العلم بالعربية طريق فهم الحديث:
قال ابن الصلاح: وحق على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به من شين اللحن والتحريف ومعرتهما[43].
وروى الخطيب عن شعبة قال: من طلب الحديث ولم يبصر العربية كمثل رجل عليه برنس وليس له رأس![44]. وروى أيضا عن حماد بن سلمة قال: مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاة ولا شعير فيها[45].
فمعرفة العربية شرط في المحدث، قال النووي رحمه الله: «وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو ما يسلم به من اللحن والتصحيف، وقد روى الخليلي في الإرشاد عن العباس بن المغيرة عن أبيه قال: جاء عبدالعزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليعرضوا عليه كتاباً، فقرأ لهم الدراوردي، وكان رديء اللسان يلحن، فقال أبي: ويحك يا دراوردي، أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك[46].
ويقول الحافظ أبو الحجّاج يوسف بن الزكي الـمِـزِّي (ت742هـ) في مقدمة كتابه «تهذيب الكمال في أسماء الرجال»: «ينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حصل طرفا صالحا من علم العربية، نحوها ولغتها وتصريفها، ومن علم الأصول والفروع، ومن علم الحديث والتواريخ وأيام الناس».
ذم اللحن بعامة ولطالب العلم بخاصة:
كَثُرت أقاويل العلماء في ذم اللحن. فعن أيوب السختياني رحمه الله أنه كان إذا لحن قال: ( أستغفر الله )[47].
وقال الأصمعي رحمه الله: «إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»؛ لأنه لم يكن يلحن. فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه.
وروى الخطيب البغدادي أن عليّاً وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم كانوا يضربون أبناءهم على اللحن. ونقل عن الرحبي أنه قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحَّان، فكتب عن اللحان لحَّان آخر، فكتب عن اللحان لحَّان آخر، صار الحديث بالفارسية !![48].
وقد تحسَّر ابن فارس[49] رحمه الله على أهل وقته من غفلتهم عن العلوم العربية وانشغالهم عنها فقال: «وقد كان الناس قديما يجتنبون اللحن فيما يكتبونه أو يقرؤونه اجتنابهم بعض الذنوب، فأما الآن فقد تجوزوا حتى إن المحدث يحدث فيلحن والفقيه يؤلف فيلحن فإذا نبها قالوا: ما ندري ما الإعراب وإنما نحن محدثون وفقهاء فهما يُسَرَّان بما يساء به اللبيب. ولقد كلمت بعض من يذهب بنفسه ويراها من فقه الشافعي بالرتبة العليا في القياس فقلت له: ما حقيقة القياس ومعناه؟ ومن أي شيء هو؟ فقال: ليس علي هذا، وإنما علي إقامة الدليل على صحته. فقلَّ الآن في رجل يروم إقامة الدليل على صحة شيء لا يعرف معناه، ولا يدري ما هو. ونعوذ بالله من سوء الاختيار»[50].
وقال العلامة الشيخ بكر أبو زيد - رحمه الله - في كتابه القيّم (حلية طالب العلم): «احذر اللحن: ابتعد عن اللحن في اللفظ والكتب، فإن عدم اللحن جلالة، وصفاء ذوق، ووقوف على ملاح المعاني لسلامة المباني»[51].
وما أحسن ما قاله الشاعر عبدالرحمن العشماوي في وصف من يلحن في لفظه:
يلقي على المرفوع صخرة جهله
فيصير تحت لسانه مجرورا
وينال من لغة الكتاب تذمراً
منها ويكتب في الفراغ سطورا
ورأيت مبهوراً بذلك كله
فرحمت ذاك الجاهل المغرورا
وعلمت أن العقل فينا قسمة
والله قدَّر أمرنا تقديرا
الجهل بالعربية من أسباب الزيغ:
من المقرر لدى علمائنا أن الضعف في علوم العربية سبَّبَ ضلالاً في فهم كثير من المتفقهة. قال ابن جني: «إن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها وحاد عن الطريقة المثلى إليها، فإنما استهواه واستخف حلمه ضعفُه في هذه اللغة الكريمة الشريفة التي خوطب الكافة بها» [52].
وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد لما ناظره في مسألة خلود أهل الكبائر في النار، احتج ابن عبيد أن هذا وعد الله والله لا يخلف وعده - يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر بالنار والخلود فيها - فقال ابن العلاء: من العجمة أُتيتَ، هذا وعيد لا وعد، قال الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي[53]
ومن أمثلة التفاسير الخاطئة المبنية على الجهل بالعربية قول من زعم أنه يجوز للرجل نكاح تسع حرائر مستدلا بقوله تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [النساء: 3] فالمجموع تسع نسوة، قال الشاطبي: ولم يشعر بمعنى فُعال ومفعل وأن معنى الآية: فانكحوا إن شئتم اثنتين اثنتين أو ثلاثاً ثلاثاً أو أربعاً أربعاً.
ومن ذلك قول من قال إن المحرم من الخنزير إنما هو اللحم، وأما الشحم فحلال لأن القرآن إنما حرم اللحم دون الشحم، ولو عرف أن اللحم يطلق على الشحم بخلاف الشحم فلا يطلق على اللحم لما قال ما قال[54].
ومن ذلك قول من قال في حديث: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار»، بأن فيه مذهب الدهرية وهذا جهل، فإن المعنى لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم مصائب ولا تنسبوها إليه فإن الله هو الذي أصابكم فإنكم إذا سببتم الدهر وقع السب على الفاعل لا على الدهر[55].
قال الشاطبي رحمه الله: فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، والصحابة رضوان الله عليهم براء من ذلك لأنهم عرب لـم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلم. ثم من جاء بعدهم ممن هو ليس بعربي اللسان تكلف ذلك حتى علمه[56].
أسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا ويرزقنا العلم والعمل.
المصدر
--------------
[1] الجامع 2/ 25.
[2] الغريب للخطابي 1/ 61.
[3] الغريب للخطابي 1/ 61.
[4] الغريب للخطابي 1/ 61 1.
[5] الجامع 2/ 25.
[6] حلية طالب العلم ص60.
[7] تدريب الراوي 2/ 161، الجامع للخطيب 2/ 8، حلية طالب العلم ص59.
[8] الغريب للخطابي 1/ 61.
[9] اقتضاء الصراط المستقيم ص 203.
[10] الفتاوى 32/ 252.
[11] اقتضاء الصراط المستقيم 207.
[12] اقتضاء الصراط المستقيم / 162.
[13] رواه البخاري ( فتح 1/ 174)، ومسلم (1673) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
[14] الاعتصام 2/ 297.
[15] رواه ابن أبي الدنيا في العيال 1/ 508، والبيهقي في الكبرى 2/ 18.
[16] رواه ابن أبي الدنيا في العيال 1/ 528.
[17] أي: يرتفعوا كما في لسان العرب، مادة: نجد.
[18] رواه ابن أبي الدنيا في العيال 1/ 512، والبخاري في الأدب المفرد (873)، وفي البداية والنهاية (6/ 66) من طريق المدائني أن عبدالملك قال ذلك لإسماعيل بن أبي المهاجر، بلفظ أطول من هذا.
[19] السير 9/ 351. والأشهر: يا لله ويا للمسلمين. والمثبت من السير.
[20] الغريب للخطابي 1/ 61.
[21] كما في كتاب إبطال الاستحسان في خاتمة الأم 7/ 274، والرسالة / 509 - 511 والمستصفى 2/ 352 والبرهان 2/ 869-870 وفواتح الرحموت 2/ 363 وشرح الكوكب المنير 4/ 581 والإحكام 4/ 170 والذخيرة / 137وشرح مختصر الروضة 3/ 581 وإرشاد الفحول 2/ 1031 والمهذب 5/ 2325.
[22] الإحكام 5/ 119-120.
[23] الاقتضاء 1/ 470.
[24] رواه ابن أبي شيبة (9963).
[25] رواه عبدالرزاق في المصنف 4/ 323.
[26] رواه ابن أبي شيبة (9975).
[27] الاعتصام 1/ 304. وقوله: أهلكتهم العجمة. ررواه البخاري في خلق أفعال العباد 1/ 75، 106، وفي التاريخ الكبير 5/ 93. وروى ابن أبي شيبة في المصنف (37571) 7/ 303 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أخوف ما أتخوف على هذه الأمة قوم يتأولون على غير تأويله.
[28] شذرات الذهب لابن العماد / 231 عن مجلة البيان العدد رقم 182 ص67.
[29] هو إمام العربية أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي البصري، توفي سنة 225هـ. السير 10/ 561 - 563.
[30] الموافقات 4 / 83.
[31] كتاب سيبويه 1/ 5 عن مقالات العلامة الطناحي 2/ 438.
[32] السير 1/ 75.
[33] إرشاد الفحول 2/ 1031-1032.
[34] الرسالة / 49.
[35] الموافقات 4/ 83.
[36] الغريب للخطابي 1/ 61.
[37] تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 6.
[38] مستدرك الحاكم2/ 499، والأسماء والصفات للبيهقي 2/ 80.
[39] الأزهري، التهذيب 1/ 5 المقدمة.
[40] الإيمان ص 111.
[41] الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص 7.
[42] الإتقان للسيوطي 2 / 179 عن مجلة البيان العدد رقم 182 صفحة 68.
[43] المقدمة ص400.
[44] الجامع 2/ 26.
[45] الجامع 2/ 27.
[46] الإرشاد 1/ 302.
[47] المحدث الفاصل / 525.
[48] تدريب الراوي 2/ 161، الجامع للخطيب 2/ 8، حلية طالب العلم / 59.
[49] هو أبو الحسين أحمد بن فارس القزويني الرازي اللغوي، من أعظم عباقرة العربية، يشهد له على ذلك كتبه التي منها الصاحبي ومقاييس اللغة، توفي سنة 395هـ. ابن فارس اللغوي 25 - 105.
[50] الجامع للخطيب 2/ 25-29.
[51] التعالم ص66.
[52] الخصائص 3/ 245 عن اللغة العربية والتعريب ص39.
[53] رسائل الشيخ عبداللطيف آل الشيخ ص24.
[54] الاعتصام / 304.
[55] فتح المجيد / 358.
[56] الاعتصام / 304. وللاستزادة انظر: كلام الرافعي في إعجاز القرآن هامـش صفحة 105.