عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-10-2019 - 10:23 PM ]




الفائدة الخامسة: العطف على الضمير:

اعلم - رحمك الله - أن القاعدة العامة عند النحاة أنه يجوز عطف الاسم الظاهر على الاسم الظاهر[34]، كما يجوز كذلك:

عطف الضمير على الضمير؛ نحو: أنت وهو محبوبان - نحن وأنتم شركاء في الخير[35].



وعطف الاسم الظاهر على الضمير؛ نحو قوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا...)) الحديث[36].



وعطف الضمير على الاسم الظاهر؛ نحو: أشرف وأنت مهذبان[37].



هذه هي القاعدة العامة في عطف النسق عمومًا، إلا أن العطف على الضمير[38] يختلف حكمه[39] من حيث المحل الإعرابي[40]، ومن حيث بروز الضمير واستتاره، ومن حيث اتصاله وانفصاله، وذلك على النحو التالي:

أولًا: إن كان هذا الضمير المعطوف عليه في محل رفع، فهو إما أن يكون:

بارزًا منفصلًا[41]، وهذا قد نص النحاة على أنه يجوز العطف عليه مباشرة، بدون فاصل يفصل بينه وبين المعطوف، ومثال ذلك: أنا ومحمد شريكان في عمل الخير - أنتِ وفاطمة طالبتا علم - نحن وكل المسلمين إخوة[42].



وإما أن يكون بارزًا متصلًا[43] أو مستترًا[44]، فإن كان هذا الضمير المعطوف عليه بارزًا متصلًا أو مستترًا، وجب حينئذٍ الفصل بين الضمير (المعطوف عليه)، وبين الاسم (المعطوف) بفاصل[45]، وهذا الفاصل قد يكون:

1 - ضميرًا منفصلًا، يؤتى به قبل حرف العطف[46]، ومثال الفصل بالضمير المنفصل إذا كان الضمير المعطوف عليه ضميرًا مستترًا: قوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ [البقرة: 35][47]، وقوله عز وجل: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا ﴾ [المائدة: 24][48].



ومثال الفصل بالضمير إذا كان الضمير المعطوف عليه ضميرًا بارزًا متصلًا: قوله تعالى: ﴿ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنبياء: 54][49].



2 - وقد يكون المفعول به[50]؛ نحو: قولك: قرأتُ القصةَ ومحمدٌ[51].



3 - وقد يكون هذا الفاصل (لا) النافية[52]؛ نحو قول الله تعالى: ﴿ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا ﴾ [الأنعام: 148][53].



ثانيًا: إن كان هذا الضمير المعطوف عليه في محل نصب:

نص النحاة على أنه إذا كان المعطوف عليه ضمير نصب، جاز العطف عليه مباشرةً بدون فاصل؛ سواء أكان هذا الضمير منفصلًا أم متصلًا[54]؛ نحو قول الله تعالى: ﴿ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ﴾ [المرسلات: 38]، وقوله عز وجل: ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ ﴾ [العنكبوت: 15]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ ﴾ [القصص: 40][55].





ثالثًا: إن كان هذا الضمير المعطوف عليه ضميرًا متصلًا في محل جر[56]:

اعلم - رحمك الله - أنه إذا كان الضمير متصلًا في محل جر، فالأكثر والأفضل في العطف عليه إعادةُ الجار له مع الاسم المعطوف، سواء أكان هذا الجار: حرف جر؛ نحو: قولك: سررت منك ومن زميلك[57]، أم مضافًا؛ نحو: أخلاقك وأخلاق طلبة العلم كريمة[58].



فهذا هو حكم العطف على الضمير المتصل المجرور مع إعادة الجار مع الاسم المعطوف، وقد اختلف النحاة في جواز العطف على الضمير المتصل المجرور بدون إعادة الجار، على ثلاثة أقوال:

القول الأول: جواز ذلك في سَعة الكلام نظمًا ونثرًا، وبه قال أكابر الكوفيين، ووافقهم يونس، وقطرب، وأبو الحسن الأخفش، وإليه ذهب شيخ نحاة الأندلس الأستاذ أبو علي الشلوبين، واختاره ابن مالك[59]، وأبو حيان[60]، وابن عقيل[61].



والقول الثاني: أن ذلك لا يجوز إلا في ضرورة الشعر خاصة، وأنه يجب إعادة الخافض مع الاسم المعطوف، وهذا هو قول البصريين، وتبعهم عليه الزمخشري، وغيره من النحاة.



والقول الثالث: التفصيل، وذلك أنه إذا أُكِّد الضمير المتصل المجرور: (المعطوف عليه) جاز، وإلا لم يجز؛ نحو: مررت بك أنت وزيد، وهذا هو مذهب الجرمي والزيادي والفراء[62].



والقول الراجح من هذه الأقوال الثلاثة القول الأول: وهو القول بالجواز مطلقًا[63]، في سعة الكلام نثره ونظمه[64]، وقد استدل أصحاب هذا القول على قولهم هذا بورود السماع نثرًا ونظمًا بالعطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض:

فمن النثر ما ورد في كتاب الله تعالى؛ نحو: قول الله سبحانه: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأرحامِ ﴾ [النساء: 1][65]، وقوله تعالى: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 217][66].



وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ نحو قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما مثلكم واليهودِ والنصارى..)) [67].

وفي كلام العرب نثرًا: ما حكاه قطرب من قول بعضهم: ما فيها غيره وفرسِه[68].



وأما النظم، فقد ورد من ذلك شيء كثير، بحيث لا يعد ضرورةً؛ ومن ذلك قول الشاعر:

فاليوم قرَّبْتَ تهجونا وتشتمنا *** فاذهبْ فما بك والأيامِ من عَجَبِ[69]



وآخر ما نختم به مسألتنا هذه كلمة لأبي جعفر الرعيني رحمه الله في كتابه (تحفة الأقران)، وأنا أوردها هنا لما فيها من فوائد، قال رحمه الله: "وقد وقفت على ما ورد من ذلك نظمًا ونثرًا مما يدل على كثرة العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وإن كان بعض البصريين قد ذهبوا إلى منع ذلك، فليست القراءة متوقفةً على مذهب البصريين ولا الكوفيين، بل إذا صحَّت القراءة وتواترت فهي أكبر حجة على صحة الحكم، وكم من حكمٍ ثبَت بقول الكوفيين لم يُثبته البصريون، وكم من حكم ثبت بقول البصريين لم يثبته الكوفيون، فلسنا ملتزمين قولَ أحد الطائفتين، بل أيهم أثبت حكمًا بنقل صحيح عن العرب، أخذنا به[70]؛ لأن كلتا الطائفتين أثباتٌ ثقاتٌ فيما نقلوا.



وقد ردت النحاة المعتزلة هذه القراءة؛ جريًا على عادتهم في ذلك، ولا يُلتفت إليهم؛ لأنهم يصحِّحون القراءة بنحوِهم، والأمر بالعكس، وكان حقهم أن يصحِّحوا نحوَهم بالقراءة المتواترة، وأعجب شيء فيهم أنهم إذا سمعوا بيت شعر لا يعرفون قائله قد خرج عن قواعد العربية، التمسوا له أحسن المخارج، واعتذروا عنه بأشد العذر، وإذا رأوا قراءة منقولة من طريق صحيح قد اعتنى بها الأئمة إلا أنها قليلة النظير، رمَوها عن قوس واحدة، وطعنوا فيها، وكان حقهم أن يقبلوا، ويبيِّنوا مخرجها، كما يصنعه أهل السُّنة من أهل الصنعة.



والعجب أيضًا من ابن عطية على طهارة لسانه وعلوِّ منصبه، كيف مال إلى رد هذه القراءة، ولكنَّ الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو، واللهَ أسأل أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل"[71]؛ ا هـ.



وبهذا ينتهي الحديث عن هذه الفائدة: (العطف على الضمير)، والخلاصة أنه إذا كان الضمير معطوفًا عليه فإنه إما أن:

يجب أن يفصل بينه وبين الاسم المعطوف، وذلك إذا كان هذا الضمير المعطوف عليه ضمير رفع متصلًا، أو ضميرًا مستترًا.



وإما ألا يجب الفصل بينه وبين الاسم المعطوف، وذلك إذا كان هذا الضمير المعطوف عليه:

ضمير رفع منفصلًا.

أو ضمير نصب؛ سواء كان ضميرًا منفصلًا، أم متصلًا.

أو ضميرًا متصلًا في محل جر.

وبهذا - بفضل الله ومنِّه وكرمه - ينتهي باب العطف، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.





رد مع اقتباس