عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري
عضو المجمع
رقم العضوية : 184
تاريخ التسجيل : May 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 4
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-01-2012 - 02:02 PM ]


وأما بيتُ البَعِيثِ فهو في سياق أقاصي الأرض ( وفي هذا معنى البعد ) ، والشَّأوُ وهو البُعدُ في السير ، والمنجم تفسير ترادفي للشأوِ .. وأما بيتُ ابن لجإ فهو في سياق الإصباح بعد السُّرى ، وهذا دليل على بُعْدِ المسافة ؛ فصار المنجم مكاناً بعيداً ما كاد يصل إليه بعد السرى إلا عند طلوع الشمس ، وفي أمثال العرب : ( عند الصباح يحمد القوم السُّرى ) .. وحمرة الصباح الواضحة بنص الشاهِد ليست هي المنجم ، ولكنها فوق المنجم ؛ فالوضوح آت من ( الجُدَّة ) ، وهي حمرة الشمس قبل إشراقها تكون خَطَّـاً في الأُفُق ، وفي مجاز لغة العرب أن الجُدَّة ــ بضم الجيم ، والدال المهملة المفتوحة المشدَّدة ــ الطريق من كل شيئ كالطريق في السماء ، وطريق في الجبل تخالف لونه ، وفي ظهر الحمار الوحشي ؛ فهو ذو جُدَد ، وفي الجبال جُدَد بيض وسود وحمر ، ومن ذلك أُخذ معنى العلامة ( ) .
وفي لغة العرب : ( نجم الشيئ إذا ظهر وطلع كنجم النبات ) ( ) ، ولا تزال العامة اليوم تقول : ( نجم علينا فلان ) إذا ظهر مُفاجأة ؛ فهو قد وَضُحَ في نفسه بظهوره كالنجم ، ولم يكن مُوْضِحاً غيرَه .
والمعنى الثاني للأمر أنه اسم عام لكلِّ شأن ، ويأتي إن شاء الله وجه اشتقاق ذلك ، وقال الليث تلميذ الخليل [ 100ــ175هـ ] رحمهما الله تعالى في تعريف الأمر بِقِسْمَيْه : (( الأمر نقيض النهي ، والأمر واحد من أمور ( ) الناس )) ( ) .
كلمة عارضة عن كتاب العين :
قال أبو عبدالرحمن : الخلاف كثير جداًَ حول المؤلف الحقيقي لكتاب العين : أهو الخليل ، أو تلميذه الليث ؟ .. كما أن الخلاف كثير جداً حول اسم أبي الليث ، ولست متفرغاً لعرض بحث كامل للخلاف ؛ وإنما أنص على بعض أقوال قريبي العهد من الليث والخليل ، وأحيل إلى بعض المصادر ، ورأيي وترجيحي مُداخلة بين النصوص .. ومع هذا الاختصار فهو سيكون استطراداً طويلاً ما دام خلال تحقيق مسألة لغوية ، ولا يضيرني هذا كما سأبين ذلك في آخر هذه الحلقة .. وأقدَم نصٍّ وجدتُه قولُ أبي العباس عبدالله بن الـمُعْتَزِّ بن المتوكِّل بن المعتصم بن هارون الرشيد [ 237ــ296هـ ] رحمهم الله تعالى : ((وحدثني أبو العباس أحمد بن عبدالله بن محمد بن جعفر قال : حدثني محمد بن المهلَّبي قال : كان الخليل بن أحمد منقطعاً إلى الليث بن نَصر بن سيَّار، وكان الليث من أكتب الناس في زمانه، وكان بارع الأدب، بصيراً بالنحو والشعر والغريب، وكان يكتب للبرامكة، ويطير معهم في دولتهم بجناحين، وكانوا به معجبين؛ فارتحل إليه الخليل بن أحمد؛ فلما عاشره وجده بحراً، فأجزل له وأغناه.. وأحب الخليل أن يهدي إليه هدية تليق به، فأقبل وأدبر، وعلم أن المال والأثاث لا يقع منه موقعاً حسناً، لوجود ذلك عنده، وكثرته لديه، وأنه لا يُسرُّ بشيئ سرورَه بمعنى لطيف من الأدب، فجهد نفسه في تصنيف كتاب العين، فصنفه لليث بن نصر دون سائر الناس، ونمَّقه وحَبَّره، وأخرجه في أَسْرى ظرف وأحسن خَطٍّ، فوقع منه موقعاً عظيماً،وسُرَّ به سروراً شديداً؛ فوصله بمئة ألف درهم، واعتذر إليه من التقصير، وأقبل ينظر فيه ليلاً ونهاراً، ولا يمل منه ولا يفتر، وكان يغدو ويروح على البرامكة، فكأنه على الرَّضْف [ الحجارة الـمُحْمَّاة ؛ ليسخَّن عليها ] حتى يرجع إلى الكتاب وينظر فيه إلى أن حفظ نصف الكتاب.. وكانت تحته بنت عمٍّ له، وكانت سَرِيَّة نبيلة موسرة جميلة، وكانت تهوى ابن عمها وتحبه؛ فاشترى الليث جارية نفيسة فائقة الجمال بثمن جزيل، فأقعدها في منزل صديق له يَتسرَّى بها؛ فبلغ ذلك ابنة عمه؛ فَوَجَدَتْ من ذلك أشدَّ وَجْدٍ، وحزنت، وقالت: والله لأُغيظنَّه ولا أَتقي الغاية.. وقالت: إن غِظْته في المال فهو لا يبالي به ولا يكترث له، ولكني أراه مشغوفاً بهذا الكتاب، وقد هجر كل لهو ولذة، وأقبل على النظر فيه، والله لأفجعنَّه به.. ثم عمدت إلى الكتاب بأسره فأحرقته، فلما كان بالعشي، وراح الليث من دار البرامكة، ودخل المنزل: لم يكن له همٌّ إلا الكتاب، فصاح بالغلام أن يحمله إليه، فلم يُوجد الكتاب، وكاد يطير طيشاً، وظن أنه سرق، فجمع غلمانه وتهدَّدهم.. فقال بعضهم: يا سيدنا أخذته الـحُرَّة.. فبادر إليها ليترضاها ويسترجع الكتاب، وقال لها: رُدِّي الكتاب والجاريةُ لك، وقد حرَّمتها على نفسي، فأخذتْ بيده، وأدخلته البيت الذي أحرقته فيه، فلما نظر إلى رماده، وصح عنده أنه احترق، سُقِطَ في يديه. وظُنَّ أنه أصيب بمال عظيم أو بولد أو أعظم منه، وكان قد حفظ نصف الكتاب، وبقى عليه نصفه ، وقد مات الخليل ؛ فطلبه في الدنيا كلها فأعجزه ذلك، ولم تكن النسخة وقعت إلى أحد؛ فاستدرك النصف من حفظه وجمع على النصف الباقي علماء أهل زمانه. فقالوا: ما تروم؟ قال: مثلوا عليه، فمثَّلوا، فلم يلحقوه، ولا شقَّوا غباره ؛ فأنت ترى ما في أيدي الناس من ذلك، فإذا ما تأملته تراه نصفين، النصف الأول أتقن وأحكم، والنصف الآخر مقصر عن ذلك )) ( ) .
قال أبو عبدالرحمن : هذا النص أقرب إلى الأسطورة ، وهو معارِض إنكارَ مَنْ هُمْ أمْكَنُ في اللغة ، وهم قريبو العهد بالليث وشيخه ، وهو مع هذا نافٍ بقاء نسخة الخليل بخطه ــ لو صح أن الخليل ألَّفه ــ .. وقال أبو الحسن محمد بن الحسن بن دريد [ ــ 321هـ ] : (( وقد ألَّف أبو عبدالرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي رضوان الله عليه كتابَ العين ؛ فأتعب مَن تصدَّى لغايته ، وعَنَّى مَن سما إلى نهايته؛ فالمنصفُ له بالغَلَبِ مُعْتَرِفٌ ، والـمُعانِد مُتكلِّفٌ .. وكلُّ مَن بعده له تَبَعٌ ( أقرَّ بذلك ، أم جحد ) ، ولكنه رحمه الله أَلَّف كتاباً مُشكلاً ( ) ؛ لثقوب فهمه ، وذكاء فطنته ، وحِدَّة أذهان أهل دهره )) ( ) .
وقال أبو الطيب عبدالواحد بن علي [ ــ351هـ ] رحمه الله تعالى : (( وأبدع الخليلُ بدائع لم يُسبق إليها ؛ فمِن ذلك تأليفُه كلام العرب على الحروف في الكتاب المسمَّى بكتاب العين فإنه هو الذي رتَّب أبوابه ، وتوفي من قبل أن يَـحْشُوَه ( ) .. أخبرنا محمد بن يحيى قال : سمعت أحمد بن يحيى ثعلباً يقول : إنما وقع الغلط في كتاب العين ؛ لأن الخليل رسمه ولم يحشه ، ولو كان حشاه ما بقَّى فيه شيئاً ؛ لأن الخليل رجلٌ لم يُرَ مثلُه .. قال : وقد حشا الكتاب أيضاً قومٌ علماءُ .. إلا أنهم لم يؤخذ منهم رواية ؛ وإنما وُجِد بنقل الورَّاقين ؛ فاختلَّ الكتابُ لهذه الجهة .. أخبرنا محمد بن عبدالواحد الزاهد قال : حدثني فتى قدم علينا من خراسان ــ وكان يقرأُ عليَّ كتاب العين قال : أخبرني أبي: عن إسحاق بن راهويه قال : كان الليث صاحب الخليل بن أحمد رجلاً صالحاً ، وكان الخليل عمل من كتاب العين باب العين وحده ؛ فأحبَّ الليث أن تَنْفُق سوق الخليل ؛ فصنَّف باقي الكتاب ، وسمَّى نفسه الخليل .. وقال لي مرة أخرى : فسمى لسانه الخليل من حبِّه للخليل بن أحمد ؛ فهو إذا قال في الكتاب : (قال الخليل بن أحمد ) ؛ فهو الخليل ، وإذا قال : ( قال الخليل )مطلقاً فهو يحكي عن نفسه ، فكلُّ ما كان في الكتاب من خللٍ فإنه منه لا من الخليل بن أحمد )) ( ) .
(( يتابع ))

رد مع اقتباس