[1] سنذكر في هذا المبحث إن شاء الله تعالى الحكم الإعرابي للاسم المعطوف - وكذا الفعل المعطوف - الواقعين بعد حرف من أحرف العطف العشرة المذكورة.
[2] والتي قد قمنا بالحديث عنها، وبيان معانيها، بفضل الله تعالى.
[3] فكلها تستوي في أنها تجعل ما بعدها يتبع ما قبلها في الإعراب.
[4] فقوله سبحانه: ﴿ رَسُولُهُ ﴾، معطوف على ما قبله - وهو لفظ الجلالة ﴿ اللَّهُ ﴾ - والقاعدة عند النحاة أن المعطوف يتبع المعطوف عليه في إعرابه، وهو هنا قد تبعه في رفعه، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، كما هو واضح.
[5] فقوله سبحانه: ﴿ رَسُولَهُ ﴾، معطوف على ما قبله ﴿ اللَّهَ ﴾، وهو منصوب مثله؛ لأن القاعدة عند النحاة أن المعطوف على المنصوب منصوبٌ، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
[6] فقوله تعالى: ﴿ رَسُولِهِ ﴾، معطوف على ما قبله ﴿ اللَّهِ ﴾؛ ولذلك تبعه في جره؛ لأن المعطوف على المجرور مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره.
وتأمل - أخي الكريم - هذه الكلمات الستة: (الله والملائكة، السماوات والأرض، المؤمنين والمؤمنات) في الآيات الكريمة التالية:
1 - الرفع: قال الله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾[آل عمران: 18]، وقال سبحانه: ﴿ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ [المؤمنون: 71]، وقال عز وجل: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 71]، فكل من الكلمات: (الملائكة، الأرض، المؤمنات) قد أتت مرفوعةً؛ لأنها معطوفة على الكلمات المرفوعة قبلها: (الله، السماوات، المؤمنون).
2 - النصب: قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﴾ [الأحزاب: 56]، وقال عز وجل: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ [الأنعام: 73]، وقال سبحانه: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الحديد: 12]، فهذه الكلمات الثلاثة: (الملائكة، الأرض، المؤمنات) قد أتت في هذه الآيات الثلاثة منصوبة؛ لأنها معطوفة على الكلمات المنصوبة قبلها: (الله، السماوات، المؤمنين).
3 - الجر: قال الله عز وجل: ﴿ أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 92]، وقال سبحانه: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الكهف: 51]، وقال تبارك وتعالى: ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [محمد: 19]، فكل من هذه الكلمات الثلاثة: (الملائكة، الأرض، المؤمنات) قد أتى مجرورًا في هذه الآيات الثلاثة؛ لأنه أتى معطوفًا على اسم مجرور قبله، وهو على الترتيب: (الله، السماوات، المؤمنين).
ويمكن أن يؤخذ من التمثيل بهذه الآيات الكريمة التي ذكرناها ها هنا قاعدة، وهي: أن المشاركة في الإعراب بين المعطوف والمعطوف عليه لا تعني المشاركة في علامة الإعراب، فعلى سبيل المثال كلمة (السماوات) في حالة النصب نُصبت بالكسرة، مع أن الاسم المنصوب قبلها الذي هو المعطوف عليه (الأرض) نُصب بالفتحة، كما أنه كذلك في هذه الآيات أتت كلمة (المؤمنون) (المعطوف عليه) معربةً إعراب جمع المذكر السالم بالحروف: بالواو رفعًا، وبالياء نصبًا وجرًّا، بينما كلمة (المؤمنات) (المعطوف) أُعربت بالحركات إعراب جمع المؤنث السالم.
[7] وهذا يعني: أن العطف يكون في باب الأفعال[*]، وأنه ليس خاصًّا بالأسماء فقط، كالنعت[**]؛ وذلك لأن الجزم كنوع من أنواع الإعراب الأربعة لا يكون إلا في الأفعال، وسيأتي - إن شاء الله تعالى قريبًا - مزيد تفصيل في هذه المسألة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[*] فيعطف الفعل على فعلٍ مثله.
[**] فالأفعال - كما تقدَّم في باب النعت - لا تُنعت، فلا يقع فعل نعتًا لفعل آخر.
[8] وقد ذكرها كثير من شراح الآجرومية في شروحهم عليها، ونحن نذكر هذه الفوائد ها هنا كاملة: تبعًا لهم، وتحقيقًا لما كنت قد ذكرته في مقدمة هذا الكتاب من أنك لا تكاد تمرُّ عليك معلومة قد قيلت في شرح من شروح الآجرومية إلا وهي مسطورة في هذا الشرح بفضل الله تعالى.
[9] فالعطف كنوع من أنواع التوابع الأربعة يكون في الأسماء والأفعال، فيعطف الاسم على الاسم، والفعل على الفعل، بل إننا نقول: إن جميع أنواع التوابع تكون في الأسماء والأفعال ما عدا النعت فقط[*]، فهو الوحيد من أنواع التوابع الذي يكون خاصًّا بالأسماء، فلا يقع الفعل في اللغة العربية نعتًا لفعل آخر؛ لأن الأفعال لا تنعت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[*] فيقع الفعل معطوفًا على فعل آخر قبله، ويتبعه في إعرابه: رفعًا ونصبًا وجزمًا، كما سنمثل، إن شاء الله تعالى قريبًا، ويقع الفعل أيضًا بدلًا من فعل آخر قبله، ويتبعه كذلك في إعرابه: رفعًا ونصبًا وجزمًا، كما يقع أيضًا الفعل توكيدًا لفعل آخر قبله، ويتبعه في إعرابه: رفعًا ونصبًا وجزمًا، وسيأتي التمثيل على ذلك، إن شاء الله تعالى، في مكانه في باب التوكيد والبدل.
[10] قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته:
وعطفُك الفعلَ على الفعل يصح
وقال الحريري رحمه الله في (ملحة الإعراب):
والعطف قد يدخل في الأفعالِ = كقولهم ثِبْ واسْمُ للمَعالي
[11] فـ(يختار): فعل مضارع مرفوع، وقد رُفع؛ لأنه معطوف على فعل مضارع مرفوع قبله، هو الفعل المضارع (يخلق).
ومن أمثلة رفع الفعل المضارع؛ لأنه معطوف على فعل مضارع آخر قبله مرفوع، من كتاب الله تعالى أيضًا: قول الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ [البقرة: 245]، وقوله سبحانه: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾[الرعد: 39]، فالفعل المضارع (يُثبت) مرفوع؛ لأنه معطوف على الفعل المضارع المرفوع قبله (يمحو)، وقوله تبارك وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ ﴾ [محمد: 12].
[12] فـ(يحق) فعل مضارع منصوب؛ لأنه معطوف على فعل مضارع منصوب قبله، هو الفعل المضارع (لينذر).
ومن أمثلة نصب الفعل المضارع؛ لأنه معطوف على فعل مضارع آخر قبله منصوب، من كتاب الله تعالى كذلك: قول الله سبحانه: ﴿ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 64]، وقوله عز وجل: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾ [آل عمران: 127]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ ﴾ [النساء: 26].
[13] فالأفعال المضارعة: (يخزهم، ينصركم، يشف) قد أتت كلها مجزومة؛ لأنها معطوفة على الفعل المضارع المجزوم قبلها (يعذبهم)، ومن أمثلة جزم الفعل المضارع؛ لأنه معطوف على فعل مضارع آخر قبله مجزوم من كتاب الله تعالى أيضًا: قول الله عز وجل: ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ﴾ [يوسف: 12]، وقوله سبحانه: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ﴾ [يوسف: 90]، وقوله عز وجل: ﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التغابن: 14].
إذًا الخلاصة أنه متى وقع حرف من أحرف العطف العشرة المذكورة بين اسمين أو فعلين مضارعين، أُعرِب الثاني منهما نفس إعراب الأول: رفعًا ونصبًا وجرًّا وجزمًا.
وهذا الذي ذكر يصلح في جميع أنواع التوابع الأربعة: (النعت، العطف، التوكيد، البدل)؛ لأن حكم التابع أن يأخذ إعراب متبوعه رفعًا ونصبًا وجرًّا وجزمًا، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أول حديثنا عن التوابع.
[14] الاتحاد في النوع معناه: أن يكون كل من الفعلين المتعاطفين ماضيين، أو مضارعين، أو أمرين، فيتفقا في النوع، ولا يختلفا فيه.
[15] بعطف الفعل الماضي (جعل) على الفعل الماضي قبله (خلق)، وإنما جاز هنا عطف الفعل على الفعل؛ لأنهما متحدان زمنًا، فكل منهما يدل على الزمان الماضي.
[16] بعطف الأفعال الأمر: (ابتغوا، كلوا، اشربوا) على الفعل الأمر قبلها (باشروهن)، وإنما جاز هنا عطف الفعل على الفعل؛ لأن هذه الأفعال كلها قد اتحدت في الدلالة على الزمان المستقبل.
[17] بعطف الفعل المضارع (نُميت) على الفعل المضارع قبله (نحيي)، وإنما جاز هنا عطف الفعل على الفعل؛ لأنهما اتحدا في الدلالة على زمان الحال والاستقبال.
[18] ولكن وكما سبق بشرط اتحادهما زمانًا، فالمهم - وهو الشرط في جواز عطف الفعل على الفعل - أن يتحد الفعلان المتعاطفان زمنًا، وإن اختلفا في النوع.
[19] قال الزمخشري رحمه الله في (الكشاف) 2/ 410: فإن قلت: هلا قيل: يقدم قومه فيوردهم، ولمَ جيء بلفظ الماضي؟ قلت: لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع، فكأنه قيل: يقدمهم، فيوردهم النار لا محالة؛ ا هـ.
[20] فقد عطف في هذه الآية الكريمة الفعل المضارع المجزوم (يجعل) على الفعل الماضي قبله (جعل)، وسبب جواز العطف هنا، على الرغم من كون هذين الفعلين مختلفين في النوع، هو اتحادهما في الزمان؛ لأنهما قد دلَّا على الزمان المستقبل، حيث لا يتحقق معناهما إلا في الزمان المستقبل، فاتحدا في الزمان، فجاز العطف، ويُلاحظ في هذه الآية أن الفعل المضارع المعطوف (يجعل) قد أتى مجزومًا، مع أن الفعل المعطوف عليه (جعل) ليس معربًا أصلًا، وإنما هو مبني، فما هو سبب جزم هذا الفعل؟ جواب ذلك: أن هذا الفعل إنما جزم؛ لأنه معطوف على محل الفعل (جعل)؛ لأن الفعل جعل، وإن كان مبنيًّا في اللفظ، إلا أنه مجزوم محلًّا على أنه جواب الشرط لأداة الشرط الجازمة (إنْ)؛ وعليه فيكون جزم الفعل المضارع (يجعل) عطفًا على محل فعل الشرط (جعل)، والعطف على المحل جائزٌ في اللغة، واردٌ في كتاب الله، وفي أشعار العرب:
ومن أمثلته في كتاب الله تعالى: قوله عز وجل: ﴿ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ﴾[سبأ: 10]، فـ(الطير) بالنصب عطفًا على محل (جبال)؛ لأن (جبال) منادى نكرة مقصودة مبني على الضم، في محل نصب.
ومن أمثلته من أشعار العرب: قول كثير عزة:
وما كنت أدري قبل عزَّة ما البُكا *** ولا مُوجِعاتِ القلب حتى تولَّتِ
[21] وإنما كان المعنى كذلك؛ لأن الألف واللام في (المصدقين) بمعنى (الذين)، واسم الفاعل (مصدقين) بمعنى الفعل (تصدَّقوا)، وكذا يُقال في كل (أل) دخلت على اسم الفاعل، أنها تكون بمعنى (الذي)، ويكون اسم الفاعل بمعنى الفعل.
ومثال ذلك أيضًا من كتاب الله سبحانه: قوله عز وجل: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ [العاديات: 1 - 4]، إذ المعنى: فاللاتي أغرن صبحًا، فأثرن به نقعًا.
قال أبو حيان رحمه الله في (البحر المحيط) 8/ 501: (فأثرن) معطوف على اسم الفاعل الذي هو صلة (أل)؛ لأنه في معنى الفعل؛ إذ تقديره: فاللاتي عدون فأغرن فأثرن. ا هـ.
ومن ذلك أيضًا: قول الله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ﴾ [الملك: 19][*].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[*] فعطف الفعل على اسم مشبه له في المعنى (صافات)، ولم يقل سبحانه: وقابضات.
كما ورد ذلك أيضًا في أشعار العرب، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم التغلبي:
وأنَّا الشاربون الماء صفوًا *** ويشرب غيرُنا كدرًا وطينًا
إذ المعنى: وأنَّا الذين يشربون الماء، ويشرب... إلخ
وانظر: الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد؛ للمنتجب الهمداني 6/ 102، 103، وتفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه للدرة 9/ 513، 514.
[22] قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته:
واعطف على اسم شبه فعل فعلا *** وعكسًا استعمل تجده سهلا
[23] فعطف في هذه الآية الاسم (مخرج) على الفعل (يخرج)، وإنما جاز ذلك؛ لأن الاسم (مخرج) يشبه الفعل في المعنى؛ لأنه اسم فاعل، وفي الآية توجيه آخر ذكره الشنقيطي رحمه الله في (العذب النمير) 1/ 535، 536، قال رحمه الله: قوله: (ومخرج): معطوف على اسم الفاعل (فالق)، وعليه فالمعنى: إن الله فالق الحب والنوى، ومخرج الميت من الحي، فهو اسم فاعل معطوف على اسم فاعل؛ لأن قوله: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾، كأنه تفسير لقوله: ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾، فجاء باسم الفاعل في ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾، وفسَّره بأن معناه: يخرج الحي من الميت؛ أي: يخرج النخلة التي هي نامية حية، من النواة التي هي ميتة، والسنبلة التي هي نامية حية، من الحبة التي هي ميتة، وإذا كان قوله: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾، يكون قوله: ﴿ وَمُخْرِجُ ﴾ عطفًا على ﴿ فَالِقُ ﴾، فهو اسم فاعل معطوف على اسم فاعل؛ ا هـ.
وقد ذكر السنهوري رحمه الله هذين القولين في شرحه على الآجرومية 2/ 486، فقال رحمه الله: ويجوز أيضًا عكسه[*]؛ كقوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾ [الأنعام: 95]، وقيل: (مخرج) معطوف على (فالق)، وقد يرجح الأول بالقرب والجوار، والثاني بالاتحاد في النوعية؛ ا هـ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[*] هذه إشارة منه رحمه الله إلى جواز عطف الاسم المشبه للفعل في المعنى على الفعل.
[24] الشاهد في هذا البيت: قوله: (يبير... ومجرٍ)؛ حيث عطف الاسم الذي يشبه الفعل - وهو قوله: (ومجر)[**] على الفعل (يبير).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[**] وإنما أشبه هذا الاسم الفعل؛ لأنه اسم فاعل.
[25] الشاهد في هذا البيت، قوله: (يقصد... وجائر)؛ حيث عطف اسمًا يشبه الفعل - وهو قوله: (جائر)[***] - على الفعل (يقصد)، وانظر: شرح ابن عقيل 3/ 244 - 246.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[***] وإنما كان الاسم (جائر) مشبهًا الفعل؛ لكونه اسم فاعل.
[26] فقد جاءت الجملة الاسمية: (هذا أخي) معطوفة على الجملة الاسمية قبلها: (أنا يوسف)، وكلاهما في محل نصب مقول القول.
ومن أمثلة عطف الجملة الاسمية على جملة اسمية قبلها من أشعار العرب: قول الشاعر:
الصدق يألفه الكريم المرتجى *** والكِذْبُ يألفه الدنيُّ الأخيبُ
[27] ففي هذه الآية الكريمة جاءت الجملة الفعلية الخبرية: ﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾، معطوفةً على الجملة الفعلية الخبرية أيضًا قبلها: ﴿ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾، والجملتان في محل نصب؛ فأما الجملة الأولى: ﴿ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾، فهي في محل نصب حال من (عاد)؛ لأن الجمل بعد المعارف أحوال[*]، وأما جملة: ﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾ فهي معطوفة عليها، والمعطوف على المنصوب منصوب.
ومن أمثلة عطف الجملتين الفعليتين الخبريتين من كتاب الله تعالى أيضًا: قول الله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾[مريم: 59]، ففي هذه الآية جاءت الجملة الفعلية الخبرية: ﴿ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾ معطوفةً على الجملة الفعلية الخبرية قبلها: ﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾، وكلاهما في محل رفع، أما الجملة الأولى: ﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾، فهي في محل رفع صفة للاسم النكرة المرفوع قبلها (خلف)؛ وذلك لأن القاعدة عند النحاة أن الجمل بعد النكرات صفات[**]، وأما الجملة الثانية ﴿ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾ فهي في محل رفع؛ لأنها معطوفة على الجملة التي في محل رفع قبلها، والمعطوف على المرفوع مرفوع.
ومثال ذلك أيضًا: قول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾ [لقمان: 29]، فقد جاءت الجملة الفعلية الخبرية: ﴿ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾ معطوفة على الجملة الفعلية الخبرية قبلها، ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾ وكلا الجملتين في محل رفع؛ أما الجملة الأولى ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾، فكانت في محل رفع؛ لأنها خبر الحرف الناسخ (إن)، وخبر (إن) وأخواتها هو - كما مر - من مرفوعات الأسماء، وأما الجملة الثانية: ﴿ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾، فهي في محل رفع؛ لأنها معطوفة على الجملة المرفوعة قبلها، والمعطوف على المرفوع مرفوع.
ومن أمثلة ذلك من كلام العرب: قول الشاعر:
رقَّت حواشيها ورقَّ نسيمُها *** وبدَتْ محاسنها وطاب زمانها
فقد تعاطفت في هذا البيت أربع جمل خبرية ماضية الأفعال، هي: (رقت حواشيها، ورق نسيمها، بدت محاسنها، وطاب زمانها).