واستأنفْتُ مُحاورَةَ صاحبي في الرّدّ على ادّعائه الإتيانَ بنظرية الاحتياج المعنويّ بقولي له :
أنت لم تأتِ بنظرية اسمُها الاحتياج المعنوي، ولكنّك نثرتَ خواطرَ متفرقةً في نقد النحو العربي،
وفي الطّعنِ على النّحويين، ويحسُن بك أن تعودَ إلى صنفيْن من المراجع لاستكمال هذه الخواطر
وتطويرِها بدلاً من أن تُبدئَ وتُعيدَ وتنتهي إلى العبارَة نفسِها، وهي قولُك: فتبيَّنَ أنّ الكلامَ
يحكمُه الاحتياج...، عليْك بدلاً من الجدالِ الذي لا ينتهي أن ترجعَ إلى صنفيْن أو ثلاثة أصناف
من المراجع:
- أولاً كتب نقد النحو ، فقَد أنجِزَت في نقد النحو العربيّ وما فيه من علل على اختلافها
عَشرات المَراجع ، منها ما اتبَع المنهَج الوصفيّ التّيسيريّ، ومنها ما استمدّ من مناهج
الدّرس اللغويّ الحَديث...
- ثانياً كتب اللسانيات الحَديثَة، خاصّة المتعلّقة بنظريات الدّلالَة والمدارس والاتجاهات
التي تربط استعمالَ اللغة بالوَظيفَة ، ومن هذه المَدارس الوظيفيّة
والتّداوليات وغيرها،
- ثالثاً كتب حديثة جدا في نظرية الدلالة التوليدية التي تنتقد التركيبية التوليدية وتميلُ إلى
أنّ الدّلالة مركز البنية اللغوية أمّا البنية التّركيبيّة فليسَت إلاّ مشتقّةً من الدّلالَة، وهذه نظريّة
متطوّرة صاحبُها هو راي جاكندوف [2002م] من خلال بحثه: الدّلالة مَشروعاً ذهنياً
Foundations of ********, Brain, Meaning, Grammar, Evolution
Oxford University Press, 2002
يتعيّنُ عليك قبلَ أن تتحدّث في ما دعوتَه بنظرية الاحتياج أن تتأمّل في إسهام اللسايات
الحديثَة في تطوير الاهتمام بالدّلالَة وإقامَة اسس نظرية للدلالَة، وهي نظرية سجّلَت تقدّماً
هاماً في فهم المَعْنى وكيفية تَوليده أو إنتاجه، فتلك النظرية اجتهَدَت وما زالَت، في وضع
مَبادئ نظرية لرصد القواعد المتحكّمَة في تنظيم المَعاني وترتيب المدلولات...
اجتهادٌ ثانٍ يُمكن أن نوسّع فيه النّقاشَ حول المَعْنى وهو الوظائف التداوليّة التي تُسنَد إلى
مكونات الجملة، وأنّ هذه الوَظائفَ المتعلقَة بالمَقام والمَقاصد والمُخاطَب هي التي تحدّد
نوع الكلمات التي يُركّبُ منها التركيبُ، ونوع الرتَب التي تُرتَّبُ عليْها تلك الكلمات
في هذا الإطار يُمكن أن نتحدّث عن نظرية المَعْنى أو ما دعوتَه بنظرية الحاجَة إلى التعبير
عن الدّلالة، أمّا أن تأتي بخواطر متفرقة وملاحَظات حول النصوص وتقول في خاتمة كل مثال
مثّلْتَ به أو شاهدٍ زعمْتَ أنّه استدْللْتَ به: « فتبيَّن أنّ الحاجة المعنويّةَ هي التي تتحكّم
في القول وليس القواعد » فهذا كلامٌ سطحيّ ساذجٌ لا يستحقّ أن يُنعَتَ بالنّظريّة،
وأنصحُك ألاّ تنسبَ إلى نفسِكَ أنّك أنشأتَ نظريةً ، لأننا ابتُلينا في زماننا هذا بأنّ كلّ مَن
قيّدَ خواطرَ وتوسّع فيها سَمّى ملحوظاته بالنظرية وهذا أمرٌ مثيرٌ للاستغراب