقول ، حاطوم ، ناطور... (31)
وهكذا أفادت العربية الفصحى من اللغات السامية في شمال شبه الجزيرة وجنوبها ، كما تسرب إليها غير قليل من الألفاظ الدخيلة والمعربة عن الفارسية واليونانية والرومانية ، فازدادت مرونة وحيوية وسعة ، وتطورت تطورا فاق أخواتها الساميات وامتد نفوذها قبيل الإسلام إلى أوساط سوريا والعراق وسيناء واليمن (32). لما عمت بلاد الشرق الأوسط بعد ظهور الإسلام في أعقاب الفتوحات الإسلامية.

مراحل اللغة العربية الفصحى :

على ضوء ذلك التطور البعيد الذي عرفته اللغة العربية الفصحى منذ فجر التاريخ إلى ظهور الإسلام ، يمكننا أن نقف على ثلاثة مراحل هي : (33).
المرحلة الأولى : (Pré – Arabie) حين كانت العربية الفصحى إحدى اللغات السامية – الحامية.
المرحلة الثانية : (Proto – Arabie) وتمثلها العربية الجنوبية اصدق تمثيل ، وهي المرحلة التي سادت فيها العربية الجنوبية شمال شبه الجزيرة العربية وجنوبها ، وكانت المعبر الوحيد عن الفكر العربي والثقافة العربية والحضارة العربية منذ الإلف الثاني ق.م.
المرحلة الثالثة : (Langage Arabie) حين أصبحت الفصحى لهجة خاصة بعرب الشمال ، وقد تميزت عن العربية الجنوبية في العديد من الخصائص اللغوية والمفردات ، بعد أن طورها وطوعها أمثال : الثموديين واللحيانيين والأنباط والتدمريين ، والغساسنة والمناذرة.

لغة قريش ومكانتها في شبه الجزيرة العربية :

ظهرت قريش حوالي القرن الخامس الميلادي لتمسك بزمام التجارة العربية بين شمال شبه الجزيرة العربية وجنوبها فأفادت لهجتها من الصلات الواسعة بقبائل شبه الجزيرة العربية وبالشعوب السامية والآرية المحيطة بأطراف شبه الجزيرة العربية. ونحن نعلم أن قريشا كانت تصل بتجارتها إلى الحبشة واليمن وفارس والشام (34) ، هذا إلى جانب إقامة جاليات حبشية وفارسية ورومية في مكة ولا ننسى أن أفراد من خيرة الصحابة هم من تلك البلاد ، فبلال حبشي وصهيب الرومي ، وسلمان الفارسي ، وعمار يمني ، ومارية زوجة الرسول عليه السلام قبطية...
ويقطن اليهود الناطقون بالعبرية على طريق تجار قريش شمالا وجنوبا في اليمن ويثرب وخيبر ووادي القرى ، كما أن نصارى نجران والحيرة وغسان كانوا يجيدون السريانية ، وهم عملاء قريش ، وليس غريبا أن يجيد عرب اليمن الفارسية والحبشية آنذاك بعد أن تناوبت الحبشة وفارس على اليمن منذ القرن الرابع الميلادي. وإلى اليمن كانت تتجه ركائب قريش شتاء وفي الأسواق القريبة من مكة : (حباشة)، (عكاظ)، (مجنة)، (ذو مجاز)، (بدر)، (خيبر)... كما في موسم الحج الأكبر (عرفة ، منى) كانت الفرصة مواتية لالتقاء قريش بالقبائل الوافدة من أطراف شبه الجزيرة العربية وأوساطها ، حيث كانت تعرض البضائع والمفاخر والأشعار...
وخلال هذا الاحتكاك الواسع كانت لغة قريش تزداد ثراء وتطورا وحيوية لأن قريشا كانت مضطرة أن تتعامل مع هؤلاء جميعا وأن تحدثهم بألسنتهم ولهجاتهم أحيانا ، شأن التجار في كل زمكانية.
ومن هذا المزيج المتنوع تخيرت قريش من الأصوات والمفردات والتراكيب ما يلائم مزاجها وذوقها فكانت لغة القرآن الكريم ، ولغة الحديث النبوي الشريف ، ولغة الشعر الجاهلي وأمثال الجاهلية وحكمها ، فتبلورت اللغة الأدبية التي سادت شبه الجزيرة العربية منذ القرن الخامس الميلادي. وبسبب ذوق القرشيين الراقي ومكانتهم السامية ، كان العرب والشعراء والخطباء يحتكمون إليهم ، فما قبلته قريش من الشعر اخذ فكتب وعلق على جدران الكعبة ، وما رفضته أهمل.

لغة القرآن الكريم نموذجا صادقا للعربية الفصحى :

لقد نزل القرآن الكريم بلغة قريش فكان النموذج الأمثل لما وصلت إليه اللغة العربية الفصحى من تطور ورقي ومرونة وسعة ودقة في التركيب النحوي وتوسع في الصيغ الصرفية والأصوات اللغوية.
والمنقبون لم يعثروا على أية مدونات يعتد بها قبل تدوين القرآن الكريم ، وهناك بضعة سطور منقوشة عثر عليها بين العراق والشام (35) ، في الفترة الواقعة بين القرن السادس للميلاد وأثر السريانية فيها واضح ولكنها ليست بعيدة عن لغة القرآن الكريم والشعر الجاهلي .
وفيما عاد ذلك لم يصل إلينا مدونا بالعربية الفصحى في مطلع القرن السادس للميلاد سوى القرآن الكريم " فصحف القرآن هي أقدم صحف مدونة كاملة وصلت إلينا عن العربية "(36)
أما الشعر الجاهلي والحديث النبوي وبقية التراث اللغوي فلم يدون على وجه التحقيق الا منذ أوائل القرن الثاني للهجرة.
ولغة القرآن الكريم تطالعنا – من غرب شبه الجزيرة العربية – وقد توفرت لها أسباب النضج والكمال ، الأمر الذي جعلها تضطلع بأعباء الفكر الإسلامي والثقافة العربية منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا.



رد مع اقتباس