ولا يفوتنا أخيراً أن نشير إلى أن كتب تراجم اللغويين والنحويين ذكرت في تراجمها بعض العلماء الذين اشتهروا بالأنساب والتاريخ وكانوا آيات في الحفظ أيضاً من هؤلاء:
- هشام بن محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة 204 هـ في خلافة المأمون كان كثير الرواية وأعلم الناس بالنسب , كما قال عنه أبو الطيب ( ) ونقل الأنباري في نزهة الألبا عن محمد بن السري قوله : قال لي هشام بن الكلبي : حفظت ما لم يحفظ أحد, ونسيت ما لم ينسه أحد , كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن فدخلت بيته وحلفت أني لا أخرج حتى أحفظ القرآن فحفظته في ثلاثة أيام ( )
- ونقل عن الواقدي قاضي بغداد , أبي عبد الله محمد بن عمرو بن واقد السلمي المتوفى سنة 207 هـ, أنه كان يقول حفظي أكثر من كتبي , وكانت كتبه 120 حملاً ( )
- الطبري أبو جعفر محمد بن جرير المتوفى 310 هـ , العالم المشهور, وصفه ابن النديم بأنه كثير الحفظ , وأن إسحاق بن محمد رأى أبا جعفر الطبري يقرأ عليه شعر الطرماح وشعر أبي الطيب( )
-
هذا قليل من كثير ونقطة من بحر إذ لو أردنا الاستقصاء لاجتمع لدينا الآلاف من أسماء العلماء الذين وهبوا هذه المهارة و ينتسبون إلى فنون العلوم الشرعية واللغوية لقد اشتهر القوم الأسلاف بهذه المهارة فحفظوا لنا العلوم والفنون ولم تنقطع هذه المهارة عبر التاريخ بل استمرت إلى عصرنا الحاضر, فكلنا يعلم ما وصل إليه إخواننا الشناقطة في هذا الجانب , لقد نقل عنهم الأعاجيب التي يكاد المرء يشك فيها لولا أن القوم هم من هم في الورع والتقوى والقرب من الله , فوهبهم هذه العطايا, ومنحهم هذه المنح , قال العلامة محمد الحسن الددو الشنقيطي بأن أستاذه محمد سيدي عبد الله الحجاج أخبره بأن علوم المذاهب كلَّها لو قُذِفتْ في البحر فلم يبق منها شيء لتمكنتُ أنا وتلميذي ألفَعْ الدّيماني من إعادتها دون زيغ أو نقصٍ يتولى هو المتون وأتولى أنا الشروح , وأضاف قائلاً " وقد ذكروا أن محمد محمود بن أحمذية كان يحفظ مقامات الحريري والمستطرف وكامل المبرد والوسيط وديوان البحتري , وديوان أبي تمام, وديوان المتنبي , وهذا كله في الأدب وحده فكيف به في الفقه وعلوم الشريعة , وكان سيدي المختار يحفظ الإتقان في علوم القرآن وفتح الباري وشرح صحيح الإمام البخاري, وتحدث عن جده الشيخ محمد عالي بأنه كان يسمع القصيدة الطويلة فيحفظها من المرة الواحدة , وقد يسمعها في مناجاة يناجي بها الإنسان آخر فيحفظها هو ( ) وذكر عن الشيخ ماء العينين الشريف أنه حفظ نصف مختصر الخليل في يومين , وحفظ الألفية في جزء يوم , وأضاف قائلاً : وكان آية من آيات الله في الحفظ ( )
ولم يقتصر هذا التفرد على الرجال دون النساء عندهم , قال العلامة محمد الددو: إن مريم بنت لّلا كانت تحفظ القاموس المحيط عن ظهر قلب حفظته مادةً مادة , عندما كان أبوها يرسلها إلى خيمة جاره لكي تبحث له عن معنى كلمة ( )
وكان بعض النساء عندهم يحفظن موطأ الإمام مالك ( )
فلله در أمة محمد على ما منحهم الله من فضائل ومواهب وشيم إنه هو المعطي الوهاب
وبعد هذا العرض لهذه المهارة عند القدماء والمحدثين لابد أن يتساءل المرء هل أهل التراجم كانوا يتسامحون في استعمال لفظة (الحفظ) ومشتقاتها ؟ هل أطلقوها والمراد منها القراءة أو الفهم فقط ؟ فالحق أقول :إني وجدتهم دقيقين جداً في وصف من يترجمون له, فهاهو الذهبي نقل عن ابن نجار قوله في تاج الدين الكندي : أظنه يحفظ كتاب سيبويه ( ) وها هو أيضاً السيوطي حين ترجم لمحمد بن علي المعروف بالشريف, نقل عن أبي حيان في النضار ما يدل على أنهم يميزون بين من يدرس ويفتش ومن يحفظ , قال أبو حيان, كان بمُرَّاكش يدرِّسُ كتاب سيبويه والفقه والحديث ويميل إلى الاجتهاد , وله مشاركة في الأصول والكلام والمنطق والحساب وأضاف قائلاً , ويغلب عليه البحث لا الحفظ , مات عام اثنين وثمانين وستمائة ( ) ومن ذلك أيضاً قول السيوطي في ترجمة محمد بن علي السلاقي النحوي الأديب كانت له شهرة بمُرّاكش وكان يقرأ كتاب سيبويه , ومن أحفظ الناس للكامل وغيره من كتب الأدب مات سنة 605 هـ ( )
وذكر السيوطي أيضاً في ترجمة سليمان بن مطروح الحجاري المتوفى سنة 390 هـ نقلاً عن ابن عبد الملك ما نصه (يكاد يملي) الغريب المصنف لأبي عبيد وغيره من حفظه ( ) فقوله (يكاد يملي) يدل على مدى الدقة التي استعملها القوم في وصف من يترجمون له , فهم على إدراك في التفريق بين الحفظ عن ظهر قلب أو الفهم أو التعليم , وتبدو الدقة واضحة فيما ذكره الشوكاني عن السيد علي بن حسن النعمي قال : كان يأتي على أكثر الكشاف غيباً ( ) ,وكان ضياء بن سعد القِرْمي العفيفي المتوفى سنة 780 هـ كما قال السيوطي : يحل الكشاف والحاوي حلاً إليه المنتهى , حتى يظن أنه يحفظهما , وحُكي عن عبد الله بن الحسن السعدي اليحصبي المتوفى سنة 557 هـ أنه كان يحفظ كتاب سيبويه كحفظه للقرآن عارفا مع ذلك بالقراءات والفقه ( ) فانظر كيف استعمل السيوطي الحفظ مريداً به الحفظ عن ظهر قلب , مفرقا بينه وبين معرفة المترجم له للفقه والقراءات .
كل ذلك يدعونا إلى القول :إن ما ذكروه ليس فيه مبالغة , فهو الحقيقة عينها , والله يعطي الفضل لمن يشاء وكيف يشاء وفي أي وقت يشاء
ورحم الله القائل :
وإذا لم تر الهلال فسلِّمْ *** لأُناسٍ رَأَوه بالأبصـــــــار
ولله در من قال أيضاً :
إذا قالتْ حذام فصدقوها *** فإنَّ القولَ ما قالت حذام
والآن بعد انتهائنا من تقديم هذه الصورة الجميلة الرائعة لأسلافنا العلماء في شتى صنوف المعرفة , يحق لنا أن نتساءل لماذا بدأت الجامعات العربية تتخلص مفرداتها في أقسامها العلمية المتنوعة عن ذكرها تلك المتون التي يجب أن يحفظها طالب العلم في تخصصه ؟ لماذا لا نجد لها ذكراً بين المهارات مع أن القدماء أشاروا إليها وحثوا عليها ؟ قال ابن قتيبة : كان يقال أول العلم الصمت , والثاني الاستماع, والثالث الحفظ ,والرابع العقل , والخامس نشره ( )
وقال ابن المبارك : أول العلم النية ثم الاستماع ثم الفهم ثم العلم ثم الحفظ ثم النشر ( )
لقد أثمر المنهج الذي ساروا عليه ثمراتٍ يانعة فلماذا لا نتابع المسيرة فنسير على منوالهم ونسلك سبلهم ونهتدي بهديهم , لتبقى علوم حضارتنا العربية شامخةً وضاءة تمدنا بالقوة وتحصننا من هجمات أعدائنا , لنبقى غير قابلين للذوبان والانصهار , نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل وإني بعد تطوافي مع عباقرة هذه المهارة أخلص إلى رسم الملامح العامة لهذه المهارة على نحو ما بدت لي وهي :
1- أن هذه الظاهرة تجلت واضحة عند العرب , لأنهم في الأصل أمةٌ أمية, فكان لا بد من الاعتماد على هذه الموهبة الربانية , ثم رعايتها وتنميتها حتى صارت من خصائص علمائنا وصفاتهم .
2- أن ظاهرة الحفظ توزعت على علوم حضارتنا فنجدها في العلوم الشرعية واللغوية وأحسب أننا لا نعدم هذه الظاهرة عند علمائنا من أهل العلوم التجريبية وابن سينا دليل على ذلك .
3- أن القدماء رسموا لنا طريق الحفظ ومنهجه فتحدثوا عن دواعيه وأسبابه ووسائله ,و سبل الحفاظ عليه وأوقاته, فصارت هذه المهارة جزءاً من طبيعة العلوم التي تطلبها .
4- انتبه القدماء إلى وسائل تقوي الحفظ وتمنع نسيانه فلجؤوا إلى وسائل كثيرة بعضها أشار إليها الشارع الحكيم , وبعضها يتعلق بنظام غذائي على نحو ما فصلنا .
5- أن بعضهم بقيت موهبته نشيطة وحافظ على مخزونه المحفوظ فحدث بمحفوظه بعد بلوغه الثمانين سنة .
6- أن هناك كتباً ـ فضلا عن القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ـ كُتب لها القبول عند العلماء فحفظوها عن ظهر قلب منها , كتاب العين للخليل والكتاب لسيبويه والمجمل لابن فارس وإصلاح المنطق لابن السكيت والفصيح لثعلب والجمهرة لابن دريد والصحاح للجوهري والكشاف للزمخشري والجمل للزجاجي وأشعار هذيل ورؤبة وذي الرمة , وديوان المتنبي ومقامات الحريري
7- أن بعضهم ظهر حفظه في إملائه وتدريسه كالفراء وابن سيدة .
8- اقتصرت دلالة (الحافظ ) على الحافظ لكتاب الله ثم على الحافظ لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم,أما أهل اللغة فغلب على الحفظة منهم أن يقال فيه الراوية – والتاء هنا للمبالغة – .
9- أن ماذكره أهل التراجم في وصف الحفظة هو الواقع المشهود , فليس في هذه الأوصاف مبالغة أو بعد عن الحقيقة .
10- أن الغاية من الحفظ هو ضبط العلم لنشره .
11- أن بعض العلماء لم يك يكتفي بحفظ كتاب واحد في فن واحد بل تعدى ذلك إلى حفظ عدد من الكتب المتنوعة .
12- لم تكن الغاية من الحفظ، الحفظ عن ظهر قلب بلا إدراك للمعنى ،لقد اجتمعت المهارتان ـ الفهم والحفظ ـ عند الحفظة، يؤكد ذلك أن بعض العلماء أملوا محفوظاتهم إملاء في مجالسهم العلمية.
وإن كان ثمة وصية نوصي بها فهي أنه يجب علينا أداء للأمانة أن نبين لطلاب العلم أهمية هذه المهارة ونعرفهم عليها بذكر مظاهرها عند قدمائنا ،وأن نشجعهم على القيام بها سواء عن طريق المكافآت المادية أو المعنوية , وإني لأحيي وأشكر بعض الجمعيات العلمية التي لها صلة بوزارة الأوقاف ،لاهتمامها حتى الآن بهذه المهارة , لقد قرأت كثيراً على أبواب المساجد الإعلانات التي تحتوي على بعض الدروس الشرعية متضمنة حفظ المتون أيضاً , في الوقت الذي بدت هذه المهارة تنحسر في الجامعات وتخلو منها مفردات المناهج .
أسأل الله أن يهب هذه المهارة طلبة العلم، وأن يحرصوا عليها لئلا تصير من المهارات المنسية
فهي مهارة يحق لنا أن نفتخر بها, وأن تكون رمزاً من رموز معالمنا الحضارية ،وقمرا مضيئاً في سماء تاريخنا العظيم, رحم الله أبا حاتم السجستاني حين قال :
أبرزوا وجهك الجم *** يل ولاموا من افتتن
لو أرادوا صيانتي *** ستروا وجهك الحسن
نعم , يحق لنا أن نكشف عن مآثر الأجداد وشمائل الآباء وفضائل العلماء عملاً بقوله تعالى ( وأما بنعمة ربك فحدث )
فأحفادنا سيستضيئون بأنوار هؤلاء، وسيهتدون بهديهم، والأمم القوية هي التي لا يغيب عن بالها شموس علمائها المشرقة، وأقمار رجالاتها المضيئة
وأخيرا : أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع
"وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم .
المصادر والمراجع
1- الأنيس في الوحدة للشيخ محمد أديب كلكل نشر مكتبة دار الدعوة حماة – الطبعة الأولى 1430هـ - 2009م .
2- أيها الولد , والقواعد العشر ,للغزالي , نشر وتحقيق محمد أديب كلكل – مكتبة دار الدعوة حماه , سورية.
3- إتحاف فضلاء البشر للدمياطي , تصحيح علي محمد الطباع , دار الندوة الجديدة بيروت – لبنان , نسخة مصورة عن طبعة عبد الحميد أحمد حنفي بمصر- 1359هـ.
4- الإتقان للسيوطي , تحقيق مركز الدراسات القرآنية , بمجمع الملك فهد , بالمدينة المنورة , الطبعة الثانية 1431هـ - 2010م .
5- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي , نشر مطابع النصر الحديثة , الرياض
6- البدر الطالع , للشوكاني , مكتبة ابن تيمية , القاهرة .
7- بستان العارفين للسمرقندي مع تنبيه الغافلين , الناشر دار الكتاب العربي – الطبعة الثامنة,1408هـ - 1988.
8- بغية الوعاة للسيوطي , تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم – المكتبة العصرية ـ صيدا – لبنان وطبعة أخرى بتحقيق علي محمد عمر – مكتبة الخانجي – الطبعة الأولى – 1426هـ- 2005.
9- تاج اللغة وصحاح العربية , للجوهري , تحقيق أحمد عبد الغفور عطار دار العلم للملايين , بيروت ,لبنان -1399هـ.
10- تاريخ العلماء النحويين , للتنوخي , تحقيق الدكتور عبد الفتاح الحلو ,مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية , 1401هـ - 1981م .
11- التبيان في آداب حملة القرآن , للنووي , تحقيق محمد الحجار, الطبعة الأولى , دار الصابوني.
12- ترتيب العلوم للمرعشلي المشهور بساجقلي زاده , دراسة محمد بن إسماعيل السيد أحمد ,دار البشائر , بيروت , الطبعة الأولى – 1408هـ -1988م.
13- الجامع لأحكام القرآن , للقرطبي , تحقيق الدكتور عبد الله التركي ومشاركيه , مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى – 1427هـ - 2006م.
14- الديباج المذهب , لابن فرحون , تحقيق الدكتور محمد الأحمدي أبو النور , دار التراث للطباعة والنشر , القاهرة .
15- روح المعاني للآلوسي , دار الفكر , 1398هـ ـ 1987 م .
16- شذرات الذهب لابن العماد , تحقيق مصطفى عبد القادر العطا , التوزيع دار الباز بمكة المكرمة .
17- الطب النبوي , لابن قيم الجوزية , تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط , الطبعة الثانية 1422 هـ , 2001 م .
18- العقد الثمين في تراجم النحويين للذهبي , تحقيق الدكتور يحيى مراد , دار الحديث , القاهرة .
19- العقد الفريد لابن عبد ربه , شرح إبراهيم الأبياري , تقديم الدكتور عمر عبد السلام تدمري , دار الكتاب العربي , لبنان .
20- العمدة في صناعة الشعر ونقده لابن رشيد القيرواني , القاهرة 1925 .
21- عيون الأخبار لابن قتيبة , دار الكتاب العربي , طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب المصريبة 1343هـ ـ 1925 م .
22- فقه العصر , للشيخ محمد الحسن الددو , محاورة الدكتور عادل باناعمة , الطبعة الأولى ,مؤسسة طريق الأمة للنشر والتوزيع جدة , 1429 هـ ـ 2000 م .
23- الفقه المبسط , لمحمد أديب كلكل , الطبعة الخامسة , توزيع المكتبة العربية , حماة , سوريا 1412 هـ ـ 1992 م .
24- الفهرست لابن النديم , دار المعرفة للطباعة والنشر , بيروت لبنان .
25- القاموس المحيط للفيروز أبادي الطبعة الثانية , مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر , 1371 هـ ـ 1952 م .
26- الكامل للمبرد , دار الفكر للطباعة للنشر ,بيروت لبنان .
27- المزهر , للسيوطي , تحقيق محمد أحمد جاد المولى وزملائه , مطعبة عيسى البابي الحلبي وأولاده .
28- المستطرف من كل فن مستظرف , للأبشيهي , دار الكتب العلمية , الطبعة الثانية , بيروت لبنان , 1397 هـ ـ 1977 م.