ولو تأمل صاحب النظر والرأي في نتائج هذه الدراسات التي سقنا طرفًا منها؛ لنعرف من أصحاب الفن رأيهم في برامج الإعداد وجودة المنتج، وما ينبئك مثل خبير، فيري أن جل الدراسات إن لم يكن كلها توجه إلى أمر واحد، ألا وهو انتبهوا يا أهل اللغة وسدنتها إلى معلمي اللغة، فهم حرس الحدود.
4- وسائل العلاج:
فيما سبق عرضت لأبرز أسباب ضعف اللغة، وفيما يلي أحاول مستحثًّا قلمي، مستعينًا قبل ذلك بالله أن أقترح العلاج في سطور معدودات، راجيًا الله البصيرة والسداد.
أ- الاهتمام بالقرآن الكريم وسنة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ودمجهما في مدارس التعليم العام بصورة أكثر وضوحًا وقوة، وجعلهما مادةً منفصلة، ولها من الأهمية ما لغيرها من المواد، وإن كان القرآن والسنة لا يقارنا بشيء ولا يعدلهما شيء، فضلًا عن إعادة النظر بعمق في مدارس التعليم الشرعي على اختلاف مسمياتها وتنظيماتها الإدارية.
ب- قال عمر بن عبدالعزيز( رضي الله عنه) يومُا لمعلم صبيانه يوصيه قائلُا: (لا تعدهم من علم إلى علم حتى يتقنوه)، ولا أرى أبلغ من هذا لعرض هذا الحل العظيم النفع، ألا وهو عدم تدريس لغة أجنبية ثانية إلا بعد التمكن من اللغة العربية الفصيحة، فهذا دأب الصغار، وهذا المعنى أجده أيضًا قد سبق إليه الأديب المتفرد والشيخ الجليل العلامة أبو فهر الدكتور (محمود شاكر) قائلًا: وأما الصغير الناشئ، فالأمر فيه أخطر، وهو عليه أشد وبالًا؛ لأنه يتعلق بتكوين نفسه وعقله وإرادته، وبالمرجو فيه إذا كبر واشتد وصار أهلًا للنظر، وقادرًا على التأثير، والصحيفة والمعلم كلاهما عوض عن ثدي أمه، فإنه يرتضع منهما مادة بنائه العقلي والنفسي، فإذا تلقى سوء النظر، وفساد التفكير، وخطل الرأي، فإنما يتلقى سمومًا لا يكاد يبرأ من عقابيلها ما عاش، فإذا فوجئ في خلال ذلك التكوين - وهذا شيء لا مفر منه - بما يصادم ما تلقاه، اندلعت في كيانه بلبلة أشدُّ من زلازل الأرض، فلا يكاد ينجو من آثار التدمير الفظيع الذي يورثه إياه الزلزال الأكبر. هذا، ومع فِقدان القدرة على بناء ما تهدَّم في نفسه، ثم ينطلق على ذلك فيكبر ويصلب عوده، ولكنه يبقى بناءً متهدمًا في داخله، لا يستقيم له رأي ولا نظر ولا إدراك، فإذا تولى أمرًا، فإنما يتولاه ليتلفه ويدمره من حيث يدري ولا يدري، وتدور الدائرة[5].
ج- إعادة النظر في مناهج اللغة العربية، وحسن اختيار النصوص الأصيلة المعنى والمبنى، والبعد عن الركيك منها، وعدم الإغراق في ذلك النوع من الأدب الذي يقتُل ملكة الإحساس والتذوق لدى الطلاب في المدارس.
د- القيام على إعداد معلمي اللغة العربية قيامًا حقًّا، تكون النية فيه أن إعداد معلم اللغة العربية كإعداد الجندي في الميدان الذي يزود عن هوية الأمة ويذب عنها، ويحمي حماها من لؤم المتربصين بها.
هـ- توجيه الإعلام على كافة مستوياته باستخدام لغة فصيحة رصينة قوية، حتى تطرق مسامع الناس ما حُرموا منه من كل لون الربيع مما زين، ولون رياض العربية، ويدركوا جوهر لغتهم الغراء.
و- تشجع الطلاب والدارسين والمعلمين والأدباء والكتاب، والصحفيين والمذيعين المهتمين والمجيدين للعربية بكل السبل؛ كالتكريم والمكافآت المادية والمعنوية، وإقامة المسابقات المتخصصة ذات المعايير القوية؛ حتى تفرز لنا زبدة المواهب العربية.
5 - الخاتمة:
قال أحد المحبين للغة والزائدين عن حماها: "إن الانشغال بالمسألة اللغوية وبحركية اللغة في علاقتها بالحياة العامة، وفي علاقة الفصيح منها باللهجي من جهة، وفي علاقتها بالمحيط العالمي والمجال الحضاري، وما ينطوي عليه من تفاعل لغوي، أو يترتب عليه من تعدُّد لغوي من جهة أخرى، قد يكون -في هذا السياق- أجدر من الانشغال بالقضايا اللغوية الداخلية: الأصوات والتصريف والتركيب والدلالة؛ لأن مظاهر الأخطار المحدقة بالعربية لا تعد، واستهدافها في وجودها واقع لا يرفع، وحقيقة لا تدفع، "فاللغات الأجنبية - وبخاصة اللغتان الإنجليزية والفرنسية - تنافسان العربية في عقر دارها، وتقتطعان مساحات واسعة من استخداماتها في مجلات متعددة في المجتمعات العربية، وأبرز ما يكون هذا الاقتطاع في مجال التعليم العالي، وبخاصة في أقسام العلوم والهندسة والطب وإدارة الأعمال.
لقد كان اختيار الإنجليزية أو الفرنسية للاستخدام مرتبطًا بالمستعمر السابق، لكن الحال قد تغيرت، وبدأت عوامل جديدة تتحكم في الاختيار... ومن مجمل الأدلة البارزة التي لا تحتاج إلى كثير إمعان نظر أنه كلما ارتفعت أصوات مطالبة بإحلال العربية محل الفرنسية في كثير من القطاعات، أقامت الفركنوفونية القيامة، وجيشت الأقلام والعواطف والمعاول للنيل من العربية أساسًا، أو كلما نادت تلك الأصوات بإقامة نوع من التوازن في استعمال اللغات، وكبح جماح الإنجليزية أو غيرها، اتُّهِم المنادون بذلك بأشنع التهم؛ كالانطوائية والانغلاقية، بل كلما أثيرت حقوق اللغة العربية، أو أفكار تدافع عنها، كان ذلك مصدر إزعاج لأولئك الذين تعودوا على انزعاجهم كلما أثير أمامهم حديث صادق عن العربية ومكانتها[6].
ولعل كلمات الدكتور (محمد حماسة عبداللطيف) التي لا تزال عالقة في ذهني - ملخصةٌ لكثير مما سطرت، ومما جال في خاطري، وهي أنسب ما اختم به بحثي هذا، فقال في مقاله البديع عن مشكلات اللغة العربية:
" تكْثُر - منذ فترة ليست بالقليلة - الشكوى من ضَعْف مستوى اللُّغة العربية الفُصحَى، ويُبْدِي الغَيُورون على اللغة قَلَقًا على حاضرها المُتمثِّل في استخدامها والإبداع بها، وعلى ماضيها المتمثل في تُراث أمتها.
ونستطيع القول بأنَّ لدينا أزمةً في لُغتنا عندما نجد اللغة تتعثَّر بها أقلام الكتابة، وألْسِنة المتعلمين والمعَلِّمِين جميعًا، وعندما لا نستطيع أن نقرأ تُراثَها قراءةَ تَبَصُّر وفَهْمٍ، ولا نَقدر على تَمَثُّلِهِ واستيعابه والإفادةِ منه، وعندما يَضْعُف خيال الناطِقِينَ بها؛ فلا يُجِيدون في فَنِّها، وتَخْتَنِقُ اللغةُ في أيديهم وعلى شِفاهِهِم، وتبدو اللغةُ كما لو كانتْ عاجزةً عنِ الوفاء بمطالب الحياة والفَنِّ معًا، وعندما يَهْرُب كثيرٌ من أبنائها إلى لُغات أخرى، يَلُوكُونَها ويَجِدُون فيها بديلًا عنِ اللغة الأمِّ التي يَفْخَرون بعدم إجادتها، ويعتزُّون في الوقت نفسه بإجادتهم لغيرها!
وقد تتعدد أسباب المُشكلة وتتنوَّع:
فنجد منا مَنْ يُلْقِي تَبِعَةَ ذلك كلِّه على الاستعمار... وقد نَجِد فينا من يَرْجِعُ السببَ في ذلك إلى هَوان اللغة على أصحابها، وعدم رعايتهم لها، وعنايتهم بها، وفِقْدَانِ جِدِّيَّتِهِم في العمل على إحيائها... وفينا مَن يعزو ذلك إلى تكدُّس التلاميذِ في فصول المدارس، ومدرَّجات الجامعات، وعَدَمِ وُجُودِ البيئة المُلائمة، والمُناخ المناسب، ويجعل من ذلك سببًا لضعف اللغة العربية.
وقد يكون فينا من يجعل من تبدُّل القِيَمِ في عصرنا ومجتمَعِنا وتغيُّرِ الاهتمام دوافعَ لإهمال اللغة العربية؛ بدعوى عدم استعدادها لمُسايرة العصر وتوفير المستوى الملائم لمن ينهض لها، ويهتم بأمرها.
وقد يذهب بعض الباحثين إلى أن اتساع الهُوَّة بين مستوى العاميَّة الذي يتخاطب به الناس في حياتهم، وشؤون معيشتهم، والمستوى الفصيح الذي يُطْلَبُ منهم، ويُرادون عليه في التعلُّم، وبُعد الفَجْوَة في ذلك، وهو ما يُعْرَف بالازدواجِ اللُّغَوِيِّ، هو ما يمكن أن يكون سببَ هذا الداء؛ لأن هذا الازدواجَ اللغويَّ يُؤدِّي إلى النُّفْرَة في المستوى اللغوي الذي لا يُسْتخدم في أمور الحياة، ويَدْفَع إلى الإحساس عند كثيرينَ بعدم إلحاح الحاجة إليه، مما يؤثِّر بدَوْره على تعلم العربية وإجادتها في مراحل التعليم المختلفة.
قد تكون هذه هي الأسبابَ، وقد يكون بعضُها، وقد تكون هي وغيرُها مِمَّا لم يُذكر معًا، وقد يكون غيرها دونها، وقد نختلف في أسباب هذه المشكلة أو نتَّفق...
ولكنَّ الأمر الذي أظنُّ أنَّنا لن نختلف فيه كثيرًا هو أنَّ هناك مشكلةً حقيقيةً، وأَزْمَةً ضاغِطةً نُعاني منها، ونُحِسُّ بها في جميع المظاهر اللُّغَوِيَّة، وتَزْدَادُ يومًا بعد يوم.
المصدر
-----------
[1] تحت راية القرآن؛ مصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي، 1974.
[2] إشكاليات العربية وقضايا التعريب، أ.د . علي سعد وطفة، مركز دراسات الخليج، 2014.
[3] محمود محمد شاكر، الطريق إلى ثقافتنا، مكتبة الأسرة (الهيئة الهامة المصرية للكتاب)، 1997.
[4] http://www.alukah.net/culture/0/87452/
[5] محمود أحمد شاكر، أباطيل وأسمار، مكتبة الخانجي بالقاهرة.
[6] سليمان يوسف بن خاطر، أخطار الأمية والعامية والعجمية على الفصيحة في الجامعات العربية.