الخاتمة
تلك القضيّة وهذه مشكلاتها؛ فإذا بقي الأمر على حاله، فكيف ستعود العربيّة لغة علمٍ وحضارةٍ، ونحن انسلخنا من عروبتنا ولبسنا أثواب غيرنا؟ لقد كان الخلفاء السّابقون حريصين على عالميّة اللغة يوم أنشؤوا المكتبات ودور الترجمة، وكانت للعلماء مكانة عَلِيَّةٌ ورعاية حظيّة في بلاطاتهم.
هل سيفكر ساسة اليوم بجدوى العربيّة في التعليم الجامعي؟ أهو عيب أن يكون فينا قِيْد أُنْمُلة من عروبة، أم هي عوامل خارجية فوق إرادتنا، تُحرّكنا كيف تشاء؟!!
وهل تستطيع السّفاراتُ العربيّةُ أنْ توظّف أجهزتها لخدمة العربية، كما الأقوام يخدمون لغاتهم؟!! وهل ستفعّل جامعة الدول العربية دور مكتب التنسيق التابع لها عن طريق أجهزتها ودوائرها المختلفة؟ وخاصّة أنّ تنسيق المصطلح العلمي بالعربيّة وتوحيده كان من الأهداف التي تطلّعت الجامعة إلى تحقيقها([71])، فكان أنْ وَضَعت معاهدةً ثقافيّة بين الدّول العربيّة سنة 1945م، نصّت بعض بنودها على أنّ توحيد المصطلحات مَنوط بالمجامع والمؤتمرات واللجان المشتركة، وبالنشرات التي تنشرها هذه الهيئات. بل إنّ ميثاق الوحدة الثقافيّة الذي أقرّه مجلس جامعة الدول العربيّة سنة 1964م، نصّ "على السّعي لتوحيد المصطلحات العلميّة والحضارية ودعم حركة التعريب"([72]).
من المسؤول في النهاية عن هذا الشّتات اللغويّ الذي يعصف بلغتنا - لغة العلم والحضارة- المجيدة؟
هذه مسائل -لا شكّ- مرتبطة بعقيدتنا وديننا، فإذا ما وُجدت العقيدة في قلوب أهلها ولم تُفَرّغ من مضمونها، فساعتئذ يكون للعربيّة شأن آخر!!
لذلك، فإنّ كلّ المحاولات الكثيرة والحثيثة نحو تعريب المصطلح العلميّ وتوحيده فرديّةً كانت أو جماعيّةً، مؤسّسيّةً أو مجمعيّةً، لم تحقّق أهدافها من قريب أو من بعيد، بل زادت الطّين بِلّة في إيجاد مترادفات متعدّدة ومتنوّعة للمفهوم الواحد، غدا إزاءها الدّارس في حيرة في التّعامل مع هذا المصطلح أو ذاك، فكانت النتيجة المنتظرة من ذلك كلّه –بحسب تعبير العالم اللغوي المغربي أحمد الأخضر غزال (1917-2008م)- "هزيلةً إذا قورنت بضخامة المشكلة، وبالمجهودات الصّادقة التي تبذل"([73]).
وهكذا، فإنّ الأزمةَ يمكن التّحلّل منها بظهور وحدة عربيّة شاملة، وإنْ بقيت طموحًا لكلّ عربيّ مخلصٍ ظلّت الأزمة قائمةً تراوح مكانها. فلله كم من جهودٍ بُذلت، وأموالٍ صُرِفت، وأقلامٍ رُفعت، وصحفٍ جَفّت، وعيونٍ عَشِيت، وقاماتٍ تقوّست، دون أنْ تُكافأ بردِّ جزءٍ من جميلِها إليها؛ وإنّه لو بقيت هذه الكفاءات تعمل ليل نهار في غياب دولةٍ وقرارٍ، فلن تؤتي أكلَها أبدًا.
ولعلّ من أهمّ النتائج التي انبثقت عن النّدوات والمؤتمرات الخاصّة بعمليّة التعريب -كما يقول الدكتور عبد الكريم خليفة- "أنّ قضيّة التعريب قضيّة تَتّصل من حيث الأساس بالإرادة السياسيّة للدولة، وبقرار سياسيّ تتخذه الدولة في أعلى مؤسّسات السّلطة"([74])، وهذه لا تبعد كثيرًا عن مسألة نَشْر المصطلح وتَعْميمه بعد توحيده من قريب ولا من بعيد.
************************
مصادر البحث ومراجعه
1.الأفغاني؛ سعيد، (1971): من حاضر اللغة العربية، ط2، دار الفكر، بيروت.
2.أنيس؛ إبراهيم، (1979): الأصوات اللغوية، ط5، مكتبة الأنجلو المصريّة.
3.ـــــ، (1966): من أسرار اللغة، ط3، مكتبة الأنجلو المصريّة.
4.بدوي؛ عبد الرحمن، (1993): موسوعة المستشرقين، ط3، دار العلم للملايين، بيروت.
5.جمعة؛ محمد لطفي، (1345هـ): تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب، المكتبة العلميّة، بيروت.
6.الجندي؛ أنور، (د.ت): الفصحى لغة القرآن، دار الكتاب اللبناني، بيروت.
7.حجازي؛ محمود فهمي، (1993): الأسس اللغوية لعلم المصطلح، مكتبة غريب، القاهرة.
8.الحمزاوي؛ محمد رشاد، (1986): العربيّة والحداثة، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
9.خليفة؛ عبدالكريم، (1987): اللغة العربيّة والتعريب في العصر الحديث، ط1، منشورات مجمع اللغة العربية، عمّان.
10.الزركان؛ محمد علي، (1998): الجهود اللغويّة في المصطلح العلمي الحديث، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق.
11.السامرائي؛ إبراهيم، (1982): العربية تواجه العصر (الموسوعة الصغيرة 105)، دار الجاحظ للنشر، بغداد.
12.السعران؛ محمود، (د.ت): علم اللغة مقدمة للقارئ العربي، دار النهضة العربية، بيروت.
13.الشّهابي؛ مصطفى، (1965): المصطلحات العلميّة والفنيّة في اللغة العربيّة في القديم والحديث، ط2، مطبوعات المجمع العلمي العربي، دمشق.
14.عبدالعزيز؛ محمد حسن، (1988): مدخل إلى اللغة، ط2، دار الفكر العربي.
15.علام؛ محمد مهدي، (1966): مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا (المجمعيون)، ط1، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة.
16.عياش؛ عبد القادر، (1985): معجم المؤلفين السّوريين في القرن العشرين، ط1، دار الفكر، دمشق.
17.غزال؛ أحمد الأخضر، (1977): المنهجية العامّة للتعريب المواكب، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، الرباط.
18.كرد علي؛ محمد، (1926): خطط الشام، مطبعة الترقّي، دمشق.
19.مجمع اللغة العربية الأردني، (1995): مصطلحات التموين والنقل، ط2، منشورات المجمع، عمّان.
20.ــــــ، (1994): مصطلحات المشاة، ط2، منشورات المجمع، عمّان.
21.ــــــ، (1995): مصطلحات سلاح الهندسة، ط2، منشورات المجمع، عمّان.
22.ــــــ، (1995): مصطلحات الدروع، ط2، منشورات المجمع، عمّان.
23.ــــــ، (1995): مصطلحات المدفعيّة، ط2، منشورات المجمع، عمّان.
24.ــــــ، (1995): مصطلحات اللاسلكي، ط2، منشورات المجمع، عمّان.
25.ــــــ، (1995): مصطلحات المساحة، ط2، منشورات المجمع، عمّان.
26.ــــــ، (1998): مصطلحات ميكانيك السيّارات، ط1، منشورات المجمع، عمّان.
27.مجمع القاهرة، (2002): مجموعة القرارات العلمية والفنية، ج42، الإدارة العامّة للتحرير والشّؤون الثقافيّة، القاهرة.
28.ـــــ، (1984): مجموعة القرارات العلميّة في خمسين عامًا (1934-1984)، أخرجها وراجعها محمد شوقي أمين، وإبراهيم التّرزي، الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة.
29.وافي؛ علي عبد الواحد، (1984): علم اللغة، ط9، دار نهضة مصر.
الدوريات
30.الحمد؛ علي، (2000): في المصطلح العربي: قراءة في شروطه وتوحيده، مجلة التعريب، ع20، دمشق.
31.حيدر؛ فريد، (2001): توحيد ترجمة المصطلح في الوطن العربي، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية (الحولية 22)، جامعة الكويت.
32.ستيتية؛ سمير، (1992): نحو معجم لساني شامل موحّد، أبحاث اليرموك، م10، ع2، جامعة اليرموك، إربد.
33.عمر؛ أحمد مختار، (1989): المصطلح الألسني العربي وضبط المنهجية، عالم الفكر، م20، ع3، الكويت.
34.القاسمي؛ علي، (1986): المصطلح الموحد ومكانته في الوطن العربي، مجلة اللسان العربي، ع27، الرباط.
الشّابكة العالمية
35.موقع مكتب تنسيق التعريب
(http://www.arabization.org.ma/nachaa.asp)
36.اليافي؛ عبد الكريم، دَوْر التعريب في تأصيل الثقافة الذاتيّة العربيّة،
(http://www.dahsha.com/viewarticle.php?id=26470)