المصطلح الألسني
ليس المصطلح الألسني بِدْعًا من بين المصطلحات التي تتوافق وتختلف، بل هو كغيره منها ازدواجيّة وتعدّدًا، وأضرب عليه أمثلة تَمّ نَقْلها أو تَعريبها إلى العربية بصور متعدّدة([31]):
1.(Phoneme): فونيم، وصَوْتم، وصَوْتيم، وصَوْتيّة.
2.(Morpheme): مورفيم، وصَيْغم، وصَرْفيم، وصَرْفيّة.
3.(Bilabial): شفتاني، وشفويّ، من بين الشّفتين، شفوي ثنائي، شفوي مزدوج.
4.(Lexeme): وحدة معجميّة، لكسيم، مفردة، مفردة مجردة، مأصل، معجميّة.
وقد اختار الدكتور أحمد مختار عمر من بين هذه المقابلات: فونيم، ومورفيم، وشفتاني، ومأصل. أما الدكتور سمير ستيتية فقد اختار للمصطلح (Phoneme) المقابل (صوتون)، واعتبره أدقّ تعريب لهذا المصطلح، يقول([32]): "وهو تعريب نقترحه ونبنيه على عدّة اعتبارات، منها أنّ اللاحقة العربية (الواو والنون)، تعني ما تعنيه اللاحقة اللاتينية الموجودة في المصطلح الإنجليزي؛ فإنّ الواو والنون في كلمة (صوتون) تدل على التصغير، وذلك كما في خلدون وزيدون وعبدون...".
واقترح مصطلحًا آخر يكون تعريبًا لكلمة (ألوفون) هو (صُوَيتون)، ولكلمة (مورفيم) صَرْفون، ولكلمة (ألومورفيم) صُرَيفون، وللمصطلح (مورفوفونيم) صَرْصَوْتون، وللمصطلح (ألومورفوفونيم) صَرْصُوَيتون.
وتعدّى الاختلاف في صوغ المصطلح حتى عند الأفراد أنفسهم؛ فقد استخدم الدكتور إبراهيم أنيس للمصطلح (Consonant): (الساكن) في كتابه الأصوات اللغوية، و(حرف) في كتابه من أسرار اللغة. وللمصطلح (Vowel): (صوت اللين) في الكتاب الأول، و(حركة) في الثاني([33]).
أمّا الدكتور علي عبد الواحد وافي، فقد استخدم للمصطلح الأول (Consonant) عدّة مقابلات هي: الحروف السّاكنة، والسّاكن، والأصوات السّاكنة. وللمصطلح الثاني (Vowel) استخدم المقابلات: حرف المد، وأصوات المد، وأصوات مد، وأصوات لغة، وأصوات لين، وحروف لين، والأصوات المدية([34]).
وأعتقد أنّ مسألة توحيد المصطلحات ليست بالأمر السهل وقد تأخذ وقتًا طويلاً، إلا إذا أُسندت مهمات وضع المصطلحات إلى المؤسسات اللغوية، لتصدر في النهاية عن فريق عمل متخصص لغويًا وعلميًا. لكنّ بطء حركة المجامع والمؤسسات اللغوية، يدفع بالأفراد إلى خوض هذا الميدان، سواء أكانوا على فهم ودراية بعلم المصطلح وما يتعلّق به أم لا.
وقد عزا الدكتور سمير ستيتية هذه المصطلحات اللسانية المعرّبة وعدم دقّتها أو صحّتها إلى أنّ بعض النشاطات التعريبية للمصطلح اللساني غير مبنيّة على قواعد علم المصطلح فرديّة كانت أو جماعيّة، وأنّ كثيرًا من النشاطات التعريبية غير مبنيّ على النظر العميق لطبيعة المفهوم الذي يعبّر عنه المصطلح؛ فكثيرًا ما يُختار اللفظ العربي ليناسب المعنى الحرفي للكلمة التي جعلت مصطلحًا([35]).
ويرى([36]) كذلك أنّ عدم التعمّق في النظر إلى مضمون المصطلح اللساني، يؤدي إلى وجود تعريب غير مقبول له. وكثيرًا ما كان عدم التعمّق هذا يؤدي إلى الهروب من عملية التعريب، وذلك باستعمال اللفظ الأجنبي كما هو، وإما إلى تعريب شطر منه والإبقاء على شطره الآخر بصورته الأجنبية، وإما على عدم الاستقرار على صيغة واحدة.
وقد ضرب الأمير مصطفى الشّهابي في مقدّمة حديثه عن توحيد المصطلحات العلميّة([37])، أمثلة كثيرة على ألفاظٍ لا يوجد اتفاق عليها بين البلاد العربيّة، في مجال المصطلحات الحقوقيّة والسّياسيّة، والعسكريّة، ومصطلحات علم الطّبيعة (الفيزياء)، وعلم النبات، ...الخ، ليقرّر في النهاية أنّ الألفاظ العلميّة المُختلَف عليها لا تُعدّ ولا تُحصى، بل إنّ الأمثلة التي ضربها ليست عنده سوى غيض من فيض.
المجامع اللغويّة
تعدّ المجامع اللغوية المؤسسات اللغوية الوحيدة، التي بإمكانها أن تساعد على توحيد المصطلح العلمي العربي وإذاعته ونَشْره، فلكلّ مَجمع منها لجانُه المختصّة التي تعقد لقاءات دوريّة. وقد صدر عن هذه المجامع كثير من المصطلحات العلمية في كل مجال على حدة، لكن العيب في ذلك كله هو غياب الوحدة في تنسيق المصطلحات وإقرارها عن أكبر مؤسسات لغويّة في الوطن العربي، بالرغم من وجود اتحادٍ لهذه المجامع اللغوية. يقول الدكتور عبدالكريم خليفة([38]): "كان القصدُ الأسمى من انبعاث حركة المجامع، العملَ لإعداد لغة قوميّة شاملة في مفرداتها واصطلاحاتها الاستعمالية، التي تجري مجرى الوسائط في تأدية الغرض العلمي".
وكان مجمع اللغة العربية في دمشق أسبق هذه المجامع وجودًا، وكان منذ إنشائه في العهد الفيصلي سنة 1919م، مثار إعجاب الناس في بلاد الشام، خاصة وأنّ سوريّة منها كانت خرجت من الحرب الأولى، مثقلة بجرائم سايكس وبيكو، اللذين قَسّما تلك البلاد إرثاً بين فرنسا وبريطانيا- لترزح تحت الاحتلال الفرنسي ربع قرن من الزمان تقريبًا. لكن عزيمة العلماء ما توانت ولا انتكست، فكان المجمع خلال الخمسة عشر عامًا الأولى لتأسيسه (1919-1934)، لعب دورًا مشرّفًا في خدمة العربية، وكان نشوؤه "صورة حقيقية لمسيرة التعريب في الوطن العربي، وتوافقها مع حركة التحرر والانعتاق من نير الأجنبي"([39])، علمًا بأن اللغة التركية كانت اللغة الرسمية للبلاد.
أسهم هذا المجمع في ميادين متعدّدة تهمّ جوانب مختلفة في الحياة الحياتيّة والرّسميّة في بلاد الشّام، وقد تجلّى إسهامه في الميادين الآتية([40]):
أوّلاً: تزويد المصالح الحكومية بما تحتاج إليه من مصطلحات فنية وإدارية، فكانت هذه المصالح ترسل إلى المجمع قوائم، تدرج فيها ما تستعمله من مصطلحات أجنبية تركية وغير تركية، فتبحث لجان المجمع عما يقابلها من العربي الصحيح، وتقرّ بعد الدراسة وتعاد إلى الجهة المرسلة، فيأمر المسؤولون بإحلالها محلّ الأولى، وتجري بها الأقلام في الدواوين الرسمية، ومن ثمّ يتلقفها الأفراد وتحيا في المجتمع.
ثانيًا: لم يقتصر عمل المجمع المتقدم على الدوائر الرسمية، بل كان المجمع يلبي رغبات الأفراد والصحف والجمعيات غير الرسمية، بكل ما تطلبه من مفردات فصيحة، تقابل ما يستعمله الناس عامة وأرباب الصناعة خاصة في شؤونهم اليومية، وما يجدّ من حاجات الحياة كلّ يوم، أو يرد من آلات حديثة وماعون،...الخ
وهكذا واجهت العربية أعظم امتحان في سورية في ذلك الوقت، وخرجت منه أصلب عودًا وأكثر متانة، يقوم على ذلك علماء أجلاء نذروا ما عندهم لخدمة هذه اللغة الشريفة، وبفضل هؤلاء العلماء ما صدرت من هذا القطر العربي دعوة فيها إساءة –أيّ إساءة- إلى العربية، كما حصل في بعض البلاد العربية الأخرى، غير متناسين ما كانت تسعى إليه الأحزاب والجمعيات من محاولة تتريك كلّ ما يمتّ إلى العربية بصلة، وهذا ما حصل في تركيا بعد إلغاء الخلافة الإسلامية من استبدال الحروف العربيّة بحروف لاتينيّة، لتكون أول دولة عَلمانية تؤسّس في العصر الحديث، تفصل مقوماتها اللغوية والدينية والتاريخية عن سائر الحياة العامة.
وإذا كان من جهود موحّدة تجاه المصطلح العلمي، والتُزِم به كتابة واستعمالاً، ما كان يدفع به المجمع العلمي العربي بدمشق من مصطلحات معرّبة إلى الحياة، وكانت تتلقّفه العقول والأيدي بغَيرة حميدة، هدفها إشهار الكلمة العربية والخلوص من كلّ ما هو أجنبي.
وسأضرب هنا بعض الأمثلة لبعض المصطلحات من التركية أو الفرنسية كان المجمع حريصًا على نقلها إلى العربيّة واستخدامها، من ذلك: النّيشان (شارة الرّتب): الطّراز، قوردون (يعلّق على الكتف من تحت الإبط): وشاح، جزمة: سوقاء، كندرة: حذاء، بنطلون: محزقة وسراويل ضيقة، جاكيت: رداء، كبوت برأس: برنس، كبوت بلا رأس: دثار، كلبشة (سوار حديد في أيدي المسجونين): جامعة، دوسية: إضبارة، تلفون: هاتف، قولا أدكه ريت (كوخ خشبي صغير للخفير): محرس، سنترال تلفون: مفرّق، زيل (جرس التلفون): جلجل. وهذه المصطلحات([41]) طلبتها من المجمع مديرية الشرطة، وأقرّها في جلسته يوم 25/1/1922م.