لا يُعقَل ولا يُقبَل أن يُقعِّد أصولَ علمٍ مَنْ ليس من أهله ولا هو متخصص في فنِّه، أَفيُقبَل أن يُقعِّد اللغويُّ المنطقَ وهو ليس بمنطقيٍّ، وأَيُقبَل أن يُقعِّد للفقه أو للحديث أو للتفسير أو لغيرها مِن العلوم مَنْ ليس مِن أهلها، ما لكم كيف تحكمون !.
لقد تصدَّى علماؤنا اللغويون الأوائل لعلوم اللغة بمستوياتها المختلفة، فأصَّلوا الأصول وقعَّدوا القواعد على أسس متينة وأدلة رصينة وححج مبينة، ولم يتركوا شاردة ولا واردة إلا وأوفوها حقَّها من البحث والتنقيح، وليس للمنطق عليهم أثرٌ ولا سلطانٌ إلا عند بعض المتأخرين الذين خلطوا المنطق باللغة من غير أن يطغى المنطق على اللغة، ولا يسعني الموقفُ للحديث عن علاقة التأثر والتأثير القائمة بين المنطق واللغة، ولكنني أقول إن العلم لا يكون علمًا قائمًا على أسس متينة إلا إذا تكفَّل به أهله المتخصصون به، واللغة كذلك، وحتى لا أطيل أنصح بإنعام النظر في مناظرة النحوي أبي سعيد السيرافي والفيلسوف المنطقي متّى بن يونس، ففيها ما يكفي للرد على مَنْ زعم أن المنطق هو المعيار في فهم اللغة وتقعيدها .