عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-20-2019 - 02:14 PM ]


2- تعلم النحو والصرف:

لقد شاع في أوساط المتعلمين أن قواعد اللغة العربية صعبة وليس من السهل تعلمها لذلك نجد العديد من طلبتنا ينفرون من النحو والصرف ومن أساتذته؛ والحق أن اللغة العربية شأنها شأن اللغات الأخرى توجد فيها بعض العوائق ولكن الناس لا يرمون الفرنسية مثلاً بالصعوبة التي تحتوي على العديد من الاستثناءات؛ فعند جمع الكلمة في الفرنسية مثلاً فإن علامة الجمع فيها ليست دائما حرف "S" وإنما هناك حالات عديدة تتغير فيها الكلمة نحو: Cheval→Chevaux، وكذلك في التأنيث ثم في الإملاء فكلمتا: Phrase وPharmacien لا تكتبا بالـ "F" وإنما بـ "Ph"، وكذلك الأمر في إدخال "e" في "œuvre:"o، وغيرها من الحالات العديدة، وظاهرة الإبدال في العربية موجودة في اللغات الأوروبية، ومع ذلك لا ترتفع الأصوات بالشكوى ضد هذه اللغات.



إن الأمر في نظري وفي نظر العديد من الدارسين والأساتذة لا يكمن في صعوبة النحو والصرف وحدهما بقدر ما يكمن كذلك في الطرق المنتهجة في تعليم قواعد اللغة العربية.



لقد نهج النحاة قديمًا منهجًا فيه من التداخل بمكان فقد اعتمدوا في استنباط قواعدهم على التعليل والتأويل ولم يكتفوا بالوصف المجرد والتبويب وأقاموا النحو على نظرية العامل وتحدّثوا عن الإعراب التقديري والمحلي وهذا الأمر وغيره هو الذي جعلهم يجنحون ربما إلى الأفكار الفلسفية على أن ما زاد من تعقيد هذه المحطات والوقفات التي وقفها النحاة القدامى هو الطرق المنتهجة في تقديم مادة قواعد اللغة العربية لطلابنا والتي غدت عند بعض المدرسين والأساتذة هدفًا في نفسها قبل أن نصبح وسيلة يتعلمها المتلقي من أجل عصمة لسانه وقلمه من الزلل والخطأ، ومما لا شك فيه أن معرفة قوانين النحو ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها فهي التي تجعل القارئ قادًرا على التمييز بين الألفاظ المتكافئة في المعنى، وإن ما قعده النحاة لم يكن عملاُ عشوائيًا ترفيهيًا بل كان عملاً منظمًا وهادفًا جاء نتيجة استقراء طويل وشامل لنصوص اللغة العربية كما وصلت إليهم فقد رسم هؤلاء العلماء خطتهم في النحو بعد أن جعلوا نصب أعينهم الهدف الذي يرمون إليه. ولعله من المفيد أن نعرض هنا ما قاله ابن خلدون بهذا الشأن، فقد أدرك بحسبه اللغوي السليم وتذوقه لجمال العربية وأهمية النحو والإعراب ثمّ ميّـزَ تمييزًا مستنيرًا بين صناعة النحو لذاتها وبين الملكة اللغوية التي ينبغي العمل من أجل تكوينها في لسان طالب اللغة العربية؛ فقد جعل هذا العالم علم النحو أحد الأركان الأربعة لعلوم اللسان العربي (اللغة - النحو - البيان - الأدب) ورأى أن المقدم هو علم النحو إذ به تتبين أحوال المقاصد بالدلالة ولولاه لجهل أصل الإفادة، ولكنه يميز بين ملكة هذا اللسان وبين صناعة النحو والسبب في ذلك: «أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة، فهو علم بكيفية لا نفس كيفية، فليست نفس الملكة، وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علمًا ولا يحكمها عملاً. فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل، ولذلك نجد كثيرًا ممن يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول ولا المفعول من المجرور ولا شيئًا من قوانين صناعة الكتابة، من هذا نعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية وإنها مستغنية عنها بالجملة»[4].



فما يستنتج من مقولة ابن خلدون هاته يمكن إجماله في النقاط الآتية:

1- ضرورة العناية التامة بالنحو ومعرفة قوانينه التي لها أثر في فهم المعنى وتحديد الدلالة.

2- إن معرفة النحو وسيلة وليست غاية، ولا يجوز الانشغال بالوسيلة إذا لم تكن عاملاً مساعدًا للوصول إلى الغاية.

3- إن عملية التعلم للنحو ينبغي أن تجمع بين النظري والتطبيقي.

4- إن امتلاك ملكة اللسان العربي تغني كثيرًا عن النحو.



وبعد هذه لمقدمة حول أهمية النحو في تعليم العربية، ينبغي أن نقف وقفة نقدية تأملية لحال طلابنا وهم يتخرجون، فليس بإمكانهم التكلم أو الكتابة دون لحن - إلا من ندر - فأين الخطأ؛ أهو في قواعد اللغة العربية نفسها أم في طرق تدريسها؟ أم في البرامج المسطرة؟ أم الخطأ في أكثر من جهة؟



الكل يعلم أنه تتشكل دائمًا اللجان وتعقد الندوات والملتقيات على أعلى مستوى للنظر في هذا الأمر وإيجاد الحلول على أن ذلك لم يغير من الأمر شيئًا ومن هنا وانطلاقًا من التجارب التي عايشتها مع الدرس النحوي من ما قبل الجامعة فإنني اقترح مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تسهم في تطوير تعليم النحو العربي أذكر منها:

1 إدراك أهمية النحو في عصمة اللسان العربي من اللحن حرصًا على سلامة اللغة العربية وصونها من عبث العابثين.

2- إدراك موقع النحو من النظام اللغوي العام الذي بدوره يمثل الكيان الإنساني بأوجهه المختلفة.

3- إدراك الصلة العضوية بين النحو الوظيفي وفروع اللغة الأخرى.

4- تدريب الطلاب على ضبط لغتهم حديثا وقراءة وكتابة بشكل يتدرّج مع مستواهم العقلي واللغوي في سلم التعلم التصاعدي.



والآن إذا كان للنحو كل هذه الأهداف السامية فإن القول بالاستغناء عنه أو عدم إعطائه العناية لا يختلف عن الدعوة إلى القضاء على اللغة ذاتها. إن محنة العربية ليست في طبيعة نحوها إذ لا بدّ أن نفرق بين نحو اللغة باعتباره جزءً من طبيعة اللغة وجوهرها وبين أساليب دراسة هذا النحو، ونحن نعتقد أنه في طليعة أسباب هذا النفور من النحو يأتي الجمود في إتباع القدماء النحويين في سرد القواعد من غير عرضها على كلام العرب وشعرهم الخالي من الضرورة، والتزام أقوالهم كأنها مما يحرم الاجتهاد فيه، وقد أتى النحوَ الجمود في مدارسنا وصار مع الأسف غاية في ذاتها لا وسيلة للتعبير عن المعاني والأحاسيس[5] ولم يستطع المؤلفون في النحو من المعاصرين تجاوز هذه المحنة وكل ما كان من اجتهاداتهم جاء مرتجلاً لتجاوز مرحلة سرعان ما يبرز قصورها وتظهر نقائصها لأنها لم تخضع لدراسة معمقة وشاملة.



3- المعجم اللغوي:

نال الجانب المعجمي للغة العربية قديما العناية القصوى؛ فقد أحس علماء اللغة آنذاك بأهمية هذا الجانب في تطوير اللغة العربية والمحافظة عليها، لذلك رأينا بروز المعاجم الأولى وقد تخصص بعضها في الألفاظ وبعضها في المعاني، أذكر منها: معجم العين للخليل، ومعجم الصحاح للجوهري، ومقاييس اللغة للفيروزآبادي، وأساس البلاغة للإمام الزمخشري، والمخصص لابن سيده، ولسان العرب لابن منظور وغيرها على أن هذه المعاجم رغم القيمة العلمية الهائلة التي تحملها فإنها لم تدون جميع ما ورد من كلام العرب. فأين المعجمات من هذا التراث الضخم الذي تملكه العربية من كتب في الأدب، والتاريخ، والفلسفة، والفقه ودواوين الشعر و...، فالعربية ما زالت بحاجة ماسة إلى المزيد من معجمات تستوعب العديد مما ورد في لغة العرب وكتبها من مفردات عامة ومتخصصة، ومن فصيح وغير فصيح، ومن مولد ومعرب. وإن هذا العمل من شأنه أن يكفل للغة العربية مواكبتها للتطور الحضاري، وبالتالي يتوفر لأبنائها مجال الإبداع وتتسع لهم دائرة التفكير.



وقد شعرت الجامعات العربية والمجامع اللغوية بقيمة العمل المعجمي فما فتئت تدرج مقاييس تتناول الجانب المعجمي في اللغة بالتدريس للطلاب، وتشجع التأليف المعجمي، فكان أن ظهرت محاولات في العمل المعجمي هنا وهناك نذكر منها المعاجم المدرسية، والمعاجم المتخصصة في القانون، والاقتصاد، والأمراض، والبترول، والزراعة... الخ.



وإننا اليوم في حاجة ماسة إلى معجم يفي بجميع الأغراض العلمية، تعرف فيه الألفاظ بطريقة قادرة على تصوير الشيء المعرف تصويرًا وافيًا ينطبق تمامًا على مدلوله. إن العربية تحتاج اليوم أن تلج مجال غزو الفضاء والذرة والانترنيت وجميع مجالات العلم المعرفة المتخصصة لذلك فهي تتوق إلى معجميّين يجهدون النفس من أجل إنشاء مشروع معجمي ضخم يلم بجميع هذه الجوانب، وهنا ينبغي أن نسجل ثناءً على بعض الاجتهادات التي مازالت في بدايتها وأملنا أن تعرف التحقق الفعلي أذكر منها مبادرة الأستاذ الفاضل الحاج صالح والتي أطلق عليها عنوان "الذخيرة"، كما أن هناك مشاريع معجمية عند إخواننا المشارقة هي في غاية الدقة والشمولية وأملنا كبير أن ترى النور في يوم ما.



الخلاصة:

وأخيرًا أودّ أن أختم هذه المقالة بجملة من الاقتراحات من شأنها أن تفيد في مجال تطوير لغتنا العربية العريقة:

♦ إن الواجب يدعونا اليوم إلى التكاتف من أجل بث حركة لغوية متطورة وذكية تجعل من العربية فعلاً لغة العلم والأدب والحضارة، قادرة على استيعاب المصطلحات العلمية تؤهل أبناءها للإبداع والاختراع بها.



♦ ينبغي أن يتعاون الجميع من مؤسسات علمية وثقافية وسياسية من أجل رفع المستوى العلمي للأمة حتى نتمكن من جعل العربية اللغة الرسمية فعلاً في البلاد.



♦ لابدّ من خلق إطار عربي توطد فيه الصِّلات الفكرية والعلمية والأدبية بين العلماء العرب في شتى التخصصات.

♦ ينبغي التنقيب عن المخطوطات العربية وتحقيقها وإحياء ما فيها من مصطلحات عربية.

♦ القيام بترجمة واسعة للدوريات والحوليات الحديثة العهد ونشرها على طريق واسع.



♦ التشجيع المادي للمختبرات العلمية التي تتناول البحث في قضية المصطلح العربي، وجلب الكفاءات العلمية المتخصصة لها.

♦ تبنى سياسة واضحة وهادئة ودقيقة في مجال التعريب الذي شرعت فيه الجزائر وبعض البلدان العربية في السنين الفارطة.



♦ كما نقترح تأسيس مجمع لغوي واحد تحت رعاية عربية موحدة تستدعى له المؤسسات اللغوية القطرية والكفاءات العلمية المتخصصة والمتنوعة من أجل إنجاز معجم عربي حديث شاف كاف.

المصدر
------
[1] أبو الفرج الأصفهاني، كتاب الأغاني، 16/ 16.

[2] إبراهيم أنيس، من أسرار اللغة العربية، ط1، القاهرة، 1955، ص48.

[3] أحمد أمين، ضحى الإسلام، بيروت، 1978، ص113.

[4] ابن خلدون، المقدمة، الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط1، 1984، 2/ 136.

[5] مجلة العربي، العدد 528، نوفمبر 2002، ص91.

رد مع اقتباس