الشمقمقية : شرح مختصر من شرح الشيخ الحسني ( 18)
نواصل اختصارنا لشرح الشيخ عبد الله كنون الحسني - رحم الله والديّ ورحمه - لأرجوزة (الشمقمقية) يقول الناظم مواصلا مدحه للشعر :
209 – وقد حبا كعبا غداة مدحه *** ببردة ومائة من أينق
((حباه يحبوه : أعطاه والحباء العطاء. وكعب : هو ابن زهير أحد شعرائه صلى الله عليه وسلم. وغداة : ظرف لحبا. ومدح كعب للنبي صلى الله عليه وسلم ورضي عن كعب : كان بقصيدته (بانت سعاد) المشهورة. وقد أجازه عليها كما قال الناظم ببردة ومائة من الإبل،وعفا عنه بعد ما كان أهدر دمه،وقد بقيت البردة عنده،وساومه عليها معاوية بعشرة آلاف درهم فأبى،ثم اشتراها من ورثته بعشرين وبقيت عند الخلفاء إلى أن فقدت في فتنة التتار.))
210 – وبشر الجعدي وابن ثابت *** بجنة جزاء شعر عُنْسُقِ
((يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم للنابغة الجعدي لما أنشده قصيدته الرائية التي مدحه بها،فبلغ هذا البيت :
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا *** وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
إلى أين يا أبا ليلى؟ فقال الجنة يا رسول الله،فقال نعم إن شاء الله. وإلى قوله لحسان بن ثابت لما أنشده همزيته التي أجاب فيها أبا سفيان بن الحرث،فبلغ هذا البيت :
هجوت محمدا وأجبت عنه *** وعند الله في ذلك الجزاء
"جزاؤك الجنة يا حسان". وعُنْسٌق : في النظم كقنفذ،معناه : حسن.))
211 – كم خامل سما إلى العلا *** ببيت مديح من بليغ ذَلِق
212 – مثل بني الأنف ومثل هرم *** وكالذي يُعرف بالمُحلق
((الخامل : ضد النابه،وقد خمل من باب دخل. وسما مثل علا وزنا ومعنى. والعلا : الرفعة والشرف. والذلق : الفصيح. ويقال الذليق أيضا بالياء. وبنو أنف الناقة هم بنو جعفر بن قريع من بني تميم كانوا يدعون بني أنف الناقة فيأنفون من ذلك،وكان الرجل منهم ينتسب إلى جده قريع،ويتجاوز النسبة إلى جعفر فرارا من ذلك اللقب،إلى أن مدحهم الحطئية بقوله :
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم *** ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
فصار اللقب فخرا لهم،وصاروا إذا ذكروه يمدونه تطاولا به. أما هرم فهو ابن سنان المري أحد سادتهم ، وكان أخوه خارجة أسود منه لكنه بمدح زهير له غطى على أخيه وكان جوادا أريحيا. وأما المحلق : فهو رجل من بني كلاب،وكان مقلا خاملا وله بنات قد عنسن،فمر به الأعشى ذاهبا إلى عكاظ،فتعرض له المحلق وأنزله،ونحر له ناقة وسقاه خمرا اقترضها من أحد التجار ثم غدا على عكاظ فأنشد قصيدة مدح في المحلق،وفيها :
لعمري لاحت عيون كثيرة *** إلى ضوء نار في يفاع تحرق
تشب لمقرورين يصطليانها *** وبات على النار الندى والمحلق
فاشتهر المحلق وشرف،وبادر الأشراف يخطبون بناته ويرغبون في قربه فما مرت عليهن سنة حتى كانت كل واحدة في عصمة رجل أشرف من أبيها بكثير.))
213 – وكم وكم حط الهجا من ماجد *** ذي رتبة قعسا وقدر سمق
214 – مثل الربيع وبني العجلان مع *** بني نمير جمرات الحرق
(( كم الثانية توكيد للأولى. وحط : وضع. والهجاء : ضد المدح وقصره ضرورة. ومن ماجد : تمييز كم. وقعساء : ثابتة وقصر ضرورة. وسمق: عال. والربيع : هو ابن زياد العبسي،نديم النعمان بن المنذر. وكان منه بمكانة،فوفد على النعمان عامر بن مالك ملاعب الأسنة وإخوته،فغض الربيع منهم،وطعن للنعمان فيهم،فخرجوا من عنده مغضبين. وكان لبيد صبيا صغيرا يومئذ وهو معهم،فرآهم على تلك الحال،فسألهم،فأخبروه،فقال : أنا أكفيكموه فغدوا على النعمان فأذن لهم فدخلوا،فأنشده والربيع معه على المائدة :
أبيت اللعن لا تأكل معه (؟؟؟؟؟) في أبيات مقذعة،فأنف النعمان من مواكلته وأقصاه عن مجلسه. وبنوالعجلان: هم من بني عامر بن صعصعة،ولقب أبوهم بالعجلان لتعجله لقرى الضيوف فهو لقب مدح،ثم لما هجاهم النجاشي الشاعر بقوله :
وما سمي العجلان إلا لقولهم *** خذ القعب واحلب أيها العبد
صار ذما،وانقلب معناه. وأما بنو نمير فهم من عامر بن صعصعة أيضا وهم إحدى جمرات العرب الذين لم يحالفوا أحدا لعزتهم ومنعتهم،وكان الرجل منهم إذا سئل عن نسبه قال نميري وفخمها،وأمال عنقه فخرا،حتى هجاهم جرير بقوله :
فغض الطرف إنك من نمير *** فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فصاروا ينتسبون إلى عامر الجد الأعلى. وقوله : جمرات الحرق،إنما يرجع لبني نمير،وأضافها للحرق للمناسبة. وجمرات العرب ثلاثة : بنو نمير،وبنو ضبة،وبنو الحارث بن كعب.)):
215 – لو لم يكن للشعر عند من مضى *** فضل على الكعبة لم يعلق
((يشير إلى القصائد السبع المعروفة بالمعلقات،وما قيل في سبب تسميتها بذلك من أنها كانت مكتوبة في القباطي بماء الذهب،ومعلقة على الكعبة،وذلك لنفاستها عندهم))
216 – لو لم يكن فيه بيان آية *** ما فسرت مسائل ابن الأزرق
((ابن الأزرق : هو نافع الحنفي،رئيس فرقة الخوارج المعروفة بالأزارقة،ومسائله هي كلمات من القرآن،سال ابن عباس عن معناها ففسرها له جميعا،وكان في كل كلمة يسأله هل تعرف العرب هذا؟ فينشد على ذلك بيتا من الشعر وقد ذكرها المبرد وغيره فلا نطيل بها))
هذا من حسن ظن الشارح بنا!!!!!!!
217 – وما هو إلا كالكتابة وما *** فضلهما إلا كشمس الأفق
218 – وإنما نزه عنهما النبي *** ليدرك الإعجاز بالتحقق
((يعني أن الشعر هو كالكتابة في الفضل،وفضلهما لا يخفى كما لا تخفى شمس الأفق : أي السماء. وإنما نزه عنهما النبي صلى الله عليه وسلم أي عن الشعر في قوله تعالى : "وما علمناه الشعر وما ينبغي له"،وعن الكتابة في قوله عز وجل : "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك".))
إلى للقاء في الحلقة القادمة .. إذا أذن الله.
أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني