عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي العلاقة بين العربية والفارسية لم تكن عدائية

كُتب : [ 11-16-2018 - 05:56 PM ]


العلاقة بين العربية والفارسية لم تكن عدائية








مسعود الفك






إن اللغة الفارسية وخلافاً لما يروج له المتعصبون المعادون للعرب بأنها تضررت نتيجة تأثرها باللغة العربية، إلا أن الواقع يؤكد أن الفضل في استمرارها كلغة حية وكثاني أهم لغة إسلامية مدونة، يعود إلى اللغة العربية، حيث استندت الفارسية على العربية في كسب المفردات واستعارة الكلمات واقتباس المصطلحات، وإلا لما صلحت الفارسية ليكتب بها ابن سينا كتاب "شفاء" ولما استطاع أن يكتب بها أبوريحان البيروني كتاب "التَّفهیم لِأَوائلِ صناعة التَّنجیم"، والذي خلافاً لعنوانه العربي فنصه فارسي، ولما استطاع أن ينشد بها جلال الدين الرومي ولا حافظ الشيرازي ولا عمر الخيام ولا السعدي، وبهذا الخصوص من الضرورة بمكان الإشارة إلى قرار الدولة السامانية السنية الفارسية التابعة لخلافة بغداد العباسية، باختيار اللغة الفارسية كلغة الديوان إلى جانب العربية كلغة دين، وجاءت اللغة التركية في مراحل لاحقة كلغة جيش وبلاط حسب السلالات الطورانية التي حكمت إيران.

السامانيون أو الدولة السامانية، سلالة فارسية سنية المذهب، حكمت في بلاد ما وراء النهر وأجزاء من فارس وأفغانستان وطاجيكستان وجنوب أوزبكستان ما بين 819-999 م، عاصمتها بخارى في أوزبكستان، والتي لا تزال تنطق الفارسية بلهجتها الطاجيكية البخارية، وهي المدينة التي ولد فيها الإمام البخاري. وأصبحت الفارسية لاحقاً لغة لنشر الإسلام السني في آسيا الوسطى حتى العمق الصيني وباتت الفارسية لغة الدين إلى جانب اللغة العربية، ولهذا السبب فإن معظم المصطلحات الدينية في اللغات الأيغورية والجغطائية والقزاقية والغرقيزية والأوزبكية والتركمانية والتاتارية مقتبسة من الفارسية، مثل (نماز بدلا عن الصلاة وروزك بدلا عن الصيام ودوزخ بدلا عن الجهنم وبهشت بدلا عن الجنة وپریشته بدلا عن ملائكة).

وخلافاً لمحاولات نشر معاداة العرب اليوم بين الفرس إلا أن معظمهم، عدا القلة الشعوبية النخبوية، لم يكونوا معادين للعرب وخدم الكثير منهم الدين الإسلامي واللغة العربية بإيمان خالص، كما أن العرب لم يتعاملوا بعنصرية مع شعوب التي فتحت بلدانها ولم يحاولوا إجبار الآخرين على التحدث باللغة العربية بما فيهم الفرس، كما لم يحاول العرب بسبق الإصرار، إدخال الكلمات العربية في لغات الآخرين، بل الضرورة والحاجة والعقيدة هي التي لعبت دورها، وعليه بما أن اللغة العربية تتمتع بمخزون هائل من الكلمات والمفردات، فقد رفدت الفارسية بآلاف الكلمات والمصطلحات وحتى الأمثال التي ترجمت من العربية إلى الفارسية وباتت جزءا ثابتا من اللغة الفارسية، مثلها مثل التركية والكردية والأردية والهندية والكثير من اللغات الأوروبية بدرجات أقل.

كما دخلت كلمات فارسية وآرامية ويونانية وسريانية وأوروبية في اللغة العربية أيضا، وهذه هي ميزة اللغات الحية، لذا على المتعصبين القوميين الذين يعتبرون هذا تجنياً على اللغة الفارسية أو على العربية أن ينظروا إلى اللغة الإنجليزية العظيمة، التي أخذت حسب ما أتذكر حوالي 29% من كلماتها من الفرنسية و29% من اللاتينية و10% من لغات أخرى وفيها الكثير من العربية وحتى بعض الكلمات الفارسية والهندية والأفريقية وهذا ليس نقصا في الإنجليزية، بل ميزة تزيدها قوة وحيوية ونفس الشيء بالنسبة للفارسية فوجود الكلمات العربية فيها لا يضرها، خلافاً لما يزعم المتعصبون "البان ايرانيست"، بل يعتبر سبباً من أسباب بقاء الفارسية كلغة حية، كما على المتعصبين العرب أن يعلموا أن العربية بكل قوتها ورصانتها في النهاية هي لغة بشرية، تأخذ وتعطي وهذه ميزة أي لغة حضارية حية، وللاطلاع فإن أول من أنشد الشعر باللغة الفارسية الحديثة هي الشاعرة العربية "رابعة بنت كعب" (914-943م) المعروفة شعبياً باسم "رابعة بلخي" و"زين العرب"، وهي شخصية شبه أسطورية في مجال الأدب الفارسي، وأشير إليها في أشعار لشعراء فرس من قبيل الرودكي والعطار. وقد سُجلت سيرتها الذاتية لأول مرة بواسطة "ظهير الدين عوفي"، وأعاد روايتها "نور الدين الجامي". كما لم يتردد الشاعر العظيم حافظ الشيرازي أن ينشد بالعربي والفارسي:

ألا يا أيها الساقي أدر كأسا وناولها
كه عشق آسان نمود اول ولي افتاد مشكلها

وفي البيت الأخير الذي صدره فارسي وعجُزه عربي:
حضورى گرهمى خواهى از او غايب مشو حافظ
متى ما تلق من تهوى دع الدنيا وأهملها...

من الضروري الفصل بين المواقف السياسية والإنسانية، خاصة في الظرف الراهن الذي توجه فيه أصابع الاتهام إلى طهران بسبب تدخلها في شؤون أكثر من بلد عربي، وليعلم الشعب الفارسي أن العرب لا يحقدون عليه وقد يكون العكس صحيحا أيضا، لأن هذه المرحلة، سوف تمر وعلى الشعوب أن تتعايش وفقا لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.





المصدر

رد مع اقتباس