عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي " مهارة الحفظ في تراثنا " بقلم أد/رياض الخوام

كُتب : [ 11-21-2013 - 09:43 PM ]


بسم الله الرحمن الرحيم

" مهارة الحفظ في تراثنا "
بقلم أ.د/رياض الخوام


الحمد لله على كثرة آلائه , والصلاة والسلام على سيد أنبيائه , محمد صلى الله عليه وسلم وآله و أصحابه ومن تبعهم من أمته إلى يوم الدين , وبعد:
فلعلي لا أكون بعيداً عن الحقيقة ولا مجانباً للصواب , إن زعمت أن مهارة الحفظ هي من أرقى المهارات التي تجب العناية بها , لأنها تاج البراعات فهي في سلم درجات الوصول إلى العلم تأتي في قمتها
قال ابن المبارك : أول العلم النية ثم الاستماع ثم الفهم ثم العلم ثم الحفظ ثم النشر ( )
وإنما جاءت مرتبتها في القمة لأن العلم هو ما خزنته الصدور لا ما خزنته الدفاتر ( )
وقد أشار إلى هذا الشاعر محمد بن بشير الخارجي بقوله :
ليس بعلمٍ ما حوى القِمطرُ ما العلم إلا ما حواه الصدرُ
لقد أدرك أسلافنا رحمهم الله تعالى قيمة هذه المهارة لأنها العلم كله , فأرهقوا لتحصيلها أجسامهم , وقضوا لتزكيتها أعمارهم , وأشغلوا لتثبيتها أوقاتهم , ووفقهم الله في مسعاهم حتى صارت علوم الحضارة الإسلامية كلها في صدورهم وعقولهم , وها هي آثارها الآن حاضرة متجسدة فيما خلفوه لنا من تآليف وتصانيف يعجز العاد عن عدها, وتقصر ـ فيما أحسب ـ حواسب الحاسبين والحاسبات عن حصرها , رحمهم الله تعالى
فما حقيقة هذه المهارة ؟ وما وسائل هذه البراعة ؟ وما مظاهرها عند حذاقها وصناعها ؟ وكيف سار القوم في حفظها وتثبيتها , وهل من سبيل إلى الرجوع إليها؟ هذا ما أردت بيانه في هذا البحث الموجز, فلعلنا نوفق .

الحفظ لغة واصطلاحاً: أجمعت المعاجم اللغوية على أن (الحفظ) يقابل الضياع , فهو مصدر حَفِظَ , يَحْفَظُ , حِفْظاً , كعلِمَ ,, يقال حفِظ المال , أي رعاه وحرسه ومنعه من الضياع والتلف وصانه عن الابتذال ( ) , ويقال : حفظ القرآن إذا وعاهُ على ظهر قلبه ( ) ويقال تحفَّظتُ الكتاب أي استظهرته شيئاً فشيئاً , وحَفّظته الكتاب , أي حملتُه على حفظه , واستحفظته أي سألته أن يحفظه ( ), ويقال أيضاً رجلٌ حافظ لدينه وأمانته ويمينه وحفيظ , والجمع حَفَظَة وحُفَّاظ مثل كافر في جمعيهِ ( ) , والحفظة هم الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم ( ) , والحِفْظ التيقظ وقلة الغفلة , يقال : قد أحفظته فاحتفظ , أي أغضبته فغضب , والحفيظة : الغضب والحمَّية ( )
والمستفاد مما قدمته المعاجم عن هذه المادة واشتقاقاتها ما يأتي :
1- أن دلالة هذه المعاني كلها تعود إلى أن الحفظ هو عدم الضياع أو التلف أو الابتذال, والأمر ظاهرٌ في كل ما ذكرناه إلا الدلالة على الغضب , فبالتأمل نلحظ أن هناك صلةً بين الضياع والابتذال والغضب , فالغاضب إنما يغضب ليحافظ على حقيقته ونفسه من الضياع والابتذال .
2- أن هذا الحفظ قائم على إرادة الاستمرار والديمومة كما هو الحال حين أطلقوا على الملائكة الكاتبين أنهم حفظة لتسجيلهم أعمال الناس إلى يوم القيامة .
3- أن دلالة الحفظ ظهرت واضحة في البيئة الدينية فالرجل الحافظ هو الحافظ لدينه وأمانته ويمينه , وحفظ القرآن إذا وعاه عن ظهر قلب .
4- أن العربية نشطت في توليد اشتقاقات من هذه المادة تصور الواقع الذي اتضحت منه ظاهرة الحفظ , فهناك عبارات تتعلق ابتداء بحفظ النصوص , نحو : تحفظت الكتاب : أي استظهرته شيئا فشيئا , وما أحسن قولهم: شيئاً فشيئاً لما فيها من دلالة تشير إلى وسيلة من وسائل الحفظ , فبالتدريج والتكرار تكتسب هذه المهارة وتظهر هذه البراعة .
5- أن الحفظ عندهم هو الحفظ مع الفهم بدليل قول الفيومي : حَفِظَ القرآن إذا وعاه , أي فهمه ووقف على معانيه .

- أما في الاصطلاح : فلم نظفر على مصطلح محدد للحفظ ولعلنا لا نبعد عن الصواب إن قلنا: إن الحفظ المراد هنا هو حفظ نصٍّ ما عن ظهر قلب ووعيه لاستظهاره دائماً لاكتمال العلم فيه ولعل هذا التعريف ينطبق على تفسير هذه المهارة التي برزت في سماء ثقافتنا العربية الإسلامية
وأحسب أنه لابد أيضا لفهم الظاهرة من أن نعرض لمعنى النسيان الذي هو ضد الحفظ , فهومصدر الفعل نسي الشيء نسيا كرمى رميا , ونِسيانا ونِساية ونساوة بكسر النون فيهن والنّسي بالكسر ويفتح ما نُسي , والنَّسي للكثير النسيان بالكسر والفتح ( ),و بين الفيومي أن النسيان مشترك بين معنيين :
- أحدهما : ترك الشيء على ذهول وغفلة , وذلك خلاف الذكر له .
- والثاني : الترك على تعمد وعليه قوله تعالى ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) أي لا تقصدوا الترك والإهمال .
وأضاف قائلا أن هذا الفعل يتعدى بالهمز والتضعيف ( )
وفرق أصحاب المعجم الوجيز بين الفتح والكسر بأن الفتحة للكثير الغفلة والنسيان , أما الكسر فهو فقدان مؤقت لما حفظه الذهن من صور وأفكار وكلام ( ),
والواضح من هذا كله أن النسيان سواء أكان بفتح النون أم بكسرها هو ضد الحفظ , وهذا الضد أي النسيان تنوع إلى نوعين , فهو إما عن ذهول وغفلة , وإما عن قصد وعمد .

يتبع


التعديل الأخير تم بواسطة أ.د رياض الخوام ; 11-21-2013 الساعة 10:03 PM
رد مع اقتباس