- من يبحث عن من؟ الناقد أم النص في ظل شبكات التواصل الاجتماعي وسهولة الحصول على النصوص؟
- المبدع دائما هو الذي يبحث عن الناقد ، ولكن في ظل شبكات التواصل الاجتماعي وفي ظل الثورة المعلوماتية التي أفرزت كماً هائلا من النصوص أصبح فوق طاقة أي ناقد على المتابعة، فليست هناك أي نسبة وتناسب بين عدد النقاد الموجودين وحجم الإبداع المطروح هذا أولاً، أما ثانياً فأنا كناقدة لا أتعامل مع نص منشور على شبكات التواصل الاجتماعي فمن الذي يضمن لي بأن هذا النص من إبداع ناشره وأنه ليس مأخوذاً من صفحات أخرى أو ربما من شعراء قدامى لم أقرأ لهم، إلا إذا كنت أعرف صاحبه وله صفحة خاصة به وتكون باسمه الحقيقي وهذه أيضا فيها حقوق ملكية فكرية، ففي هذه الحالة أكيد سأتناوله إن كان النص يستفذنى على أن أتعامل معه ولا يمكن أن أتجاوزه، هذا النص يقول شيئاً، يقدم فكرة يقدم قيمة جمالية...
- الملتقيات الأدبية ومنظمات المجتمع المدني الثقافية ماذا أضافت للمبدعين الشباب؟
- في الجمعيات الأهلية والمنتديات الثقافية يمثل صغار المبدعين الحريصين على أن تكتمل أدواتهم، والحريصون على أن يستفيدوا من تجارب الآخرين جزءاً كبيراً من الحضور في هذه الملتقيات والمنظمات، أما المبدع المبتدئ أو غير المعروف ويرى في نفسه نجماً وليس بحاجة الى أن يستمع الى آخرين فهذا لن يتقدم أبداً وسيبقى مكانه، هذه الملتقيات تكون فرصة للقاء بين شباب المبدعين والنقاد، - وأنا هنا أتحدث عن التجربة المصرية تحديداً لأني لا أعرف بالضبط طبيعة الملتقيات في الدول العربية - فالمؤسسات الثقافية والجمعيات الأهلية في مجال الثقافة الإبداعية حريصة على البحث عن الشباب المبدعين والأخذ بأيديهم وتقديمهم ،
- ماهو دورك كناقدة أكاديمية في هذه الملتقيات لتطوير قدرات المبدعين الشباب؟
- أنا أنتمي لمؤسسة الكرمة الثقافية وأنا نائب رئيس مجلس الأمناء ، وإستراتيجية عمل هذه المؤسسة قائمة على أن نقدم في كل ندوة اثنين أو ثلاثة من كبار الشعراء ونقدم مجموعة كبيرة جداً من الشباب الموهوبين والمبدعين، وهؤلاءالشاب يستمعون الى شيوخ المبدعين كما يسستمعون إلى جيل الوسط من مبدعين حقيقيين فيتأملون مايقوله غيرهم من الأجيال السابقة، كما يستمع جيل الشيوخ وجيل الوسط إلى هؤلاء الشباب ويشدون على أيديهم ليقدموا له دعماً معنوياً، وينقلون لهم خلاصة خبرتهم وتجاربهم ..
كذلك أقوم بشكل غير دورى بمناقشة أعمال لإبداعية في اتحاد كتاب مصر ولا يعنيني إن كان هذا العمل الأول أو العاشر أو الأخير للمبدع، وأناقش أيضا أعمالاً للشباب المبدعين والمبدعات في دار الأدباء وفي مختبر السرديات، أو فى الملتقيات الثقافية ...هذه هي الأمانة ، هذه كما أراها رسالة الناقد، ودوره الثقافى فى المجتمع.
- لكن يسعى بعض النقاد إلى تناول أعمال كبار المبدعين فقط ، ما تشخيصك لهذه الظاهرة؟
- هذا خلل في عقلية الممارسة النقدية أن يذهب الناقد الى مبدع قُتل بحثاً ربما يضيف حرفاً لكي يعلو اسمه مع كبار النقاد الذين تناولوه، مالذي يجعله يذهب الى مبدع ناشيء ولم يتناوله أحد من قبل وعليه أن يقوم بإجراءات التحليل والتقييم والقراءة المتأنية المستفيضة وأن يكوّن رأياً عنه غير متأثر بآراء الاخرين ، هذا قد يكون مرهق جدا للناقد ولكن هذه هي رسالتنا، أن نقدم الجديد للمجتمع كي تستمر الحركة وتستمر عجلة الإبداع ولا نقف عند الأسماء الكبيرة وهناك آلاف الأسماء الناشئة التي يجب تناولها نقديا لتأخذ فرصتها، فهناك جيل من المبدعين لا يجيدون طرق الأبواب علينا أن نأخذ بيدهم ونضعهم تحت دائرة الضوء.
- ماهي نظرتك كناقدة للمبدع الناشيء؟
- المبدع الناشيء عندي يساوي المبدع الكبير + الزمن، وهذا يعني أن أصغر مبدع اليوم = أحمد شوقي + الزمن . فهو أفاد من خبرة شوقي كلها ومن معطيات جيله ومعطيات زمنه وهذه المعطيات تختلف كل الاختلاف عن تلك، فهو منفتح على العالم كله وهو يجلس مكانه، فالناشيء كما قرأ شوقي قرأ طاغور وقرأ جوته وقرأ في الأدب الامريكي والأدب الافريقي فالخلفية الثقافية التي يمتلكها تكون أكثر اتسعاعا من خلفية شوقي. ونتيجة هذه المعادلة فإذا كان موهوباً حقيقياً سيقدم إبداعاً إن لم يتجاوز شوقي فسيقف معه على قدم وساق ، هنا احترافية النقد وهنا أمانة النقد في تقديم هذه الأعمال، وتوضيح ما تقدمه من تجديد فى الرؤية أو التشكيل..
- ماهو تاثير المؤسسة الرسمية على الناقد في تناول بعض النصوص التي لاتتفق مع سياستها وتوجهاتها؟
- الناقد ليس له أية علاقة بما هو ممنوع رسمياً فأنا أتعامل مع عمل إبداعي ليس إلا، أعطيك مثالا على هذا: هناك اتفاق في المؤسسات الرسمية في العالم العربي على منع أعمال الشاعر العراقي العملاق بمعنى الكلمة مظفر النواب والشاعر العملاق نجيب سرور في الأدب المصري أو حتى الحديث عن هؤلاء العمالقة ولكن رغم هذا تجدهم الحاضر الغائب دوماً في المشهد وفي كل المحافل الأدبية فهم يمثلون صرخة المبدع بوجه الفساد، بوجه الدكتاتور وبوجه كل من يتقاعس عن قضيتنا الأم القضية الفلسطينية، فلا يمكن لي أو لأي ناقد تجاوزه فحين يأتي مبدع شاب ليقلد هذه الصرخة فسأشخص هذا وأقول له أنك استدعيت مظفر حين قال كذا واستدعيت نجيب سرور حين قال كذا، هذا للإشارة بشكل صريح لما هو ممنوع رسمياً فلا يهم إن كان ممنوعاً أو مسموحا، المهم هو قول الحقيقة .فجمعيات المجتمع المدني لا تعرف هذه المحظورات الرسمية فهي تتعامل مع الإبدع بصفته إبداعاً.
- هل سيبقى الحديث عن المسكوت عنه من المحظورات في مؤسساتنا الثقافية ؟
- في الشهر الماضي كنت في اتحاد كتاب مصر وهي مؤسسة رسمية وهناك مؤتمر بعنوان حرية الإبداع بين المتاح والمحظور حيث قدمت ورقة بحثية بعنوان المسكوت عنه في الأدب العربي تحدثت عن قضايا المثلية في تاريخ الأدب العربي، فهند بنت النعمان كانت مثلية وهناك نماذج كثيرة، فلماذا أهملت هذه الجزئية من التاريخ للأدب العربي عبر مساره الطويل على الرغم من أن المؤرخ الأدبى لم يجد غضاضة في أن يقدم مشاهد أيروسية فاضحة كمعلقة أمرأ القيس في مطلع حيث يقول "أفاطم مهلا بعض هذا التدلل"
وهذه الجزئية تدخل في الممنوع في تناولها في الأدب العربي فقد تناولتها وتناولت نموذج مظفر النواب ونجيب سرور ولماذا هما من المسكوت عنهما في الأدب العربي وكان هو مدخلي الى الورقة النقدية وأكدت لهم بأن ينشر البحث كاملاً ولا تحذف كلمة مما قلته وإن حذفت فسوف أمتنع من إرسال البحث أو نشره وسوف لن أتعامل مع الاتحاد ثانية وهذا وعد. وقد قلت كل ما أريد أن أقوله في جمهور من الحضور وكان متفاعلا جداً مع ما يسمع لأنه ربما كانت المرة الأولى التي يسمع فيها مالذي أوصل نجيب سرور الى هذه الحالة في قصائده الاخيرة، هذا الشاعر الذي أصبح أشعث الشعر، رث الثياب وحافي القدمين في الشارع ليس لأنه لا يملك ثمن الخفين، لكنه أراد أن يكون سبة في وجه كل المثقفين الذين تقاعسوا عن نصرة القضية والذين وقفت كلمة "لا" في حلوقهم فلم ينطقوها، وحين وجد بأن هذا لم يجد مع المجتمع فأخرج هذه القصائد الأخيرة "الأميات" وهو يعرف تماما الى أين يذهب الحجر حين يتحدث في قضايا الشرف والعرض والمناطق الحساسة من جسد المرأة، فحين يدخل الى هذه المنطقة شديدة الخطورة هو لا يقصدها لذاتها ولكنه يريد أن يوجع المجتمع بأقصى درجة ممكنة من الوجع وقد أفلح، ولو سألت أي شاب من هذا الجيل ماذا قرأت لنجيب سرور لن تجد سوى هذه القصائد الأخيرة "أميات نجيب سرور" لأنها تشكل وجعاً حقيقياً في ثقافة ووعي وفكر أُمة ، هذه هي قضية الأدب المسكوت عنه، فالقضية ليس قضية جنس أو عبارات أو ألفاظ، القضية هي قضية ماذا وراء هذا. أما ما يتعلق بالدين فهو الضلع الثانى فى مثلث المسكوت عنه فكل مجتمع يحرم ما يخالفه مذهبياً ويضعه فى دائرة الممنوعات فالمجتمعات الشيعية تحظر كل إبداع يشير إلى السنية والعكس صحيح ، هذا داخل الدين الواحد فما بالك بالديانات الأخرى وهى ظاهرة فى الأدب العربى منذ عصور التدوين الأولى ، أما عن السياسة التى تمثل الضلع الثالث فى المثلث فهو السياسة وهذه أيضا من أكثر المحظورات حساسية أن تحسب الأنظمة السياسية أن على المبدع ان يكون بوقا لها وإلا وضع تحت مقضلة المنع والحظر واتهم بتهديد الأمن القومى ...إلخ وهذه تختلف من مجتمع لآخر طبقاً لمساحة الحرية المسموح بها فى نقد الأنظمة السياسية وهى ظاهرة بالغة الوضوح فى المجتمعات العربية وفى علاقة المبدع بالنظام السياسي.
- هل هي دعوة للناقد للتمرد على نهج المؤسسة الرسمية التي يعمل لها الناقد؟
- فلنتفق أولاً بأن المؤسسات الرسمية ووزارات الثقافة أساساً لا تدعم الحركة الإبداعية، فهي لها ارتباطات خاصة ولها "شللية" وهذا موجود تقريباً في كل الدول العربية ومنها مصر، فهي من البداية لا تقدم الدعم، ونحن لسنا بحاجة الى دعمها أصلاً ، فأنا أتذكر في التأسيس الى الجلسات النقدية الدورية، كل الذي احتجنا له من المجلس الأعلى للثقافة التابع لوزارة الثقافة هو توفير قاعة ، قاعة فقط لمدة ساعتين أو ثلاث لنقيم فيها ندوات مرة في الشهر حتى هذا الدعم لم نحصل عليه، فقمنا بتأجير القاعات على نفقتنا الخاصة وجمعنا مبالغ من بعضنا البعض لتأمين مصاريف إيجار القاعة، فالجهات الرسمية متقاعسة جداً عن دعم منظمات المجتمع المدني الثقافية وحتى لا أعمم - إلا من رحم ربي- وبما أنك لا تقدم لي دعماً فأنا لا أقع تحت طائلتك أنت لا تملك لى شيئاً، وفى كثير من الحيان تقوم منظمات العمل المدنى والمنظمات الأهلية بالدور المنوط بالمؤسسة الرسمية فى رعاية الشباب ومحاربة التطرف من خلال نشر الوعى الثقافى، فهذه المؤسسات الأهلية تسد كثيرا من الثغرات التى وقعت فيها المؤسسات الثقافية الرسمية.
- هل هناك مساحة من الحرية في عمل تلك المنظمات؟
- الحرية لا تمنح بل تؤخذ، وحرية التعبير تنتزع، فأنا لن أنتظر تصريحاً من وزارة الثقافة حتى أقول ما أريد ، وهنا أمانة الكلمة، وهنا الكلمة مسؤولية، فنشر الوعي وتحريك الوعي المجتمعي والخروج من هذه القوالب ومن هذه الأنماط الجامدة التي أدت الى جمود الفكر المجتمعي بشكل عام ، هذه هي المهام الرئيسية لمنظمات المجتمع المدني الآن.
- هل يوجد اتحاد للنقاد العرب على غرار اتحاد الكتاب أوالصحفيين وغيرها؟
- هذه الاتحادات على مواقع التواصل الاجتماعي كثيرة جداً مثلاً اتحاد مبدعي القصة القصيرة ، اتحاد مبدعي قصيدة النثر، اتحاد الزجالين، اتحاد النقاد وأنا لا أعترف بهذه الاتحادات على شبكات التواصل الاجتماعي لأني لا أعرف القائمين عليها أومن يقف وراءهم وهذه قضية في منتهى الخطورة فأنت تتعامل مع شاشة زرقاء ولا تعرف من الجالس خلفها ولا الأهداف الحقيقة لهم ، لذلك أنا لا أنضم إلى هذه الاتحادات على الإطلاق. إلا إذا كانوا الأشخاص من المعرفين لدي وأعرف توجهاتهم .
- وهل هناك اتحاد النقاد العرب على أرض الواقع؟
- لم أسمع عن اتحاد للنقاد، ولكن هنا في مصر توجد الجمعية المصرية للنقد الأدبي والجمعية المصرية للأدب المقارن وهي عضو في الجمعية الدولية للآدب المقارن فهناك تجمعات كما أعتقد في كل البلدان العربية وأعتقد بأن هذه الجمعيات تقوم بدور اتحاد النقاد فمثلا الجمعية المصرية للنقد الأدبى يحتاج الانتساب إليها تقديم سيرة ذاتية عن الناقد لطلب الانتساب والحصول على العضوية، وهذه الجمعية تنظًم مؤتمرات دولية وتقدم الدعوات للنقاد في العالم العربي أو النقاد المرموقين في الجامعات الأوربية وتوفر فرصة للتواصل مع الناقد الآخر والتعرف على الحركة النقدية بلغتها أو المترجمة الى اللغة العربية وهذا المؤتمر يقام في مصر كل ثلاث سنوات تقريباً وبهذا يقوم بنفس عمل الاتحاد ولكنه يحمل اسم جمعية ولكن هل هناك كيانات مماثلة في العالم العربي فأنا لا أعرف بالضبط .
- قبل أن ننهي هذا الحوار مع الدكتورة فايزة محمد سعد لابد أن نتوقف عند بعض محطات حياتها وماذا تقول عنها:
- المحطة الأولى بعد حصولي على شهادة الماجستير والسفر الى المانيا وكنت غير متزوجة وهذه الرحلة شكلت ملامح الشخصية المستقلة .
- المحطة الثانية بعد حصولى على الدكتوراه والسفر إلى المملكة العربية السعودية وقد أفدت كثيرا جدا من فترة الإعارة سواء على المستوى العلمى من خلال الدورات الخاصة بالقياس والتقويم أو العمل اإدارى الذى أضاف ألى كثيرا فى مهارات الاتصال وقراءة الآخر..
- المحطة الثالثة: جاءت بعدها بفترة طويلة وكانت مشاركتي في مؤتمر بجامعة طنطا وهي المرة الأولى التي اُشارك فيها بمؤتمر بعد الدكتوراه، وفقني الله وكان لي حضور مميز حتى كنت مازلت مدرسا وقمت برئاسة جلسة في هذا المؤتمربين عدد كبير من الأساتذة والمبدعين .
- المحطة الرابعة: حين خرجت للعمل الأهلي مع منظمات المجتمع المدني وأصبح عندي يقين بأن عليّ رسالة وهذا طبعا بعد أن تخرج ابناى فى الجامعة ولم يعودا بحاجة الى أم مقيمة في المنزل.
- أخيرا ماهي الرسالة التي تحملها الدكتورة فايزة محمد سعد ؟
- رسالتي هي الأخذ بأيدي الشباب المبدع لأنهم بحاجة الى الناقد الذي يقدمهم ويأخذ بأيديهم الى إبداع أفضل وهذا ما أقوم به بكل سعادة مع الشباب المبدعين في مصر فأنا أنتقي المبدعين من طلابي في الجامعة وأقدمهم للكبار في هذه الندوات فحين يقدم لي شاب مجموعة قصصية أو ديوانا شعريا لا أهمله لأنه اسم غيرمعروف، فأنا أبحث عنه بعد القراءة وأتصل به وأحدد له موعداً لمناقشة أعماله وعليه هو أن يدعو أصدقاءه، وهذا الحراك الثقافي في المنتديات الثقافية يأخذ مني تقريباً 90 بالمئة من الوقت، وعندما تدخل صفحتي ستجد هذا، فأنا أرى أن هذا أفضل ما أفعله في هذه المرحلة من العمرالمشاركة فى نشر الوعى الثقافى فى المجتمع ومحاولة المساهمة فى محاربة التدنى والقبح بمساعدة الرقى والجمال.
نهاية الحوار لايسعنا الا أن نقدم وافر شكرنا وجزيل احترامنا للدكتورة فايزة محمد سعد على سعة صدرها لمنحنا هذا الوقت الجميل للحوار معها والتعرف عن قرب على شخصيتها وأفكارها وانطباعاتها .
سنلتقي في حلقة أخرى ومبدعة عربية أخرى ممن التقيت بهم في مهرجان الشاعرات المبدعات الدولي الثاني الذي أقيم في ولاية سوسة التونسية
أحمد الصائغ