عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي من مجمع اللغة العربية الافتراضي

كُتب : [ 12-20-2018 - 01:10 PM ]


تتمة :
وأوجز تاريخ ألفاظ العربية من حيث التطور في ثلاث مراحل، وهي:

المرحلة الأولى: مرحلة الجذر الثنائي المكون من مقطع أحادي (صامتين متحرك فساكن مثل رمْ وقطْ) وهذه هي مرحلة طفولة اللغة، ويظهر أنها مرحلة قصيرة نسبيا.

المرحلة الثانية: مرحلة المراهقة اللغوية والانطلاق، وهي مرحلة تضعيف الحرف الثاني الساكن في المقطع الأحادي، مثل: رمّ وقطّ. وهذه المرحلة بالغة الخطورة؛ لأن هذا الثلاثي المضعّف هو الجسر الذي عبرت عن طريقه الثنائيات إلى الضفة الأخرى ضفة الثلاثي، وهي مرحلة أقصر من سابقتها، كانت كانكسار السّدّ وفيضان الماء.
المرحلة الثالثة: مرحلة الثلاثي وما بعده من رباعيات وخماسيات، وهي مرحلة النضج، وأعدّ الجذر الثلاثي قنبلة اللغة العربية الانشطارية التي فجّرت طاقتها وأغنتها غنى فاحشا في الألفاظ، كما أسلفت، وهي أطول المراحل الثلاث فيما يظهر لي، وأعظمها بلا شكّ.
ولم يكن انتقال اللفظ الثنائي إلى الفضاء الثلاثي الرحب إلا بعد تضعيف الثنائي، وتحويله إلى ثلاثي مضعف قابل للتحول أو التلوين الصوتي بالفكِّ مع الإبدال أو التعويض، كما سبق في الأحوال الثلاث، فكل ثنائي يتحول إلى الثلاثي بهذا الطريقة. والفك بالإبدال لا الزيادة المحضة هو الأداة ، ويكون الإبدال في الحشو والتذييل، ويكون التعويض في الصدر، كما تقدم، ولا أرى قول القائلين بزيادة الحرف الثالث أو الثاني أو الأول، وهذه نقطة خلاف مع الثنائيين نتجت عن النظر إلى الحرف المشدّد، وما أراه هو أن تشديد اللفظ الثنائي كان الجسر الذي عبرت عن طريقه الثنائية في رحلتها التاريخية إلى الثلاثية.

ولما كانت الثنائية مرحلة تاريخة تمثّل نشأة اللغة أو طفولتها إن صح التعبير فإن اللغة بعد تحولها إلى الثلاثية ووضعها الأسس الصرفية عليها وعلى الرباعي والخماسي فإنها –أي الثنائية- قد هُجرت تماما، ولم يبق من مرحلتها التاريخية الأولى إلا أطلال قديمة متفرقة متناثرة في المعاجم، وأحافير لا تكاد تلحظها إلا عيون الباحثين، لطغيان الجذر الثلاثي بجبروت التصريف، وما أشبه الثنائيات ببقايا أحيائنا القديمة جدا قبل قرون في مدننا الكبيرة حين طغى عليها العمران الحديث والتهمها التوسع والتغيير المهول في الهندسة والعمران، فلم يبق منها إلا رسوم لا يكاد يلحظها أكثر الناس، فأين تلك الأحياء الصغيرة القديمة من مساحات المدن الكبيرة وأحيائها الحديثة، وكذلك الثنائية إذا قيست بالتوسع اللغوي المهول الذي طرأ على العربية في عصورها الجاهلية الأولى التي لا نكاد نعرف عنها شيئا؟! ومن المؤكد أنها تمتد في الماضي آلاف السنين، وربما مئات الألوف كما يقول أحد الباحثين [في التطور اللغوي 86] قبل الساميين والحاميين والآريين، وأن اللغة العربية التي بلغت ذروتها في الإحكام الصرفي والنحوي عند نزول القرآن مرّت بمراحل حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.

ومع أن نشوء النظرية الثنائية تزامن مع ظهور نظرية الاصطفاء والتطور الأحيائي الداروينية إلا أنها من المنظور اللغوي العلمي المتجرد ليست معتقدا ولا ميتافيزيقا ولا خيالا أو بهرجة أو تكلّفا كما قد يرى بعضهم بل هي واقع لغوي ملموس تراه ماثلا في المعجم وتؤيده الدلالة والتحليل اللغوي، ويمكن لها أن تفتح مغاليق في المعجم العربي في بعض الجذور، وربما تعين من يريد أن يواصل البحث في نظرية ابن فارس في الثلاثيات والرباعيات المتطورة من جذور أصغر. وقد أفادتني الثنائية كثيرا في ضوابط الفوائت الظنية، وبمساعدتها رجّحت القول بالفائت الظنّي في عدد من الألفاظ [انظر: فوائت المعاجم].

وهنا يرد سؤال في غاية الأهمية، وهو: كيف نوفّق بين الثنائيين ومعارضيهم أو كيف نوفق بين الثنائية والتصريف؟ لقد واجهت الثنائية نقدًا لاذعًا مشوبًا بالسخرية من عدد من الباحثين اللغويين التقليديين أو المحافظين، لما يعدّونه من الثغرات في بنيان هذه النظرية، وأبرزها ثغرتان كبيرتان:

الأولى: أن التصريف يهدم هذه النظرية؛ لأنه لا يعدّها شيئا ولا يتعامل مع اللفظ الثنائي إلا بعد نقله إلى الثلاثي بالتضعيف، وأن ما وجد من ألفاظ ثنائية في ظاهرها مثل يَدٍ ودَمٍ ما هي إلا ثلاثيات حذف منها حرف لكثرة الاستعمال، ويستدلون بالتصريف عند التثنية والجمع والتصغير إذ يرجع الحرف المحذوف إلى موضعه، وربما اغتر بهذا بعض الباحثين المعاصرين، وهو أرنست لينان إذ قال: ((اللغة العربية ظهرت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة)). وقوله مردود بما سبق.

والثغرة الثانية قصور النظرية وتعذر تطبيقها على أكثر الثلاثيات، فلا يمكن أن تقول: إن عرف من عر، وأن دخل من دخ وأن جلس من جل، فالنظرية مبنية على ألفاظ انتقائية قليلة أراد أصحابها أن يعمموا نتيجتها، وحاولوا إقناع الناس بها! وساعد المنكرين الرافضين غلوُّ بعض الثنائيين في شأنها ومنهم الأب مرمرجي الدومنكي حتى ليكاد يلزمنا القول بالثنائية إلزاما، فالرباعيات عنده ليست مجردة كما يقول الصرفيون بل هي ثلاثيات مزيدة، والثلاثيات المجردة من مثال وأجوف وناقص ومهموز ومضاعف ومكرره «هي بأجمعها قابلةُ الردِّ إلى الرّسّ الثنائي، فيجدر من ثم طرحها من مجموع الأصول الثلاثية. فيبقى السالم وحده، وهو كذلك هيّن رُدّ أغلبيته إلى الثنائي... أما البقية الباقية البائن تعذر ردها من الثلاثي إلى الثنائي فذلك يمكن عزوه إلى ضياع الرساس الثنائية» [معجميات عربية سامية 80] فالثلاثي وما فوقه توسّعات اشتقاقية للرس الثنائي، وعنه صدر جميع التوسّعات والاشتقاقات [ينظر: هل العربية منطقية 145، ومعجميات عربية سامية 79، وأصول اللغة العربية بين الثنائية والثلاثية 31].

وهذا الغلو في الثنائية الذي نراه عند الدومنكي مردودٌ عليه وغير مقبول، وما يزعمه لا يُسلّم به، فالثلاثيات التي يصعب ردها إلى الأصل الثنائي أو يتعذر هي أكثر بكثير مما نجد فيه بقايا للثنائية، بل إن ما يمكن رده إلى الثنائية لا يتجاوز في تقديري 10% ولعلّه أقل، وكيف يفوت الدومنكي وهو الباحث اللغوي الحصيف أن اللغة بعد استقرارها على التصريف الثلاثي لا بد لها أن تمضي في نموها وتوسّعها بالوضع والاشتقاق بأنواعه في مرحلة النضج تلك التى ترجع إلى آلاف السنين واضعة الرِّسّ الثنائي وراء ظهرها؟!

وأقول في الختام: إن الثنائية مرحلة قديمة جدا، تجاوزتها اللغة في نموها الأبدي وسيرها نحو النضج والكمال، ولم يبق من تلك المرحلة إلا الأطلال والبقايا المتناثرة في المعاجم، لا يراها إلا الباحثون المعنيّون بالتأصيل والتفكيك الجذري أو الجذوري، ولكنّ إنكارها يُعدّ خطأ لغويًّا في حق لغتنا، كما أنه يحرم اللغويين من إشارات معجمية هادية كالمنارات في الطرق في غاية الأهمية.

فواصل:

- الثنائيات جذور هرمة متآكلة في لغتنا، وهي تخفي طفولة العربية.

- الثلاثيات قنبلة العربية ومنجمها الأكبر، وطاقتها المتجددة.

- حين فشلت الجذور الخماسية أنهت العربية مغامرتها في رحلة التطور، وعدّتِ الخماسيات غلطة.!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالرزاق الصاعدي - المدينة المنورة.

نشر هذا المقال في أربعة مقالات في جريدة الجزيرة بعنوان: (هل كان للغة العرب طفولة ومراهقة؟) بتاريخ:


28/ 5/ 2016م

5/ 6/ 2016م

11/ 6/ 2016م

18/6/ 2016م


رد مع اقتباس