قواعد التعبير المؤدّب
د.إبراهيم بن منصور التركي
أستاذ البلاغة بجامعة القصيم
يعدّ التعبير ميزة إنسانية لا تتوفر لغيره من الكائنات أو المخلوقات، وعلى هذا حمل بعض العلماء معنى (البيان) في قول تعالى: (خلق الإنسان علمه البيان) بأنه: قدرة الإنسان على التعبير عن أفكاره ومعانيه. ولا شك أن التعبير يتفاوت من حال إلى حال ومن شخص إلى شخص ومن عمر إلى عمر. ويختلف بحسب المواقف السياقية، حيث تختلف مواقف التحية عن الوداع أو الاستئذان أو الطلب.. الخ، ولذلك يحسُن وضع قواعد لغوية للتعبير في مثل هذه الحالات والمواقف لتحقيق هدف الكلام بشكل مثمر وفعال. إن تفاوت واختلاف المواقف يتطلّب اختيار الأسلوب التعبيري المناسب لهذا الوضع أو ذاك، وهذا يتداخل مع مفهوم البلاغة العربية أو تعريفها، إذ البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، بحيث نصوغ الكلام بالشكل المناسب وفق ما تتطلبه الحال.
إن العمل على صياغة قواعد لغوية للتعبير يمكنه أن يزيل ذلكم الشقاق الكبير بين اللغة العربية والحياة، إذ يجعل من تعلم اللغة وتعليمها وسيلة لمعرفة التعبيرات الناجحة الناجعة لاستعمالها في حياتنا اليومية، وفي ذلك خروج باللغة أيضاً من أن تكون مجرد عمل يقوم به الأكاديميون والمختصون في التدقيق والصحة اللغوية. إلى أن تصبح أمرا يرتبط بشؤون حياة الإنسان اليومية.
كما أن الفشل في التواصل الإنساني غالباً ما يكون سببه عدم اختيار التعبير اللغوي المناسب، وهو ما يسمى بـ (الفشل التداولي)، من هنا تبدو الحاجة ماسة لصياغة قواعد للتعبير لتحقيق الكفاءة التواصلية في المواقف اليومية المتكررة التي نمرّ بها.
يبدو من المهم بناء على ذلك الخروج بصياغات علمية عملية لهذا الأمر، بحيث نحدد الأحوال اليومية التي نمر بها بشكل متكرر ونقوم بوضع الصياغات التعبيرية التي تتناسب مع هذه الأحوال، وهو أمر اهتمت به عدد من الدراسات التداولية المعاصرة.
وفي حدود علمي لم أر دراسة عربية تتناول صياغة مثل هذه الأساليب التعبيرية على شكل قواعد، لكن ذلك الأمر موجود في قواعد اللغة الانجليزية بكثرة، ويمكن الوقوف على بعض الأمثلة لذلك. حيث يتحدّثون في قواعد اللغة الانجليزية عن كيفية تقديم نصيحة أو اقتراح لمن يساويك أو يعلوك في المكانة والمنزلة، فتقول القاعدة أنك يُفترض بأن تبدأ كلامك بقولك: (لو كنت مكانك لفعلت كذا وكذا)، وذلك للابتعاد عن جفاف لغة الأمر والنهي التي قد تدلّ على السلطة أو الفوقية. كما يضعون في الانجليزية قاعدة لكيفية طلبك شيئاً من الآخرين، وذلك بأن تصوغ طلبك على شكل سؤال، تبدؤه بقولك (هل تمانع؟)، كأن تقول مثلاً: (هل تمانع في فتح النافذة؟). ويضعون قواعد لكيفية عرضك المساعدة على الآخرين بأن تبدأ بقولك: (أترغب؟)، كأن تقول مثلاً: (أترغب بكوب من القهوة؟)؟. وتقرّر القاعدة بأن تجيب بقولك (نعم من فضلك) في حال الموافقة، و(لا، شكراً) في حال الرفض. وتعدّ كلمة (من فضلك)، و(شكراً) في الإجابتين جزءاً مهماً في القاعدة، بحيث لو حُذِف أحدهما لعدّ ذلك خطأ لغوياً.
إن مثل هذه التعبيرات المؤدّبة المهذّبة في المواقف الحياتية المختلفة موجودة بكثرة في القرآن والحديث وفصيح الكلام العربي وكتب البلاغة والأدب والنحو، لكنها متناثرة هنا وهناك، مما يتطلب جهداً علمياً رصيناً لجمعها وصياغتها على شكل قواعد قابلة للتعليم والتعلم. فقد وضع القرآن مثلاً أسلوباً للتعبير عن العلاقة الجنسية باستخدام عبارات مؤدبة، من مثل (لامستم النساء – دخلتم بهن – الرفث الى نسائكم)، أو التعبير عما يُستقبَح ذكره كقضاء الحاجة في قوله تعالى (كانا يأكلان الطعام)، أو عدم إسناد الأمر السلبي لذي المكانة كما في قوله تعالى (أشر أُريد بمن في الأرض)، أو الابتعاد عن جفاف لغة الأمر والنهي، كما في قول إبراهيم لأبيه مستفهماً (لم تعبد ما لا يسمع ولايبصر) أي : (لا تعبد)... إلخ.
لذلك يبدو أن ثمة حاجة لجمع مثل هذه التعبيرات المؤدبة في تراثنا ووضع قواعد لإمكانية النسج على منوالها، ودمجها بعد ذلك ضمن تدريس قواعد النحو، بحيث تُضاف هذه القواعد التعبيرية إلى القواعد النحوية. ويمكن أن توضيح ذلك بمثال يسير جدا من خلال باب النداء. حيث يتحدث فيه النحاة عن إعراب المنادى العَلَم والمضاف والنكرة المقصودة والنكرة غير المقصودة ...إلخ. إذ يمكن الإشارة هنا أيضا لقواعد استعمال النداء في لغة الحياة اليومية، فمثلا يذكر الإمام ابن تيمية أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لا يُنادى باسمه المجرّد منفرداً في القرآن تأدبا معه عليه السلام، ولم يرد اسم (محمد) في القرآن إلا في سياق الإخبار عنه عليه السلام. فهذه قاعدة يمكن أن تدرّس ضمن باب النداء، بحيث نقول فيها بأن نداء الأشخاص ذوي العلاقة الرسمية أو المكانة بأسمائهم المجردة غير مستساغ. كما يمكن أيضاً أن نقول مثلاً بأن ذكر صفة المنادى مقروناً بضمير المتكلم وتكراره يحقق الاستمالة والتقارب والحميمية مع المنادى، وقد ورد هذا في القرآن بكثرة، كما في قوله تعالى: {وقالَ الّذي آمَنَ ياقوم اتّبعونِ أهْدِكم سَبيلَ الرّشادِ. ياقومِ إنّما هذهِ الحِياةُ الدُّنيا متاع}، فقد كرّر الرجلُ المؤمنُ لقومه الكافرين: (ياقومي) مرّتين، وذلك لبيان شدة حرصه على أن يصغي قومه لدعوته، وليحقق التقارب والحميمية مع قومه بأنه واحد منهم. وكما في نداء إبراهيم لأبيه وتكراره (يا أبت) أكثر من مرة في حواره معه في سورة مريم لذات الغرض.
إن صياغة قواعد للتعبير تُدرّس وتعلّم أمرٌ مهمّ جداً للغة العربية ومتعلّمها، ففي ذلك توحيد للمعارف اللغوية من نحو وأدب وبلاغة ليستفاد منها جميعاً في تعليم اللغة العربية، فاللغة العربية ليست نحواً فقط، كما أن في ذلك خروجاً بقواعد اللغة من أن تكون مجرّد قواعد نحوية جافة صمّاء ينفر منها كثير من الدارسين. وفي ذلك أيضاً ما تنفتح به اللغة على الحياة، ويجعلها أداة مهمة في تسيير لغة حياتنا اليومية. إن هذا الأمر طموح أرجو أن تتجه إليه همم الدارسين والباحثين، بحيث توضع هذه القواعد أمام عيون الناشئة والشباب لنعلمهم قواعد اللغة العربية والتعبير المؤدّب معاً، وهذا لعمري واجب على الدارسين والباحثين والمهتمين باللغة العربية. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.