• أسباب نشوء مهارة الحفظ وانتشارها :
ترجع هذه المهارة إلى عاملين :
الأول : تلك الموهبة التي يمنحها الله بعض عباده
والثانية : الهمة العالية التي قد تتحقق عند شخص ما فتدفعه إلى القيام بأسباب عناية هذه الموهبة وتنمية هذه البذرة حتى تصير شجرة مثمرة يانعة
وقد أشار العلماء القدماء إلى هذين العاملين حين تحدثوا عن العقل وحقيقته قال الأبشيهي : واعلم أن العقل ينقسم إلى قسمين :
قسم لا يقبل الزيادة والنقصان ,وقسم يقبلهما
فأما الأول فهو العقل الغريزي المشترك بين العقلاء
وأما الثاني فهو العقل التجريبي وهو مكتسب , وتحصل زيادته بكثرة التجارب والوقائع ( )
ولذا فهذه المهارة أصلها موهبة من الله تتجلى في حدة الذكاء وفطانة القلب , ثم تنمو بالمران والممارسة فتصير بذلك مهارة من أرقى المهارات , وأمرها كأمر رياضة الأعضاء , فبالرياضة المتكررة يقوى الجسم ويكتمل
أما انتشار هذه المهارة وتحققها عند العرب المسلمين فلها عدد من الأسباب , إضافة إلى العاملين اللذين ذكرناهما من قبل , هذه الأسباب هي :
1- أن العرب في الأصل أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب , فليس أمامهم إلا الاعتماد على الحفظ , وقد وهبهم الله هذه المنحة وفضلهم بهذه الخصيصة , وهذا الأمر بين واضح .
2- رغبة بعض الموهوبين أن يكونوا شعراء والمعلوم أن الشاعر لابد له في الأصل من موهبة يردفها مخزون لغوي شعري , وحينئذٍ عليه أن يحفظ الكثير من الشعر ليكوِّنَ مخزوناً لغوياً منمقاً بتفاعيل وموسيقى راتبة, فيختمر هذا المخزون ثم يجيش الصدر بها لحدث ما فينفجر ينبوع الشعر وينسكب , قال أبو نواس مشيراً إلى ذلك : ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأةً منهن الخنساء وليلى , فما ظنك بالرجال ( )وكان أبو تمام الطائي الشاعر المشهور يحفظ أربعة آلاف أرجوزة غير القصائد والمقاطيع ( ) .
ولقد أشار ابن خلدون إلى فائدة هذا الحفظ فبين أنه ينتج الأساليب اللغوية الراقية لأن كثرة المحفوظ تؤدي إلى محاكاة هذا المحفوظ , قال : " ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن الكريم والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضاً في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم "( )
3- أن هناك حثاً على رواية الشعر, ورواية الشعر, لا شك تستلزم حفظ ما يراد حفظه , الأمر الذي يدعم هذه المهارة ويقويها وما أكثر الأقوال التي تحث على رواية الشعر وترغب فيه , قالت عائشة رضي الله عنها : " َروّوا أولادكم الشعر تعذبْ ألسنتهم " ( ) , وقال سيدنا عمر : " أُرووا الشعرَ فإنه يدلُّ على محاسن الأخلاق وينفي مساويها ( ),وتحدث ابن رشيق القيرواني عن فائدة رواية الأشعار , التي قد تكون سببا في اتجاه الشعراء والعلماء إلى الحفظ قال: فقد وجدنا الشاعر من المطبوعين المتقدمين يفضل أصحابه برواية الشعر ومعرفة الأخبار , أنه إذا كان راوية عرف المقاصد , وسهل عليه مآخذ الكلام , ولم يضق به المذهب , وإذا كان مطبوعا لا علم له ولا رواية ضل واهتدى من حيث لا يعلم , وربما طلب المعنى لم يصل إليه وهوي ماثل بين يديه لضعف آلته , كالمقعد يجد في نفسه القوة على النهوض , فلا تعينه الآلة ( )ومن القصص الدالة على ترغيبهم في حفظ الشعر وروايته أن زياد بن عبد الله وفد على معاوية فقال له : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم , قال : أقرضتَ القريضَ ؟ قال : نعم , قال : أَرويت الشعرَ ؟ قال : لا , فكتب إلى عبدالله : أبا زياد بارك الله لك في ابنك فأروه الشعرَ فقد وجدته كاملاً ( ) , فالظاهر من هذا كله أن رواية الشعر كانت سبباً من أسباب اتساع ظاهرة الحفظ وتأكيدها.
4- لعل إكرام الخلفاء والسلاطين للأئمة المشهورين من الحفظة كان سبباً من أسباب انتشار هذه المهارة فهاهي قصة حماد الراوية الديلمي الكوفي المتوفى سنة 155هـ مع الوليد بن يزيدِ الأموي تفيد ذلك , قال له الوليد : لِمَ سُمِّيتَ الراوية ؟ قال : لأني أَروي لكل شاعر سمعتُ به أو لم أسمعْ , وأُميز بين قديمها وحديثها , قال له : كم تحفظ من الشعر ؟ قال : كثير , لكني أُنشدُ على كل حرف مئة قصيدة سوى المقطعات من شعر الجاهلية , دون الإسلام فامتحنه في ذلك فوجده كما قال فأمر له بمائة ألف درهم ووهبه هشام مائة ألف درهم ( ), ومن ذلك ما حصل لأبي محلَّم الشيباني الراوية المعروف المتوفى سنة 245هـ, قال المرزباني : أخبرني محمد بن يحيى حدثنا الحسين بن يحيى قال : رأى الواثق بالله في منامه كأنه يسأل الله الجنةَ , وأن يتغمده في رحمته ولا يهلك بما هو فيه وأن قائلاً قال له : لا يهلك على الله من قلبه ( مَرْتٌ ), فأصبحَ فسأل الجلساءَ عن ذلك فلم يعرفوا حقيقته فوجه إلى أبي محلَّم فأحضره فسأله عن الرؤيا والمَرْت فقال أبومحلَّم : المَرْتُ من الأرض : القفرُ الذي لا نبتَ فيه فالمعنى على هذا لا يَهْلَكُ على الله إلا من قلبه خالٍ من الإيمان خلو المَرْت من النبات , فقال الواثق : أريد شاهداً من الشعر في المرت فأفكرَ أبو محلَّم طويلاً فأنشده بعض من حضر بيتاً لبعض بني أسد :
ومَرتِ مروراتٍ يَحارُ بها القَطَا *** ويصبح ذو علْمٍ بها وهو جاهلُ
فضحك أبو محلَّم ثم قال للذي أنشده : ربما بَعُدَ الشيء عن الإنسان وهو أقربُ إليه مما في كُمِّه , والله لا تبرحْ حتى أُنشدك فأنشد للعرب مائة بيت معروف لشاعر معروف في كل بيت منها ذكر المَرْتِ , فأمر له الواثق بألف دينار , وأراده لمجالسته , فأبى أبو محلَّم .( ) وقد وردت آثار كثيرة تحث على إكرام الحفظة وتشجيعهم بالمال , من ذلك قول سيدنا علي : " ما من رجل يحفظ القرآن إلا كان حقه في بيت المال كل سنة مائتي دينار أو ألفي درهم , إن حرمه في الدنيا لم يحرمه في الآخرة وإن حفظ نصف القرآن فمائة دينار أو ألف درهم يؤاخذ به من الوالي على بيت المال يوم القيامة فإن كان له حسنات أخذت من حسناته وإن لم تكن له حسنات أخذ من أوزار هذا العبد فحمل على الوالي ( ) ويندرج تحت هذا أن بعض الحفظة كانوا يعتقدون فيما يبدو أن للكتاب المحفوظ بركة فربما جلب لهم الرزق نزعم ذلك مما ذكره السيوطي عن الصاغاني صاحب مجمع البحرين والتكملة على الصحاح قال السيوطي : إن الصاغاني كان يقول لأصحابه احفظوا غريب أبي عبيد فمن حفظه ملك ألف دينار فإني حفظته فملكتها وأشرت على بعض أصحابي بحفظه فحفظه وملكها( ) .
5- ولعل بعضهم كان يطمح في أن يتحقق فيه ما قاله ابن عباس وهو أنه يولد في رأس كل سبعين سنة من يحفظ كلَّ شيء , فلعل هذا القيل دفع بالكثيرين منهم إلى محاولة الوصول إلى هذه المرتبة العالية , نزعم ذلك مما ذكره ابن العماد صاحب شذرات الذهب عن أبي محلَّم الشيباني قال مؤرج متحدثاً عن أبي محلَّم : أخذ مني كتاباً فحبسه ليلة ثم جاء به وقد حفظه , وقال له سفيان بن عيينة : لا أراك تخطئ شيئا مما تسمع , ثم قال له : حدثني الزهري عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال : يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء قال : وضرب بيده على جنبي وقال : أراك منهم ( ).
6- أن هناك اعتقاداً جازماً عند العلماء أن العلم الحقيقي هو ما حوته الصدور لا السطور( ) ولقد جاءت الأشعار والروايات التي تؤكد على هذا الاعتقاد قال الشافعي :
علمي معي حيثما يممتُ يتبعني***صدري وعاءٌ له لا بطنُ صندوقِ
إن كنت في البيت كان العلمُ فيه معي**أو كنتُ في السوق كان العلم في السوق ( )
وقال الشاعر محمد بن بشير الخارجي :
ليس بعلمٍ ما حوى القِمطر *** ما العلم إلا ما حواه الصدر
ونقل ابن قتيبة عن كتاب الهند قولهم: العالم إذا اغترب فمعه من علمه كافٍ كالأسد معه قوته التي يعيش بها حيث توجه ( ) , لقد روت كتب التراجم ما حصل للإمام الغزالي حين قال له كبير اللصوص هذه الحكمة فامتثل لها وراح يحفظ الكتبَ التي كان يحملها معه قال الغزالي : قُطِعَتْ علينا الطريقُ وأخذَ العيارون جميعَ ما معي ومضوا , فتبعتهم , فالتفت إلىَّ مُقدمهم وقال : ارجعْ ويحك و إلا هلكت فقلت له : أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط فما هو بشيء تنتفعون به . فقال لي : وما هي تعليقتك ؟ فقلت له : كتبٌ في تلك المخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها, فضحك وقال : كيف تدعي أنك عرفت علمها ؟ وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتك وبقيت بلا علم , ثم أمر بعض أصحابه فسلَّم إليّ المخلاة , قال الغزالي : هذا مُستنطقٌ أنطقه الله ليُرشدَني به في أمري , فلما وافيت ( طوس ) أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميعَ ما علَّقته , وصرتُ بحيث لو قطع عليّ الطريق لم أتجرد من علمي ( )
7- أن طبيعة بعض العلوم تعتمد على الحفظ فلابد لطالب العلم من " متنٍ " يحفظه , يستفاد ذلك من توصية الدمياطي لأهل القراءات بأن يحفظوا كتاباً في هذا العلم قال :من أراد علم القراءات عن تحقيق , فلابد له من حفظ كتاب كامل يستحضر به اختلاف القُراء ( ) , وعلى هذا النحو سارت العلوم الشرعية واللغوية أيضاً إذ لابد من حفظ كتاب يكون طريقاً للتمكن وسبيلا للتثبت, فصنعوا المتون النثرية والشعرية لكل فن من فنونهم , فمن مالت نفسه إلى النثر وجد متناً نثرياً كالمفصل والكافية عند أهل النحو, ومن رأى نفسه تميل إلى الشعر وجد عنده وافية ابن الحاجب وألفية ابن معط وألفية ابن مالك وغيرها من المنظومات الشعرية التعليمية المعروفة وقس على ذلك متون العلوم الأخرى
8- والحق أن هناك عاملاً تفسر به هذه الظاهرة أحسن تفسير وأقواه وهو العامل الديني نريد به ما ورد من آيات كريمة وأحاديث نبوية وأقوال للخلفاء والتابعين تحض على حفظ القرآن الكريم وتحث عليه الأمر الذي جعل هذه المهارة من أهم المهارات ومن أوسعها انتشاراً وظهوراً , فقد اتفق الأئمة على أن حفظ القرآن الكريم فرض كفاية على الأمة والغاية من ذلك أن لا ينقطع عدد التواتر من الحفظة فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف ( ) أي يُفترَضُ وجودُ حُفَّاظٍ يبلغُ عددهم حد التواتر في الأقطار بحيث تتيسر مراجعة القرآن الكريم عندهم ( ) وقد وردت الأحاديث الكثيرة المرغبة في حفظ كتاب الله فضلا عن تلاوته من ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب " وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " يقال لصاحب القرآن أقرأ وارقَ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها( ) ", ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :" إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط " ( ) ويندرج تحت هذا الترغيب النبوي ذلك الثناء العطر الذي نقرأه في مقدمات كتب التفسير لحملة القرأن الكريم وحفاظه, من ذلك ما ذكره القرطبي حول مكانة هؤلاء الحفظة بقوله : " فقرأة القرآن حملة سرِّ الله المكنون وحفظة علمه المخزون , وخلفاء أنبيائه وأمنائه وهم أهله وخاصته وخيرته وأصفياؤه , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لله أهلين منا قالوا : يا رسول الله من هم ؟ قال : هم أهل القرآن , أهلُ الله وخاصَّتُه , وعن عاصم بن حمزة بن علي رضي الله عنه قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ القرآن وتلاه وحفظه أدخله الله الجنة , وشفعه في عشرة من أهل بيته كلٌّ قد وجبت له النار ( ) " وامتد هذا الثناء لمعلمي القرآن الكريم ومحفظيه , فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " ( ) , وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال أحب العباد إلى الله تعالى بعد الأنبياء والشهداء المعلمون , وما في الأرض من بقعة بعد المساجد أحب إلى الله تعالى من البقعة التي يتلى فيها الكتاب ( ), ولا ريب بعد ذلك كله أن مثل هذه الأحاديث والأقوال التي تحض على حفظ القرآن هي من أقوى الأسباب التي تدفع المسلم إلى حفظه وتعهده ليكون المرء ممن تشملهم هذه المنازل التي تحدثت عنها الأحاديث النبوية الشريفة وما أكثرها .
تلكم هي الأسباب التي وجدتها دوافع تشحذ الهمة وتقوي العزيمة للحفظ, و لتنمية هذه الملكة , إذ يترقى الإنسان بها ليكون متميزاً متألقاً في علمه الذي تخصص فيه . والآن ننتقل إلى الوسائل التي اعتمد عليها الحفظة في حفظهم .
وسائل الحفظ وطرقه
إن الناظر في كتب التفسير واللغة يستطيع أن يلتقط الوسائل التي اعتمد عليها الحفظة لحفظ ما يريدون حفظه وعدم نسيانه , فهي في آنٍ واحد وسائل تساعد على الحفظ من جهة وتثبت المحفوظ من جهة ثانية , وهي :
1- التكرار بأن يعيد الحافظ ما حفظ ويكرره وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الوسيلة بقوله تعالى :" لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " , قال الآلوسي : وقيل اتبع قرآنه بالدرس على معنى كرره حتى يرسخ في ذهنك , ونقل عن ابن عباس قوله : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدةً فكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن ينفلت منه , يريد أن يحفظه فانزل الله تعالى : (لا تحرك به لسانك )( ) وذكر أبو حيان عن الضحاك قوله : السبب أنه كان عليه الصلاة والسلام يخاف أن ينسى القرآن فكان يدرسه حتى غلب ذلك عليه وشَقَّ فنزلت ( ) , وهذا يعني أن معاهدة المحفوظ واستذكاره فيه مشقة وتعب وإجهاد لكن تكرار هذا المحفوظ يؤدي إلى ثباته , ونقل أبو حيان عن بعضهم في قوله تعالى " سنقرئك فلا تنسى " بأن هذا أمر للرسول صلى الله عليه وسلم على أن لا ينسى على معنى التثبت والتأكيد , وقد علم أن النسيان ليس في قدرته فهو نهي عن إغفال التعاهد ( ) , وأشار القرطبي وهو بصدد حديثه عما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به إلى وسيلة التكرار هذه لئلا ينسى قال : فأول ذلك أن يخلص في طلبه لله عز وجل وأن يأخذ نفسه بقراءة القرآن في ليله ونهاره في الصلاة أو في غير الصلاة لئلا ينساه( ) , وقد نص أهل القراءات كثيراً على أن من أحب حفظ القرآن فعليه أن يتعاهده كما قال الدمياطي لأن نسيان شيء منه كبيرة , مؤكداً ذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " عرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنباً أعظمَ من سورة أو آية أُتيها رجلٌ ثم نسيها , وليقل ندبا أُنسيتُ كذا لا نسيته للنهي عنه في الحديث ( ) " وقد وردت أحاديث كثيرة تحذر من نسيان ما حفظ من القرآن فهي من جانب تحذير ومن جانب آخر ترغيب فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : تعاهدوا هذا القرآن فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقُلها, وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إنما مَثَلُ صاحب القرآن كمثل الإبل المُعْقَلَةِ , إن عاهدَ عليها أمسكها وإن أطلقَها ذهبتْ " وعن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل يوم القيامة وهو أجذم ( )"
وقد ذكر أهل الحديث للترغيب في معاهدة القرآن واستظهاره بعض الرؤى المنامية التي تشير إلى فضل المثابرة على مراجعته وتكراره وعدم نسيانه فعن سليمان بن يسار قال : قال أبو أُسيد رضي الله عنه نمت البارحة عن وردي حتى أصبحت فلما اصبحت استرجعتُ , وكان وردي سورةَ البقرة فرأيت في المنام كأن بقرة تنطحني , [رواه ابن أبي داوود ] , وروى ابن أبي الدنيا عن بعض حفاظ القرآن أنه نام ليلة عن حزبه فأُري في المنام كأن قائلا يقول له :
عجبتُ من جسم ومن صحةٍ *** ومن فتًى نام إلى الفجر
والموت لا تؤمن خطفاتُه *** في ظلمِ الليل إذا يسري ( )
ونص النووي أنه يكره أن يقول الإنسان نسيت آية كذا بل يقول : أُنسيتها أو أسقطتها ( ) .
و بدهي أن عدم مذاكرة المحفوظ يؤدي إلى نسيانه وتشتته وهو أمر بينٌ واضح في كل العلوم , يروى عن هبة الله بن عبد الله بن سيد الكل أنه كان يقول : أعرفُ عشرين علماً أُنسيتُ بعضَها لعدم المذاكرة ( )
والخلاصة أن التكرار ومراجعة المحفوظ والحرص عليه من الوسائل المهمة التي تؤدي إلى الثمرة, وهي تحقيق الحفظ وضبطه وعدم ضياعه , قال الأصمعي حين سأله المازني عن كثرة محفوظاته ما نصه : " إنه كان همَّنا وسدَمنا ", قال أبو الطيب اللغوي : والسَّدَمُ ها هنا الحرص ( )
وأشار الشافعي إلى هذا الحرص بقوله :
أخي لن تنال العلم إلى بستة *** سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة *** وصحبة أستاذ وطول زمان ( ) , ومراده من الحرص هو حرصه على الحفظ والفهم وعدم نسيان المحفوظ , ولا يتحقق ذلك إلا بتكراره واستظهاره دائما .
2- ومن الوسائل التي ذكروها لتثبيت الحفظ وتسهيله الابتعاد عن الذنوب والمعاصي وهذه الوسيلة من أهم الوسائل التي يجب على طالب العلم أن يسلكها , وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله : ( واذكر ربك إذا نسيت ) , قال بعضهم " اذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت ( ) , وقال ابن مسعود : إني لأحسبُ الرجلَ ينسى العلم بالخطيئة يعملها , وكتب رجل إلى أخ له كما قال ابن قتيبة إنك قد أُوتيت علماً فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب ( )
وقد شاعت نصيحة الإمام مالك للشافعي حين قدم عليه حافظاً موطأه في تسع ليالٍ , قال له مالك : يا محمد اتقِ الله واجتنب المعاصي فإنه سيكون لك شأنٌ , إن اللهَ قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية ( ) , ولعل هذه الإضاءة أبرقت في عقل الشافعي البيتين الذين سارت بهما الركبان مضافاً إليها قول شيخه وكيع بن الجراح حين شكا له سوء حفظه فقال له : استعن على الحفظ بترك المعاصي ( ) والبيتان هما :
شكوت إلى وكيع سوءَ حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وخبرني بأن العلـــــمَ نــــــورٌ *** ونورُ الله لا يهدى لعاصـــي
وفي رواية الأبشيهي ( ):
وذلك أن حفظ العلم فضلٌ *** وفضل الله لا يؤتى لعاصي
فنص على لفظ الحفظ للاهتمام به
يتبع