عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي " ما فعل اللهُ بك" الرؤى المنامية في كتب التراث

كُتب : [ 11-24-2013 - 12:29 AM ]


" ما فعل اللهُ بك"
الرؤى المنامية في كتب التراث


عرضت الكتب التراثية لهذه الظاهرة التي تصور مشهداً تجري أحداثه بعد الموت يعد هذا المشهد خبراً أو أثارة من ذاك العالم الآخر ، يُستأنس به ، ويُستروحُ بدلالاته وإيحاءاته ، ولهذا وُجد فنُّ " تعبير الرؤيا " وكثرت المؤلفات فيه ، فالرائي يتلهف إلى معرفة ما تحمله رؤياه من رموز ، ربما تكون مبشرة له أو منفرة منغصة لحياته ..
وحين كنت أقرأ في كتب التراجم لحظت هذه الظاهرة شاملة متنوعة ، فهي عند الناس جميعاً ذكوراً وإناثاً ،على شتى أصنافهم وأنواعهم وأحوالهم ومقاماتهم ومكاناتهم ومذاهبهم ، فمنهم اللغويون ومنهم الأدباء والشعراء ومنهم القراء والفقهاء والزهاد.
فرأيت أن أشير إلى هذه الظاهرة الطريفة ذاكراً أمثلة توضح صورتها ، وتحدد معالمها ، ففي ذلك فائدة أية فائدة ، إذ هي لا تخلو من وعظ وإرشاد وتوجيه وتسديد, وعلم وحكم, وأهداف سامية وأغراض نبيلة .
لقد رأى أحد الصالحين في النوم الخليلَ بن أحمد الفراهيدي أستاذ العربية وشيخ النحاة - وهو الذي مات بارتطام رأسه بسارية المسجد كما قيل – فقال له : ماصنعَ الله بك؟ قال : رأيت ما كنا فيه ، لم يكن شيئاً، وما وجدت افضلَ من سبحان الله والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر 1، ولا عجب من ذلك ، فالخليل عالم معلّم في حياته وبعد مماته ، وانظر إلى ترغيبه هذا الداعي فيه إلى هذا الذكر المشهور.
وللخليل خصّيصة خاصة ، تتصل بالرؤيا ، فقد كان الرجل معبراً للرؤيا نستدل على ذلك بما ذكره أبو الطيب اللغوي فيما حكاه الأصمعي قال: سألت الخليل بن أحمد عن اللؤلؤ في النوم – وكان الخليل من أعبر من رأيت للرؤيا – فقال حدثني هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين: أن اللؤلؤ القرآن2
أما سيبويه تلميذ الخليل الذي مات كمداً – كما ذكرنا في المقالة السابقة -فقد حُكي أنه رؤي في المنام ، فقيل له : ما فعل بك الله؟ فقال: خيراً كثيراً، لجعل اسمه أعرف المعارف 3
وذكر الأنباري أن عبدالوهاب بن حريش قال : رأيت الكسائي في النوم فقلت له : ما فعل الله عزوجل لزوجك؟ قال: غفر لي بالقرآن 4
ورأى ابن العماد الأصفهاني ابن الخشاب صاحب المرتجل في المنام بعد موته ، وقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : خيراً، فقلت : وهل يرحم الله الأدباء ؟ قال : نعم ، قلت : وإن كانوا مقصرين ؟ قال : يجري عتابٌ كثير ثم يكون النعيم5 وروى السيوطي نحواً من ذلك بتفصيل آخر ، قال ، ورئي بعد موته بمدة في النوم على هيئة حسنة فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال غفر لي ، قيل : ودخلتَ الجنةَ ؟ قال: نعم, إلا أن الله أعرض عني . قيل : وأعرض عنك؟ قال : نعم ، وعن كثير من العلماء ممّن لايعمل6
وذكر الفاسي أن الدميري رأى في المنام القاضي أبا الفضل النويري فسأله عن حال الشيخ أبي العباس نحويّ الحجاز ، أحمد بن محمد بن عبدالمعطي المتوفى بمكة سنة 788هـ، فقال له ما معناه : إنه في مقعد صدق7
وذكر السيوطي في ترجمة محمد بن محمد بن جندب المتوفى سنة 682هـ ، أنه أخذ النحو عن الجمال بن مالك وأنه كان من كبار أصحابه ، وأنه رئي في النوم بعد مماته ، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال : كل خير، نحن نفترش السندس ، رزقك الله ما رزقنا.8 وأشار أيضاً في ترجمة عمر بن عبدالله أبي القاسم النحوي الدباسي الى أنه برع في النحو واللغة، وقال عنه ابن النجار: أنه رآه في المنام بعد موته بخمسة عشر يوماً وهو فرحان ، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال : الآن خرجت من السجن 9.
وحبهم للعلم وشغفهم به جعلهم إذا رأوا بعضهم في النوم سألوا فيه وعنه ، قال أبوالطيب اللغوي: أخبرنا عبدالقدوس بن أحمد قال: أنبانا المبرد ، قال: أخبرنا الرياشي قال : رأيت في النوم كأني أسأل الأصمعي بعدما مات . ما معنى قول الشاعر:
وكلُّ جديدةٍ فإلى بلاها
وكلُّ جديدة فإلى جديدِ

فقال لي : إلى يوم جديد يأتي عليها، أو إلى بلىً جديد لابد من ذاك ، قال الرياشي: حتى في النوم وبعد الموت أيضاً لم يخطئ.10
وأشار بعضهم إلى شعر نظمه ولا يعرف مكانه فدلّ على مكانه في الرؤيا . ذكر السيوطي في ترجمة صالح بن الأنصاري المالقي المتوفى سنة 625هـ أنه كان من أهل الاجتهاد في النحو والأدب ، ورآه ولده في النوم فقال له : هل نظمت شيئاً قط ؟ فقال: نعم , وأنشده بيتين ، وقال : هما مكتوبان على ظهر كتاب سيبويه ، فنظر فرآهما كذلك وهما:
وقفتُ أمام الحيِّ أَرصُدُ غفلةً
أُساعدُ طرفي ساعةً وأُناظرُ

فإن غفلَ الواشون عنا تكلمتْ
جوانبُنا عمَّا تكِنّ|ُ الضمائرُ11

أما ابن نزار ملك النحاة فقد أنشد شعراً أُبعد بسببه عن النار، قال السيوطي : رئي ابن نزار ملك النحاة في النوم فقيل له : ما فعل الله بك؟ قال: أنشدته قصيدة ما في الجنة مثلها, وهي :
ياهذه أقصري عن العَذل
فلستِ في الحلِّ ويك منْ قَبْلِ

ياربِّ ها قد أتيت معترفاً
بما جنتْهُ يداي منْ زللِ

ملآن كفٍّ بكلِّ مأثمةٍ
صفر يدٍ من محاسنِ العملِ

فكيف أخشى ناراً مسعَّرةً
وأنت ياربِّ في القيامة لي

قال : فوالله منذ فرغت من إنشادها ما سمعت حسيس النار12
ويروي لنا الشوكاني في البدر الطالع في ترجمة سيف الدين الحنفي محمد بن محمد بن عمر بن قطلو بغا المصري ، أنه أخذ عن ابن الهمام والسراج واجتمع بالأذكاوي ودعا له ، ونقل عن السخاوي قوله : إنه رأى الأذكاوي في المنام ، والتمس منه الدعاء بنزع حب الدنيا، فبادر إلى مدحه والثناء عليه بكلمات من جملتها :أنت سيف الآمدي ، والسيف الأبهري ، فخجل من ذلك، فقال الأذكاوي : إذا أراد الله أمراً كان ، ثم بعد ذلك أكثر من العزلة والانجماع ، فقال له ابن الهمام : والله لو دخلت مكاناً وطينت عليه لظهرتَ ، ثم درَّسَ بمدارس , واشتهر صيته وطار ذكره ، وكثرت تلامذته وصار إماماً محققاً في الفقه وأصوله والعربية والتفسير وأصول الدين وصنف تصانيف منها: شرح التوضيح لابن هشام، وتوفي سنة881هـ13. وامتد ذكر الرؤى في كتب التراجم والأدب إلى الشعراء والأدباء ، قال أبوالقاسم المغربي: رأيت في المنام عبدالرحيم بن نباته الخطيب ، فقلت له : ما فعل الله بك؟ فقال : دفع لي ورقة فيها سطران بالأحمر وهما شعر :
قد كان أَمْنٌ قبلَ ذا
واليوم أُدخلك أَماني

والصفحُ لا يحسنُ عن محسنٍ
وإنما يحسنُ عن جاني14
ورئي أبونواس في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال: غفر لي بأبيات قلتها في النرجس :
تفكرْ في نباتِ الأرض وانظر
إلى آثار ما صنعَ المليكُ

عيونٌ من لُجينٍ شاخصاتٌ
بابصارٍ هي الذهبُ السبيكُ

على قضُبِ الزَّبرجدِ شاهدات
بأن الله ليس له شريكُ

وفي رواية أخرى عنه أنه قال :غفر لي بأبيات قلتها ، وهي تحت وسادتي ، فجاؤوا فوجدوها رقعةً بخطه:
ياربّ إنْ عَظُمتْ ذنوبي كثرةً
فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ

أدعوك ربِّ كما أمرت تضرُّعاً
فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ

إن كان لا يرجوك إلا محسن
فمن ذا الذي يرجو المسيء المجرمُ

مالي غليك وسيلة إلا الرَّجا
وجميلُ عفوك ثم إني مسلم14

ورئي أبودلف العجلي ، الشاعر المشهور في المنام جالساً عُرياناً على أسوأ حال وأنشده أبياتاً منها:
15ولو كنَّا إذا متنا تُركنا
لكان الموتُ راحة كلّ حي

ولكنا إذا متنا بُعثنَا
ونسأل بعده عن كل شي16

ومن طريف ما ذكر أيضاً أن أبا القاسم بن العلاء الشاعر ، قال: رأيتِ في المنام بعد موت الصاحب أبي القاسم بن عباد ، قائلاً يقول : لم لا ترثي الصاحبَ مع فضلك وشعرك ؟ فقلت : ألجمتني كثرةُ محاسنه ، فلم أدر بما أبدأ منها ، وخفت أن أُقصرَ ، وقد ظُنّ بي الاستيفاء لها ، فقال : أجز ما أقوله ، قلت : قل فأنشد:
ثوى الجود والكافي معاً في حفيرة

فأجبته :
ليأنس كلٌّ منهما بأخيه

فقال : هما ضجعا حيين ثم تعانقا
فأجبته : ضجيعين في لحدٍ بابٍ كريه
فقال :إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم
فاجبته : أقاما إلى يوم القيامة فيه 17
وثمة رؤى جاءت مبشرةً بقدوم شاعر إلى هذه الدنيا ، أو ولدٍ نابه سيكون له شأن وشهرة ، قيل : إن أم جرير الشاعر المشهور رأت في المنام – وهي حامل بجرير – كأنها ولدت حبلاً من شعر أسود ، فلما سقط منها جعل يقع في عنق الرجل فيخنقه ، ثم يقع في عنق آخر فيخنقه حتى خنق رجالاً كثيرة ، فانتبهت مرعوبة ، فقصّت الرؤيا على بعض المعبرين ، فقال :
تلدين غلاماً شاعراً ذا شر وشدة ، وشكيمة وبلاء على الناس ، فلما وضعته سمته جريراً باسم الحبل الذي رأته قد خرج منها . والجرير في اللغة هو الحبل 18
ونقل السيوطي عن صاحب تاريخ إربل في ترجمة يحيى بن سعيد بن المبارك بن الدهان المتوفى سنة 616هـ. أن أباه قد بُشر به ، وقد أسنَّ فقال :
قيل لي جاءك نَسْلٌ
ولدٌ شهمٌ وسيمُ

قلتُ: عَزّوه بفقدي
ولدُ الشيخ يتيمُ

ثم توفى بعده وهو صغير فلما كبر انقطع إلى مكي بن ريان فأخذ عنه النحو وتخرَّج به واعتنى به لحقِّ والده 19

يتبع



التعديل الأخير تم بواسطة أ.د رياض الخوام ; 11-24-2013 الساعة 12:32 AM
رد مع اقتباس