(2)
يلفت النظر في القصيدة الدالية تحولات الضمائر، وهي تحولات تتسق تماماً مع بناء النص الشعري ومحتواه. فالقصيدة توظف عدداً من الضمائر التي تكشف حضور القارئ الضمني، هذا القارئ الذي يرسم النص منطلقاته الشعرية وحمولاته المعرفية ورهاناته الشعرية وأفق التوقعات الخاص به.
على المستوى الأول ثمة بعد عاطفي ينطوي على المحبة والاحترام بين الشاعر والقارئ المخاطب. ويكون ضمير المخاطب المفرد وسيلة لبناء محتواه:
حياك من فلك الجزيرة فرقد
أنواره عز يكال وسؤدد
وسعى إليك مؤيدا ومقيدا
شكر جرنفش نفحه يتجدد
والمتأمل في هذا المفتتح، يرى أنّه ينطوي على قدر عظيم من البهجة والمحبة، فالتحية تأتي من الفرقد وهو نجم قريب من القطب الشمالي، ثابت الموقع، يهتدي السائرون به. لهذا تجمع أنواره بين العز والسؤدد التي تجمع بين المجد والسيادة والشرف الرفيع وعلو المنصب. أما الشكر الجرنفش، فهو الشكر الجزيل. ولعلَّ من الضروري أن أبين أنّ لفظة مقيد في البيت إذا اقترنت بالشعر فإنها تحدد نوعه وهو الشعر الذي يجري على الوزن والقافية ونقيضه هو الشعر المرسل.
لكنّ من الطبيعي أن يتم الانتقال إلى مستويات أخرى وضمائر مختلفة.
وإذا كان النص قد استخدم حتى البيت الرابع عشر ضمير المخاطب المفرد:
وأردت شكرك بالثناء مضاعفا
لأخ له عندي مقام أحمد
فإنّ النص الشعري ينتقل إلى ضمير الأنا الذي يتجلى بعد ذلك ليكشف عما يحتويه النص من أبعاد سجال وحجاج.
يحتاج السجال الشعري إلى مجموعة من الشروط والمواضعات. فالسجال يتطلب ثقافة واسعة وقدرة شعرية متميزة كما يحتاج إلى الوضوح والصدق والموضوعية والاتزان العاطفي.
النص الشعري عموماً هو ثمرة إرادة الشاعر الواعية. لهذا فإنّ له خطاباً خاصاً به، والخطاب نسق من العلامات الدالة الخاصة بالفرد أو بالجماعة أو بالموضوع. إنه وسيلة من وسائل التواصل التي تسمح بتمرير الأفكار والمعرفة في كل إنتاج إبداعي أو فكري.
والخطاب كما يوضح ميشيل فوكو في «نظام الخطاب»، لا ينتج بعفوية أو بارتجالية،، لأنّ الخطابات كلها محكومة بمرجعيات (جمالية، فكرية، سياسية)، وبسياق خاص بها.
تستخدم القصيدة الدالية في هذا السياق ضمير الأنا ومن الجلي أنّ هذا الضمير يعبر عن اعتداد بالشاعرية ويصدر عن رغبة واضحة في إبراز قوتها وتدفقها، لكن اللافت أنّ الخطاب الذي يسود هذه الأبيات يسعى إلى تغيير وجهات نظر من يتوجه له بالخطاب ومسألة الإقناع هنا ليست مسألة ذهنية بقدر ما تنتج عن السعي الناجح لتطويع اللغة وتوظيف الطاقات الإيقاعية للتكامل ثنائية الدلالة والإيقاع.
على المستوى الشعري تؤكد القصيدة طابع الخصوصية الذي يميز الذات الشعرية عن غيرها من الذوات الأخرى من حيث مستوى الإبداع الشعري:
وإذا عرى قولي فإنّ سكينة
تغشى نواميس الوجود فيركد
شذرات شعر لا يلم بوحيها
إلا أخو بدع يحل ويعقد
وكتبت من آي القريض قصيدة
أوحى بها هاروت فهي الأجود
لكن الشعر لا يتشكل في فراغ، فلا بد له من حاضنة معرفية تجعله قادراً على الانتقال من عالم التجريد إلى عالم التشخيص، وهذه الحاضنة تتمثل في الأشباه والنظائر تارة:
عصماء لا إلياذة تسمو لها
شأوا ولا ما علقوه وخلدوا
هنا تتم الإشارة إلى إلياذة هوميروس، وإلى المعلقات لتتم عملية المقارنة والانتقال من التجريد إلى التشخيص لكن المقارنة لا تكفي، فكان من الضروري الانتقال إلى عالم الغناء:
خلصت ولحن زلزل إيقاعها
وتساهموا فيها فغنى معبد
إنّ ثمة بعداً معرفياً يجيء في النص ممتزجاً بالبعد الجمالي. وقارئ الشعر يدرك أنّ الشاعر هو وحده الذي يملك حق الإرسال، والقدرة على التأليف بين الأشياء، أما تلقّي الإبداع فيظل إعادة إنتاج للمعنى يتشكل في إطار المرامي الجمالية والرمزية. لهذا فإنّ هذا البعد المعرفي يهدف إلى بناء متعة راقية نكون فيها أكثر وعياً لأنفسنا وأكثر وعياً بالحياة. وهو ما يكاد يشكل مفتاحاً لإبداع محمد بن راشد ونشاطه الفكري الفاعل والمؤثر.
يقول الشاعر:
جنبت وحشي الكلام متونه
إلا غرائب سائرات شرد
فكأنه من رقة وعذوبة
برد يذوب أو الجمان الخرد
أما وحشي الكلام وحوشيه وعقيمه فبمعنى واحد، والمقصود به اللفظ الغريب الذي لم تألفه الأذن ولم يجيء به الاستعمال. أما الشوارد كما أشار إليها أبو الطيب في بيته المعروف:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
فهي النوادر والغرائب. وقد قال الجاحظ: «وفي بيوت الشعر الأمثال والأوابد ومنها الشوارد». والأوابد في الشعر، هي الأبيات التي تجري مجرى المثل ومع ذلك فإن في القصيدة عدداً من الأبيات التي تحتوي على مفردات صعبة مثل:
الهدبد: العشا يكون في العيون
المفايل: من يحرث الأرض ويجعلها قابلة للزراعة
أكثم: عظيم البطن
غميدر: السمين الناعم
اجلعبّ: مضى وجدّ في أمره
سهوك سيهج: الريح المضطربة الشديدة
طحرور: خفيف
شبارق: مقطع وممزق
التلاتل من الرجال: الغليظ الممتلئ لحما
الصرّ: الرصاص الأسود
سهم ابن مقبل: إشارة إلى الشاعر تميم بن مقبل الذي صنع سهمه المتميز فقال:
عَاَضدْتُهَا بِعَتُودٍ غَيْرَ مُعْتَلِثٍ
كَأَنَّه وَقْفُ عَاجٍ باتَ مَكْنُونا
وهو يعني القوس التي عاضدها بسهم. والعتود: السدر أو الطلح وغير معتلث: أي لا يعترضه شيء والوقف من العاج: ما يجيء على هيئة السوار.
تلاد: أصيل
خفيدد: سريع
أشدف: يميل عجباً وزهواً
إنّ من الواجب أن نتساءل هنا: لماذا لجأت القصيدة الدالية إلى هذا؟
إن من يتأمل النص الشعري في نهاياته، يراه قد انتقل من حال القصيدة إلى حال الأمة:
وعجبت من حال الزمان وأمة
كانت على عرش الثريا تقعد
فالنص الشعري هنا يتولى الحديث عن تلك المآلات التي نقلت الأمة من حال إلى حال. وقد صور النص تلك الحالة تصويراً رمزياً دالاً من خلال صورة ذلك الرجل الضخم الذي عاش الحياة الهانئة ثم قادته صروف الدهر إلى حالة أخرى مغايرة. إنها حالة تتطلّب قدراً من الحديث الصعب أو الحديث للخاصة. لهذا بالغت الأبيات في صعوبة المفردات حتى يكون تشخيص الأمر وقفاً على النخبة المثقفة بعيداً عن الشعبوية الرخيصة.
وثمة بعد رمزي، فكل ما يتم استخلاصه من معان ودلالات يبني الثقافة ويسهم في صناعة مستوياتها ويصنع تحولاتها. لهذا ترى هناك حديثاً يتم بضمير المخاطب الغائب المفرد. وهو حديث تتنوع مستوياته لكنه يرسم مجموعة من المفارقات الجميلة.
إننا نحتاج في اليوم العالمي للغة العربية كي نحتفي بالنصوص الشعرية الملهمة التي تصور ثراء العربية وعمقها وجمالها وقدرتها على الرسم بالكلمات وهمتها العالية في وصف المآلات وتحيي في أثناء ذلك المعجم اللغوي ضمن حركة استئناف الحضارة التي تعي الحاضر وتدرك أهمية الموروث.
والخلاصة أنّ القصيدة الداليّة التي تسعى للكشف عن الشعريّة وطبيعتها وأبعادها وجمالياتها، فتربط بين الشعر والغناء، وتجعل القصيدة مدخلاً لفهم العالم وإعادة تشكيله، وتستخدم لغة شعرية لها اتجاهان: واحد للتصوير وآخر للتعبير. وما يمزج بينهما هو القدرة على خلق الانسجام في جسد القصيدة دلالة وتركيباً وجمالاً. وهذا ما يفعله محمد بن راشد في جميع بادراته المعرفية، التي تسعى إلى خلق التنمية المستدامة عند الجيل كي ينسجم مع حاضره ويعرف طبيعة مستقبله.
إنّنا في أبوظبي للإعلام ونحن نحتفل باليوم العالمي للغة العربية، نعي ما تواجهه العربية المعاصرة من تحديات لعلّ من من أبرزها:
الازدواجية اللغوية وقدرة العربية على استيعاب العلوم التطبيقية الحديثة. ومشكلات الترجمة وإشكالاتها المعرفية والعلمية والمصطلحية. ونعي أنّ ثمة ثلاثة مستويات للتعبير في اللغة: أولها المستوى المجازي كما في الكتابة الابداعية، والثاني هو المستوى العلمي كما في العلوم التطبيقية، والثالث هو المستوى اللغوي الذي يستخدم في الصحافة والإعلام بوجه عام، وهو ما يمكن وصفه بالمستوى البراغماتي الاجتماعي - وهذه المستويات الثلاثة موجودة في كل المجتمعات، وفي المجتمعات المتعلمة، تتقارب المستويات اللغوية - ويكون تقارب مستويات التعبير اللغوي دليلاً على تجانس المجتمع، وحيوية ثقافته.
إننا نؤمن أنّ على وسائل الإعلام أن تسهم في نقل الوعي باللغة العربية من مستوى النخبة إلى المستوى العام، دون أن يترتب على ذلك هبوط باللغة إلى دركات الإسفاف والابتذال لتصبح العربية لغة تفكير إعلامي تتكيف مع التحولات وتحتفظ بأصالتها وقوتها بحيث تؤدي الغرض وتنقل المعنى بدقة وجمال.
لهذا سنظل نسعى في أبوظبي للإعلام إلى بناء خطاب فني يجمع بين الفكر والدراما والأغاني والرياضة وغير ذلك من الأعمال التي تحقق المتعة والتسلية. ولعلَّ من المهم أن لا يتم الانفصال بين الفكر والمتعة، وأن تكون المتعة راقية ترقى بذوق المشاهد وحسه الجمالي. فالفن، بكل أشكاله وألوانه لغة عالمية ترتقي بالإنسان.
المصدر