عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-28-2018 - 10:12 AM ]


د - بلاغةُ اللِّسانين (القلم واللسان):
هما صنفان، وكلاهما للقلب تَرْجُمَانُ! فأمَّا اللسان فهو الآلة التي يخرج الإنسان بها عن حدِّ الاستبهام إلى حدِّ الإنسانية بالكلام؛ ولذلك قال صاحب المنطق: حدُّ الإنسان، الحي الناطق[24].

وقالوا عن بلاغة القلم: "القلم أحد اللسانين، وهو المخاطب للعيون بسرائر القلوب على لغات مختلفة، من معانٍ معقودة بحروف معلومة مؤلَّفة، متباينات الصور، مختلفات الجهات، لقاحها التفكُّر، ونتاجها التدبُّر، تَخْرَسُ منفردات، وتنطق مزدوَجات، بلا أصوات مسموعة، ولا ألسن محدودة، ولا حركات ظاهرة، خلا قلم حرَّف باريه قَطَّتَهُ [قطعته] ليتعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليردَّ ما انتشر عنه إليه، وشق رأسه ليحتبس المدادُ عليه، فهنالك استمدَّ القلم بشقه، ونثر في القرطاس بخطِّه حروفًا أحكمها التفكُّر، وجرى على أَسَلَتِهِ الكلام الذي سداه العقل، وألحمه اللسان، ونهسته اللهوات، وقطعته الأسنان، ولفظته الشفاه، ووعته الأسماع، عن أنحاء شتى من صفات وأسماء"[25].

وقد قِيلت مقطوعاتٌ شعرية كثيرة في وصف "القلم"، ومن ذلك ما أورده ابن عبد ربِّه عن الشاعر العباسي أبي تمَّام[26]:
لَكَ الْقَلَمُ الأَعْلَى الَّذِي بِشَبَاتِهِ
يُصَابُ مِنَ الأَمْرِ الكُلَى والْمَفَاصِلُ
لُعَابُ الأَفَاعِي الْقَاتِلاتِ لُعَابه
وَأَرْيُ الجَنَى اشْتَارتْهُ أَيْدٍ عَوَاسِلُ
له ريقةٌ طلٌّ ولكنَّ وقْعَها
بآثَارِهِ فِي الشَّرْقِ وَالغَرْبِ وَابِلُ
فَصِيحٌ إِذَا اسْتَنْطَقْتَهُ وهو رَاكبٌ
وَأَعْجَمُ إِنْ خَاطَبْتَهُ وهُو رَاجِلُ
إِذَا مَا امْتَطَى الخَمْسَ اللِّطَافَ وَأُفْرِغَتْ
عَلَيْهِ شِعَابُ الفِكْرِ وَهْيَ حَوَافِلُ
أَطَاعَتْهُ أَطْرَافُ القَنَا وَتَقَوَّضَتْ
لِنَجْوَاهُ تَقْوِيضَ الخِيَامِ الجَحَافِلُ
إِذَا اسْتَغْزَرَ الذِّهْنَ الجَلِيَّ وَأَقْبَلَتْ
أَعَالِيه فِي القِرْطَاسِ وَهْيَ أَسَافِلُ
وَقدْ رَفَدَتْهُ الخِنْصَرانِ وسَدَّدَتْ
ثلاثَ نَوَاحِيهِ الثلاثُ الأناملُ
رَأَيْتَ جَلِيلًا شَأْنُهُ وَهُوَ مُرْهَفٌ
ضَنًى، وَسَمِينًا خَطْبُهُ وَهُوَ نَاحِلُ

وقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خِلالٍ، منها: جودة بَرْي القلم، وإطالة جَلْفَتِهِ، وتحريف قَطَّته، وحُسْن التأنِّي لامتطاء الأنامل، وإرسال المدَّة بقدر اتِّساع الحروف، والتحرُّز عند فراغها من الكسوف، وترك الشكل على الخطأ والإعجام على التصحيف، واستواء الرسوم، وحلاوة المقاطع"[27].

هـ - بلاغةُ الإشارة:
يقول ابن عبد ربِّه في النص أعلاه: "ورُبَّ إشارةٍ أبلغُ من لفظٍ"، فواضح من كلامه أنه يُدخل الإشارات التي يقوم بها الإنسان في وجوه البلاغة، والمعاني التي تصل بالإشارة قد لا تصل بالكلام، واستعماله لحرف الجر الشبيه بالزائد "رُبَّ" الذي يفيد التقليل أدخلها في البلاغة الخاصة، وشبيهٌ بهذا ما ذهب إليه الجاحظ في بيانه: "والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط، وبعد فهل تعدو الإشارة أن تكون ذات صورة معروفة، وحلْية موصوفة، على اختلافها في طبقاتها ودلالاتها، وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح، مرفق كبير ومعونة حاضرة، في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس، ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص، ولجهلوا هذا الباب البتة، ولولا أن تفسير هذه الكلمة يدخل في باب صناعة الكلام لفسرتها لكم، وقال الشاعر في دلالات الإشارة [من الطويل]:
أَشَارَتْ بِطَرْفِ العَيْن خِيفَةَ أَهْلِهَا
إِشَارَةَ مَذْعُورٍ وَلَمْ تَتَكَلَّمِ
فَأَيْقَنْتُ أنَّ الطَّرْفَ قَدْ قَالَ مَرْحَبًا
وَأَهْلًا وَسَهْلًا بِالْحَبِيبِ الْمُتَيَّمِ

فالعين كانت تأخذ عندهم المرتبة الأولى في بلاغة الإشارة، وكانوا يستدلون باللحظ على الضمير، أما الإشارات الأخرى كالالتفات، وفتل الأصابع، ومسح العثنون [اللحية بين العارضين] فهي إشارات تدخل ضمن عيوب البلاغة، ومن الشواهد الدالة على مكانة العين، قول صريع الغواني[28]:
جَعَلْنَا عَلاماتِ المودَّةِ بَيْنَنَا
مصايِدَ لَحْظٍ هُنَّ أَخْفَى مِنَ السِّحْرِ
فَأَعْرِفُ فِيهَا الوَصْلَ فِي لِينِ طَرْفِهَا
وَأَعْرِفُ فِيهَا الهَجْرَ فِي النَّظَرِ الشَّزْرِ

قال أبو حاتم عن الأصمعي، عن يونس بن مصعب، عن عثمان بن إبراهيم بن محمد: "إني لأعرف في العين إذا عرفت، وأعرف فيها إذا أنكرت، وأعرف فيها إذا لم تعرف ولم تنكر؛ أما إذا عرفت فَتَحْوَاصُّ [فتضيق]، وأما إذا أنكرت فتجحظ [فتخرج] وأما إذا لم تعرف ولم تنكر فتسجو [فتسكن]"[29].

ومن الشواهد الشعرية التي أوردها ابن عبد ربِّه في العقد الفريد، التي ندرجها تحت بلاغة الإشارة قول محمود الوراق[30]:
إِنَّ العُيُونَ عَلَى القُلُوبِ شَوَاهِدٌ
فَبَغِيضُهَا لك بَيِّنٌ وَحَبِيبُهَا
وَإِذَا تَلاحَظَتِ الْعُيُونُ تَفَاوَضَتْ
وَتَحَدَّثَتْ عَمَّا تُجِنُّ قُلُوبُهَا
يَنْطِقْنَ وَالْأَفْوَاهُ صَامِتَةٌ فَمَا
يَخْفَى عَلَيْكَ بَرِيئُهَا وَمُرِيبُهَا

ن - بلاغةُ الإيجاز:
تحتل بلاغة الإيجاز مرتبة هامة في التعريفات، والشواهد التي جاء بها ابن عبد ربِّه الأندلسي، ومن ذلك:
• قيل: البلاغة لمحة دالة.
• قيل لغيره: ما البلاغة؟ قال: إقلال في إيجاز، وصواب مع سرعة جواب.

• ومن أمثالهم في البلاغة قولهم: يُقِل الحَزَّ ويطبق المِفْصل، وذلك أنهم شبهوا البليغ الْمُوجز الذي يُقل الكلام، ويصيب الفصول والمعاني، بالجزار الرفيق الذي يُقلُّ حَزَّ اللحم ويصيب مفاصله.

• قال بعضهم: إذا كفاك الإيجاز فالإكثار عيٌّ؛ وإنما يحسن الإيجاز إذا كان هوى البيان.
• وسُئل بعض الحكماء عن البلاغة، فقال: من أخذ معاني كثيرة فأدَّاها بألفاظ قليلة، وأخذ معاني قليلة فولَّد منها لفظًا كثيرًا، فهو بليغ.

• وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: إيجاز الكلام، وحذف الفضول، وتقريب البعيد[31].
• وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: التباعُد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير[32].

كما يورد ابن عبد ربِّه أبيات كثيرة تتغنَّى ببلاغة الإيجاز، ومن ذلك قول الشاعر:
خَيْرُ الكَلامِ قَلِيلُ
عَلَى كَثِيرِ دليل
والْعَيُّ مَعْنىً قَصِيرُ
يَحْوِيهِ لَفْظٌ طَوِيلُ

3 - آفاتُ البلاغة:
يذكر ابن عبد ربِّه الأندلسي جملة من عيوب البلاغة، وقد روى ما يلي: "وقال رجل للعتابي: ما البلاغة؟ قال: كل من بلغك حاجته، وأفهمك معناه بلا إعادة ولا حبسة ولا استعانة، فهو بليغ، قالوا: قد فهمنا الإعادة والحبسة، فما معنى الاستعانة؟ قال: أن يقول عند مقاطع كلامه: اسمع مني، وافهم عني، أو يمسح عثنونه، أو يفتل أصابعه، أو يكثر التفاته من غير موجب، أو أن يتساءل من غير سعلة أو ينبهر في كلامه.

وقال الشاعر:
مَلِيءٌ بِبُهْرٍ وَالْتِفَاتٍ وَسُعْلَةٍ ♦♦♦ وَمَسْحَةِ عُثْنُونٍ وَفَتْلِ الأَصَابِعِ
وهذا كله من العيِّ"[33].

فالحبسة آفة من آفات البلاغة، وهي ثقل يعتري اللسان فيمنعه من التواصل، كما أن "فتل الأصابع" و"مسح العثنون" عيبان من عيوب البلاغة، ويرتبطان بالمتكلم.

وقالوا: البيان بصر والعِيُّ عَمًى، كما أن العلم بصر والجهل عمى، والبيان من نتاج العلم، والعي من نتاج الجهل[34].

فالعي عيب من عيوب النطق، وهو خلاف البيان، وقد افتتح الجاحظ كتاب "البيان والتبيُّن" بالحديث عن "العي" لخطورته على البلاغة، والانحراف عنها، يقول: "اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلُّف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهَذَر [الكلام الكثير الرديء]، كما نعوذ بك من العي والحصر"[35].

وكان القدماء يعتبرون أن "العيي" عندما يتكلَّم يُدِلُّ (من الإدلال) بنفسه، والحق أن يصمت، فكأنما عَدُّوا "الصَّمْتَ" بلاغةً؛ يقول الحسن بن جعفر[36].
عَجِبْتُ لِإِدْلالِ الْعَيِيِّ بِنَفْسِهِ
وَصَمْتُ الَّذِي قد كَانَ بِالْحَقِّ أَعْلَمَا
وَفِي الصَّمْتِ سِتْر للعَيِيِّ وَإِنَّمَا
صَحِيفَةُ لُبِّ المَرْءِ أَنْ يَتَكَلَّمَ

وسمِع خالد بن صفوان رجلًا يتكلم ويُكِثر، فقال: اعلم رحمك الله أن البلاغة ليست بخفَّة اللسان وكثرة الهذيان؛ ولكنها بإصابة المعنى والقصد إلى الحجة، فقال له: أبا صفوان، ما من ذنب أعظم من اتفاق الصَّنعة[37].

وقال الشاعر عبدالله بن المبارك في "بلاغة الصمت":
صَمُوتٌ إِذَا مَا الصَّمْتُ زَيَّنَ أَهْلَهُ ♦♦♦ وَفَتَّاقُ أَبْكَارِ الكَلامِ الْمُخَتَّمِ[38]

4 - على سبيل الختم:
كانت هذه وقفة أشبه بحسو الطائر؛ لرصد بعض التعاريف البلاغية التي استقاها ابن عبد ربِّه من مختلِف المظانِّ العربية القديمة، خاصة المؤلفات المشرقية التي استأثرت بإعجاب الأندلسيين، وهي تعاريف تتغنَّى بالبلاغة المعيارية التي تمَّ اختزالها، وتحنيطها زمنًا طويلًا، وهذه الأفكار، والتعليقات البلاغية التي جاءت في كتاب "العقد الفريد" تتسم أغلبها بالعفوية، واليسر؛ لكنها مادة هامَّة للباحثين الذين ينتسبون للدرس البلاغي قديمه، وحديثه.
المصدر

المصادر والمراجع:
أ - المصادر:
1 - الأصفهاني (الراغب): مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم، ط 4، 2009.
1 - ابن (عبد ربِّه): العقد الفريد، تحقيق: مفيد محمد قميحة، وعبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3، 2006.
2 - الجاحظ (أبو عمرو): البيان والتبيُّن، وضع حواشيه مُوفق شهاب الدِّين، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1998.
3 - القرطاجني (حازم): منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق وتقديم: محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 3، 1968.

ب - المراجع:
1 - بليث (هنريش): البلاغة والأسلوبية، نحو نموذج سيميائي لتحليل النص، ترجمة وتقديم وتعليق: محمد العمري، منشورات دراسات، سال، الدار البيضاء، ط2، 1989.
2 - الركابي (جودت): في الأدب الأندلسي، مكتبة الدراسات الأدبية (22)، دار المعارف بمصر، ط 2، (بدون تاريخ).
3 - الطرابلسي (أمجد): نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة والأدب والتاريخ والجغرافيا، الجزء الأول اللغة والأدب، دمشق، ط 2، 1956.
4 - مشبال (محمد): البلاغة والأصول، دراسة في أسس التفكير البلاغي نموذج ابن جني، أفريقيا الشرق، 2007.
5 - ضيف (أحمد): بلاغة العرب في الأندلس، مطبعة مصر، ط 1، 1924.


[1] محمد حماني/ أستاذ بالتعليم الثانوي التأهيلي، مادة اللغة العربية، بجهة الدار البيضاء، سطات - المغرب.
[2] جودت الركابي: في الأدب الأندلسي، ص 88.
[3] أمجد الطرابلسي: نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة والأدب، ص 166.
[4] الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص 86: "أكثرُ ما يقالُ أُمَّات في البهائم ونحوها، وأمَّهات في الإنسان".
[5] أحمد ضيف: بلاغة العرب في الأندلس، ص 92 - 93.
[6] لقد حَقَّقَ عنوانَ الكتابِ الشاهدُ البوشيخي في كتابه: "مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيُّن للجاحظ".
[7] ابن عبد ربِّه: العقد الفريد، 2/122 - 123.
[8] نفسه، 4/272 - 273
[9] نفسه، 1/4 - 5.
[10] حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص88.
[11] هنريش بليث: البلاغة والأسلوبية، نحو نموذج سيميائي لتحليل النص، ترجمة وتقديم وتعليق د. محمد العمري، ص 13.
[12] محمد مشبال: البلاغة والأصول، ص 6.
[13] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 2/125.
[14] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 2/125.
[15] نفسه.
[16] نفسه.
[17] نفسه، 2/125.
[18] نفسه.
[19] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 4/254.
[20] نفسه، 2/256.
[21] نفسه، 4/257.
[22] نفسه، 4/267.
[23] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 4/276.
[24] نفسه، 4/271.
[25] نفسه، 4/273.
[26] نفسه، 4/274- 275.
[27] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 4/281.
[28] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 2/204.
[29] نفسه.
[30] نفسه.
[31] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 2/124.
[32] نفسه، 4/37.
[33] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 2/126.
[34] نفسه، 2/4.
[35] نفسه، 1/7.
[36] نفسه، 2/127.
[37] نفسه، 2/122.
[38] ابن عبد ربه: العقد الفريد، 2/304

رد مع اقتباس