عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
أ.د عبد الرحمن بو درع
نائب رئيس المجمع

أ.د عبد الرحمن بو درع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 140
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 806
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي المبادئ الكلية والقواعد اللغوية حلقة3

كُتب : [ 10-24-2013 - 12:17 AM ]


الحلقة الثالثة


أقولُ بعد الذي ذكرْتُه في الجوابِ السابقِ، وبالله التّوفيقُ :
تُعَدّ اللُّغَةُ مَلَكَةً قائِمَةً في نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ، الذي يولَدُ مُزَوَّدًا بِها ومُهَيَّأً لِتَعَلُّمِ أصْواتِها وتَراكيبِها ودلالاتِها،
وذلِك لِما يوجَدُ مِنْ تَوافُقٍ بَيْنَ مَبادِئِ اللُّغَةِ وكُلِّيّاتِها وبَيْنَ اللُّغاتِ البَشَرِيَّةِ المُتَنَوِّعَةِ.

لَقَدْ عايَنَ العُلَماءُ العَرَبُ والمُسْلِمونَ هذِهِ القَضِيَّةَ، وَ يُسْتَنْبَطُ مِنْ مُعالَجَتِهِمْ لِلْمَلَكَةِاللُّغَوِيَّةِ القائِمَةِ في
نُفوسِ الْمُتَكَلِّمينَ أَنَّها قائِمَةٌ عَلى مَبادِئَ عامَّةٍ تُؤَثِّرُ في قِيامِ الْمَلَكَةِ؛ وهِيَ مَبادِئُ نَفْسِيَّةٌ وَ اجْتِماعِيَّةٌ
تَتَّصِلُ بِضَرورَةِ الاجْتِماعِ وَ التَّواصُلِ والْحاجَةِ إِلى وَضْعٍ لُغَوِيٍّ لِلتَّداوُلِ، يَغْتَرِفُ مِنْ قُوى الْمَعْرِفَةِ وَ التّعَلُّمِ
النّفْسِيَّةِ الْباطِنِيَّةِ التي يَشْتَمِلُ عَلَيْها الإِنْسانُ بِالْقوَّةِ والْفِطْرَةِ، وهِيَ القُوى التي تَتَرَتَّبُ عَلَيْها الْمَعْرِفَةُ
المُحَصَّلَةُ الْمُكْتَسَبَةُ. وقَدْ تَحَدَّثَ الْمَناطِقَةُ وَ الْمُفَكِّرونَ الْعَرَبُ عَنِ «الْعِلْمِ الأَوَّلِ» و«الْعُلومِ الأوَّلِيَّةِ» و«الْعِلْمِ
السّابِقِ»؛ يَقولُ ابْنُ سينا في هذا الْمَعْنى: «وكُلُّ تَعْليمٍ وتَعَلُّمٍ ذِهْنِيٍّ وفِكْرِيٍّ، فَإِنَّما يَحْصُلُ بِعِلْمٍ قَدْ سَبَقَ؛
وذلِكَ لأَنَّ التَّصْديقَ والتَّصَوُّرَ الْكائِنَيْنِ بِهِما إِنَّما يَكونانِ بَعْدَ قَوْلٍ –قَدْ تَقَدَّمَ– مَسْموعٍ أَوْ مَعْقولٍ ويَجِبُ أَنْ يَكونَ
ذلِكَ الْقَوْلُ مَعْلومًا أَوَّلاً، ويَجِبُ أَنْ يَكونَ مَعْلومًا لا كَيْفَ اتّفق، بَلْ مِنْ جِهَةِ ما مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكونَ عِلْمًا مّا
بِالْمَطْلوبِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْفِعْلِ فَبِالْقُوَّةِ وفي الصِّناعاتِ الْعَمَلِيَّةِ أَيْضًا إِنَّما يُتَوَصَّلُ [إِلى] التَّعْليمِ وَ التَّعَلُّمِ مِنْ
عِلْمٍ مُتَقَدِّمٍ ».

وقَدْ فَرَّقَ ابْنُ رُشْدٍ بَيْنَ وَحْدَةِ الْمَعاني في النَّفْسِ وَ اخْتِلافِ الدَّوالِّ التي تَدُلُّ عَلَيْها: «إِنَّ الأَلْفاظَ التي يُنْطَقُ
بِها، هِيَ دالَّةٌ أَوَّلاً عَلى الْمَعاني التي في النَّفْسِ، والْحُروفُ التي تكْتبُ هِيَ دالَّةٌ أَوَّلاً عَلى هذِهِ الأَلْفاظِ ،
وكَما أَنَّ الْحُروفَ الْمَكْتوبَةَ - أَعْني الْخَطَّ – ليْسَ هُوَ واحِدًا بِعَيْنِهِ لِجَميعِ الأُمَمِ، كَذلِكَ الأَلْفاظُ التي يُعَبَّرُ بِها
عَنِ الْمَعاني لَيْسَتْ واحِدَةً بِعَيْنِها عِنْدَ جَميعِ الأُمَمِ [ ... ] وَ أَمّا الْمَعاني التي في النَّفْسِ فَهِيَ واحِدَةٌ بِعَيْنِها
لِلْجَميع، كَما أَنَّ الْمَوْجوداتِ التي الْمَعاني التي في النَّفْسِ أَمْثِلَةٌ لَها وَ دالَّةٌ عَلَيْها هِيَ واحِدَةٌ وَ مَوْجودَةٌ
بِالطَّبْعِ لِلْجَميعِ » .

وأثْبَتَ الْقاضي عَبْدُ الْجَبّارِ أَنَّ «العِلْمَ الضَّرورِيَّ لا يَقَعُ بِحُجَّةٍ» و«أَنَّ ذلِكَ يَقَعُ مُبْتَدَأً»؛ لأَنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أَوائِلَ
لا يُبَرْهَنُ عَلَيْها ، وَ تُتَّخَذُ مُقَدِّماتٍ وَ أُصولاً يُتَوَصَّلُ مِنْها إِلى اكْتِسابِ عِلْمٍ جَديدٍ .

إِنَّ الْحَديثَ عَنِ الْمَعْرِفَةِ الْفِطْرِيَّةِ لَدى الْمُتَكَلِّمِ هُوَ حَديثٌ عَنْ مَفْهومِ النِّظامِ الْمَعْرِفِيِّ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن
اسْتِعْمالٍ لُغَوِيٍّ وَ اخْتِيارٍ وَ إِرادَةٍ وَ مُشارَكَةٍ مَقامِيَّةٍ في بَثِّ الْكَلامِ وَ اسْتِقْبالِهِ . وَ قَدْ عَرَّفَ السُّهَيْلِيُّ صِفَةَ
الْفِطْرَةِ الْكَلامِيَّةِ وصِفَةَ الْمُشارَكَةِ الْمُتَكَلِّمِيَّةِ بِقَوْلِهِ: «الْكَلامُ صِفَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِ المُتَكَلِّمِ يُعَبِّرُ لِلْمُخاطَبِ عَنْهُ
بِلَفْظٍ أَوْ لَحْظٍ أوْ خَطٍّ ... ». فالْمُتَكَلِّمُ بهذا المعْنى مُعَدٌّ لإِرْسالِ الْكَلامِ واسْتِقْبالِهِ إِعْدادًا فِطْرِيًّا، ومُزَوَّدٌ بِأَدَواتٍ
إِرْسالٍ واسْتِقْبالٍ مَرْكوزَةٍ في نَفْسِهِ وقائِمَة عِلَلُها في عَقْلِهِ وحِسِّهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــ
يُنظرُ التفصيلُ في كتاب: من ظَواهر الأشباه والنّظائر بين اللغوياتِ العربيّة والدّرس اللّسانيّ المُعاصر
أ.د.عبد الرحمن بودرع، نشر حَوْلِيّات الآداب والعُلوم الاجتماعيّة، جامعة الكويت، 1426-2005م، ص:27-28


رد مع اقتباس