الفتوى (1886) :
افتخارُ كل قوم بلغتهم من طَبائع البَشَر. وافتخارُ العرب بلغتهم أوفرُ حظًّا وأكثرُ انتشارًا. وحقيقةُ ذلكَ أنهم إنما يفخرون بكثرة ما أُنشِدَ فيها ونُظم من شعرٍ وما نُثرَ فيها من خُطَب ومقامات، بل يفخرون بلغةٍ لم ينزل القُرآن العَظيمُ إلا بها وانتقاها من بين أخواتها الساميات. ولمّا نزل بها ابتكر فيها وجوه القول ومذاهب التصوير البلاغي ومَحاسنَ الكلام وفتق قريحتها واستخرج ينابيعها الثرةَ، وهي مناسباتٌ لم تُتَح للغات الأخرى. فليسَ في فخر العرب بلغتهم زَعمٌ وإن كان فيه حظٌّ غير يَسيرٍ من المبالَغَة.
أمّا افتخارُ الآخَرين بلغاتهم فهو واردٌ بقوة ولم يكن مقصورًا على العرب، فقَد كَتَب جان ماري غوستاف كليزيو (المولود سنة 1940م)، الكاتبُ الأديبُ الفرنسي المُكثِرُ الذي يُنسبُ إلى مذهب "الروايَة الجديدة" والحاصلُ على جائزة نوبل سنةَ 2008م بوصفه كاتبًا من جيل "الانطلاق الجديد"، كَتَبَ قائلًا إنه كان يحلم بالتحدُّث بلغات أخرى كالروسية أو اللهجة المصرية أو يحلم بالكتابَة باللغة الإنجليزية لأنها اللغة الأكثر شاعريةً ورِقّةً وإسْماعًا في زعمه، ولكنّه تفطّن إلى أنه كان مُخطئًا؛ فاللغة الفرنسيةُ بما هي قَدَرُه ولغتُه الأم غَمَرته بسحِرها وتغلغلت في أعماقه واختلَطَت بلحمه ودَمه؛ فهي الأوْلى والأحرى بأن تكونَ لغةَ التكلُّم والكتابَة، إنها بَلَدُه ووطنُه، وقد بالَغَ في وصفها والتنويه بأصواتها ومَخارجها، وتفضيلها عل الإنجليزية والألمانية؛ فخطابُ التفضيل والمبالَغَة في التنويه لم تَخلُ منها لغة، ولم يكنْ خاصًّا بالعربية وأهلها من الكُتّاب والبُلغاء والشعراء والعُلَماء، بل عامة المتكلمين بها، وإن كانَت العللُ التي قدمها هؤلاء عن العربية ورصيدها العلمي الثقافي الثقيل على مر التاريخ، لا تُنكَر.
أما ما قدمه السائلُ الكريم من عشقه للغة الهندية فهو موقف اتخذَه لأنه يعلَم تلك اللغة وأشعارَها وآثارَها وليسَ موقفُه المُرْتَضى عند جميع الناس بالضرورَة، ولا موقفه من دارجة من الدوارج العربية ولا استدلاله بمغنيةٍ فَضلت الغناءَ بلهجة المصريين بالاستدلال القوي المَرضيّ، فتلك مواقفُ فرديّة خاصة بأصحابها وأذواقهم ولا تُعَمم ولا يصحُّ اتخاذُها أدلةً للتفضيل.
أما سؤالُه عن اللغات التي يزعم أهلها من عامة الناس وأهل اللغة أن لها سحرًا وجمالًا خاصًّا في مجالات الشعر والنثر والغناء، دون الرواية والقصة، فلا يُمكن تقديم تصنيفات حصرية مُجْمَع عليها بالاستقراء التام، فكل متكلم بلهجة يُحب لهجتَه وإنشادَها وزجلَها الذي فيه ثقافتها الاجتماعية، وكل متكلم لغة نظاميةٍ يُفضل لغتَه لِما فيها من قُدرات شعرية وإنشادية خاصة بها هي التي إذا سَمعها أثرَت فيه وهَيَّجَت أشواقَه وشَفَت غليلَه، وكلَّما تعلم الإنسانُ لغاتٍ متعددة اتسعَ مجالُ موازناته بينها في الفصاحَة والغنائية وثراء التعبير، ولكنّ العربيّةَ لم ينحصر التنويه بها في أهلها قديمًا وحديثًا، بل تعدى ذلك إلى كثير من المستشرقين الأوربيين والمؤرخين وأساتذة الحَضارات المقارنَة، مثل إرنست رينان ونولدكه ومرجوليوث وبروكلمان وغيرهم كثير جدًّا .. فقد كانَ لهؤلاءِ نظرة خاصة إلى اللغة العربية، وإدراكٌ جديد يستحق الانتباه والعنايةَ والاهتمامَ؛ لأنه صدَرَ عن علم وتمييز وبحث وموازنات.
اللجنة المعنية بالفتوى:
المجيب:
أ.د. عبدالرحمن بودرع
(نائب رئيس المجمع)
راجعه:
أ.د. أبو أوس الشمسان
(عضو المجمع)
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)