أمَّا ثعلب أبو العباس أحمد بن يحيى (ت391هـ) فتبع أساتذته في كلِّ ما يقولون، وسار على نهجهم في النظر إلى القراءات، بل قُل: كان يفوقهم احترامًا لها؛ قال: "إذا اختلف الإعرابان في القراءات لم أفضِّل إعرابًا على إعرابٍ، فإذا خرجتُ إلى كلام النَّاس فضَّلت الأقوى"[71]، أمَّا القراءات النادرة فموقفه لا يخرج عن موقف سابقيه في قبولها، فتراه يذهب إلى ما ذهب إليه سيبويهِ في حذف المبتدأ لـ(شيخ) في حرف ابن مسعود: ﴿ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخٌ ﴾ [هود: 72] [72]، قال: "إذا كان مدحًا أو ذمًّا استأنفوه" [73]، ويسير على نَهْج الكسائي في تخريجه لقراءة الحسن[74]: ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ﴾ [النساء: 148] [75] ببناء (ظلم) للمعلوم، قال: "قال الكسائي: هذا استثناء يعرض، ومعنى يعرض: استثناء منقطع"[76].
من هذا المنظور فإن ثعلبًا ما كان ليخرج عن دائرة القبول للقراءات المشهور منها والنادر عن أساليب سابقيه في معالجتهم لها وإخضاعها للقياس، بل كان مثلَهم في إخضاعها للقواعد النَّحْوية، وتطويعها بما يُناسب المقياس النَّحْوي الذي يرى فيه كغيره مِن النُّحاة الفيصلَ في عملية القبول والرَّفْض لهذه القراءة أو تلك.
وختامًا، فإن القراءات القرآنية مَتْنٌ للدَّرس اللِّساني؛ لأنَّها - وإنْ تفاوتت النَّظْرة إليها، واختلفت الآراء في رفضها وقبولها - أحدثت نوعًا من التفاعُل البنَّاء بين النُّحاة واللُّغويين، وما الاختلاف فيها إلَّا السبيل والمنطلق إلى لسان قرآني سليم من كلِّ زلَلٍ أو لَحْنٍ قد يقع فيه مَن يجهل القراءات القرآنية، فالقرآنُ الكريمُ الذي جاء على سبعة أحرف كلٌّ منها شافٍ وافٍ، لا سبيلَ لتخطئة قراءاته إذا ما توافرتْ لها شروطُ القراءة الصحيحة.
خلاصة:
خلاصة القول: إنَّ للقرآن الكريم وخدمته الفضلَ الكبيرَ في ظهور علوم اللِّسان العربي؛ فلولا القراءات القرآنية ما ظهرت الدراسات الصوتية، وهذا الوصف الصوتي الدقيق لأصوات اللِّسان العربي من حيث المخارج والصفات، كما أنَّ نزول القرآن وما تعرَّض له في لحْنٍ في التلاوة أدَّى إلى نَقْطه وإعرابه، والتفسيرات التي انبنى عليها هذا الإعرابُ كانتْ أساسَ النحو في اللِّسان العربي، وقد أدَّى هذا التلازُمُ بين النحو والقرآن وقراءاته إلى تطوُّر الدرس النحوي حتى تعدَّدتْ مذاهبُه.
والنحويُّ لا غِنى له عن القرآن؛ إذ هو مادة استشهاده للقواعد النحوية؛ لأنَّ مَتْنَه جمع فصيح لسان العرب، ووحَّد لهجاته فخلَّص العربية من شتات اللهجات الكثيرة، وجعل من اللِّسان العربي لسانًا عالميًّا تنطق به الأممُ؛ إذ تغلْغلَ في الهند والصين وأفغانستان، وحسبنا ما نعلمه من مشاهير العلماء من تلك البلاد، مثل: البُخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، والقزويني، وغيرهم الكثير، يُضاف إلى ذلك أنَّ القرآن الكريم كان له الفضلُ الكبيرُ في تقعيد اللِّسان وضبْطِـه، بل بفضله ساد اللِّسانُ العربيُّ وضُبِطت قواعدُه، واتَّصلت حلقاتُ عصوره، وحُفِظت وحدَتُه.
هكذا يكون الجواب المنتقى للسؤال الذي يحيل إليه العنوان، أن الحِفاظ على القرآن الكريم لفظًا ومعنًى كان الدافع وراء دراسة العرب لغتهم والتقعيد لها، ولم تقتصر عقولُهم على الإبداع في علم الأصوات والنحو فقط، بل برعوا في الصرف وصناعة المعاجم، وقعَّدوا للدلالة، واكتشف الخليلُ المقاطعَ الصوتيةَ في وصفه لأوزان الشعر، وسنفرد لهذه العلوم مقالاتٍ أخرى فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
المراجع:
• تاريخ العربية؛ تأليف سيد عبدالرحمن العبيدي وآخرين، دار الكتب للطباعة والنشر.
• أبجد العلوم؛ صديق بن حسن القنوجي (1307هـ)، أعدَّه للطبْع عبدالجبار زكار، وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق، 1988.
• الإتقان في علوم القرآن؛ لجلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، ط3، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1951م.
• أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي؛ د. عبد الصبور شاهين، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 1408هـ-1987م.
• المدارس النحوية؛ شوقي ضيف، الطبعة السادسة، دار المعارف، مصر.
• تهذيب تاريخ ابن عساكر؛ ابن عساكر، تحقيق صلاح الدين المنجد.
• البحر المحيط؛ لمحمد بن يوسف بن علي بن حيان الأندلسي، مكتبة النشر الحديثة بالرياض، (من دون تاريخ).
• تاريخ التراث العربي؛ د. فؤاد سزكين، ترجمة د. محمود حجازي ود. فهمي أبو الفضل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1977م.
• التفكير الصوتي عند الخليل؛ د. حلمي خليل، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ط1، 1988م.
• التنبيه على حدوث التصحيف؛ حمزة الأصفهاني (360هـ)، تحقيق محمد أسعد طلس، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1388هـ - 1968م.
• التيسير في القراءات السبع؛ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (444هـ)، بعناية أوتوبرتزل، مصورة دار الكتاب العربي ببيروت، ط3، 1406هـ - 1985م.
• الجامع لأحكام القرآن؛ لمحمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، ط3، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967م.
• الخصائص؛ لأبي الفتح عثمان بن جنِّي، تحقيق: محمد علي النجار، ط2، دار الهدى، بيروت، (من دون تاريخ).
• الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني؛ د. حسام سعيد النعيمي، وزارة الثقافة والإعلام، العراق، 1980م.
• الدقائق المحكمة في شرح المقدمة الجزرية في علم التجويد؛ زكريا بن محمد الأنصاري (926ه)، تحقيق د. نسيب نشاوي، دمشق، 1400هـ، 1980م.
• الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة؛ مكي بن طالب القيسي (437هـ)، تحقيق د. أحمد حسن فرحات، دار الكتب العربية، دمشق، 1393هـ - 1973م.
• علم الأصوات العام: أصوات اللغة العربية؛ د. بسام بركة، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1988م.
• علم اللغة: مقدمة للقارئ العربي؛ د. محمد السعران، دار النهضة العربية، بيروت.
• علم اللغة العام: الأصوات؛ د. كمال محمد بشر، دار المعارف بمصر، 1975م.
• غاية النهاية في طبقات القراء؛ ابن الجزري (833هـ)، بعناية ج، برجستراسر، مكتبة المتنبي، القاهرة.
• في الأصوات اللغوية: دراسة في أصوات المد العربية؛ د. غالب فاضل المطلبي، وزارة الثقافة والإعلام، العراق، 1984م.
• القاموس المحيط؛ لمجد الدين الفيروزابادي، المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
• القراءات القرآنية: تاريخ وتعريف؛ د. عبدالهادي الفضلي، ط1، دار المجمع العلمي بجدة، 1399هـ/ 1979م.
• الكامل في اللغة والأدب؛ لمحمد بن يزيد المبرد، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، والسيد شحاتة، مطبعة دار نهضة مصر.
• كتاب العين؛ الخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ)، تح: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، دار الهجرة، إيران - قم، ط1، 1405هـ.
• كتاب سيبويه؛ أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (180هـ)، تح: عبدالسلام هارون، عالم الكتب، بيروت، 1385هـ - 1966م.
• كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون؛ مصطفى بن عبدالله الرومي المعروف بحاجي خليفة (1017هـ)، دار الفكر، بيروت، 1402هـ ـ 1982م.
• اللغة العربية: معناها ومبناها؛ تمام حسان، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، ط2، 1979م.
• مباحث في علوم القرآن؛ د. صبحي الصالح، دار العلم، بيروت، 1969م.
• مجالس ثعلب؛ لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، تح: عبدالسلام هارون، ط2، دار المعارف بمصر، 1375هـ/ 1956م.
• المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها؛ لأبي الفتح عثمان بن جني، تح: علي النجدي ناصف، وعبد الفتاح شلبي، القاهرة، 1389هـ/ 1969م.
• مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع؛ للحسين بن أحمد بن خالويه، عني بنشره: ج.برجستراسر، المطبعة الرحمانية، مصر، 1934م.
• المفصل في علم العربية؛ الزمخشري (538هـ)، دار الجيل، بيروت، ط2.
• المقتضب؛ أبو العباس المبرد (285هـ)، تح: محمد عبدالخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت، مصورة عن نسخة القاهرة 1963م.
• النشر في القراءات العشر؛ ابن الجزري (833هـ)، تصحيح: علي محمد الضباع، دار الكتب العلمية، بيروت.