وجوه من الإمارات ... ماجد بوشليبي أمين عام المنتدى الإسلامي:
المصدر : (حوار: محمد ولد محمد سالم)
ماجد بوشليبي وجه ثقافي إماراتي معروف، ولد في المريجة في الشارقة ،1959 حاصل على الماجستير في الاقتصاد من أكاديمية السادات ،2005 تولى مناصب إدارية عدة منها نائب مدير عام بلدية الشارقة، ومدير عام دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، ومدير دائرة الأوقاف في الشارقة وهو حالياً أمين عام المنتدى الإسلامي في الشارقة، وبوشليبي كاتب متعدد الاهتمامات له مسرحيات منها حمدوس وأبيض وأسود والمجدور وأعد للمسرح ثورة الموتى وطير السعد، وله قصص منها الأرملة والمهر وحبة البندق وفاطمة وله دراسات اقتصادية واجتماعية منها: اقتصاد التعاونيات والاقتصاد الإبداع، كما أنه متمرس في كتابة المقالة الصحافية، وله عمود في الخليج الثقافي بعنوان رأي ثقافي، لمعرفة الجانب الآخر من حياة هذا الكاتب، والاقتراب أكثر منه، كان للخليج الحوار الآتي معه:
طفل الستينات كان خياله متقداً لاحتياجه إلى اختراع ألعابه
منحت أبنائي حرية كاملة لا يقيدها إلا احترام القيم
مشاهد سنوات الإدراك الأولى تعلق بالذاكرة، فماذا تذكر من حياتك الأولى؟
ولدت في منطقة المريجة في الشارقة على شاطئ البحر في جو عائلي فيه اهتمام بالعلم والشعر، فقد كان جدي شاعراً وراوية للشعر، وفي عشيرتي رجال من أهل العلم والدين، التحقت بالكتاب وأنا حدث لا أكاد أدرك، رغم ذلك أتذكر جيداً ملامح معلمتى المطوعة فقد كانت شابة فتية صارمة لا تفارق العصا يدها، كما أتذكر الشارقة القديمة بمبانيها التقليدية والحصن والرولة والساحات الواسعة المفتوحة على البحر، ذلك البحر الذي نشأت بيني وبينه صداقة قوية، وتعلمت السباحة فيه ومارست مع أصدقائي كل الألعاب المتعلقة به، فقد كنا نحاكي الشباك والقوارب وكل أدوات الصيد .
تعني أنه لم تكن لديكم ألعاب جاهزة؟
كلا . . لم تكن لدينا، بل كنا نخترع الألعاب على هيئة ما نراه ونتخيله من بيئتنا وبما تتيحه لنا هذه البيئة من مواد أولية، وكان ذلك فاعلاً في توسيع خيالاتنا، وهذا فرق جوهري بين أطفال الستينات وأطفال هذه الأيام، خيال الطفل في تلك الأيام كان متقداً مشتعلاً طيلة الوقت لأنه بحاجة إلى اختراع ألعابه، أما اليوم فالألعاب تشترى جاهزة وتقدم للطفل بكل الأنواع والأشكال فلا يحتاج إلى تنشيط ذهنه، وهو ما يبطئ نموه العقلي، وأذكر أن اللعبة الوحيدة التي تلقيتها جاهزة هي دراجة اشتراها لي أبي وكنت أركبها وأسوقها في الطرقات، ومع ذلك لم أُجِد سياقتها إجادتي للسباحة في البحر التي برعت فيها كثيراً أو إجادتي لصناعة الألعاب من العلب الفارغة وأدوات الصيد وغيرها لألعب بها أنا وأصدقائي .
يبدو أن البحر أثر فيك بشكل عميق؟
البحر أثر في حياتي لأني جاورته تقريباً على مدى كل فترات عمري وحتى حين سافرت مع عائلتي إلى الكويت جاورنا البحر هناك، لكنه لم يكن الفضاء الوحيد الذي أثر في، فقد كنت متجاوزاً إلى السنة الثانية من المدرسة وأنا يومئذ ابن ست سنوات عندما لحقنا بوالدي في الكويت التي استقر فيها للعمل في شركة نفط الكويت، وأذكر جيداً أول مرة سافرت فيها بالطائرة من مطار الشارقة القديم وكانت على متن مروحية وكنا نسميها أم أحمد، وفي الكويت تعرفت على نمطين: حياة أهل الصحراء وحياة أهل البحر، فقد جاورنا كلا الطائفتين على فترتين متفاوتتين، وقد أكسبتني هذه التجربة كثيراً، وهناك عناصر مشتركة بين الفئتين منها الجلد على الحياة والمصابرة والمثابرة في العمل وعشق البيئة والارتباط بها، ومنها أن كلا الفضائين يترك في النفس صفاء ويبعث على التأمل الدائم ويثير الخيال للإبداع على عكس الفضاءات المغلقة والضيقة كالمدينة التي تحد من الرؤية البصرية ولا تساعد على إطلاق الخيال .
كيف وجدت الإمارات عند رجوعك إليها؟ وهل تغيرت المدينة عما تركتها عليه؟
صادف رجوعنا من الكويت في بداية السبعينات قيام دولة الاتحاد وما صاحب ذلك من تغييرات جذرية في العمران وفي نظام التعليم والحياة الاجتماعية وحتى النفسية . كانت الشارقة مدينة قديمة على الساحل، وكان معمارها التقليدي يتكون من بيوت سعف النخيل وبيوت الطين، وقد أخذ الطابوق يغزوها آنذاك، وبدأت تتسع في اتجاه الصحراء وتستقطب المهاجرين من مختلف الدول الآسيوية والعربية من عمال ومدرسين وإداريين وتجار، وبعد عودتنا بنى أبي بيتاً من الطابوق فانتقلنا إليه .
مغامرة الكتابة
لا بد أنك عند عودتك قد تجاوزت المرحلة الأساسية؟
مع رجوعنا انتقلت إلى الإعدادية ثم إلى الثانوية، وفي هذه المرحلة تقل اهتمامات الطالب باللعب، وتبدأ مراحل النضج العقلي والاهتمامات الفكرية، وقد أسسنا مجلة أسميناها مجلة العروبة وكنت رئيس تحريرها، وكنا نعمل تحت توجيه أستاذ للغة العربية اسمه فتحي عبد المقصود، ولم يكن أساتذتنا يومئذ مجرد مدرسين عاديين، بل كانوا مثقفين وأدباء من درجة راقية، وكانوا يحملون هم الثقافة والعلم وكثيراً ما ينقلون هذا الهم إلى تلاميذهم، وأشك في أن هذه الخاصية ما زالت موجودة اليوم، وإن وجدت فربما تكون من النوادر، وكان هذا التشجيع الذي نلقاه من مدرسينا يدفعنا إلى المطالعة الدائمة والدخول في مغامرة الكتابة، وأذكر أن حماسي للكتابة في تلك الفترة قادني للفوز في مسابقة للقصة القصيرة، وفي مسابقة الكأس لمين في إذاعة عجمان، وتم اختياري من ضمن خمسين من أفضل الطلاب العرب في كتابة القصة القصيرة وذلك في مسابقة نظمتها مجلة النهضة الكويتية .
كنتم تنجزون أشياء رائعة
كانت إنجازات رائعة، لكنها لم تكن غريبة بحكم أننا كنا ندرس كتباً أدبية رفيعة مثل كتاب الأيام لطه حسين و كتب العبقريات لعباس محمود العقاد، وأذكر أننا قرأنا كتاباً لا أذكر مؤلفه عنوانه الرسالة العاشرة وهو رسالة من ولد مهاجر إلى أبويه وقد تأثرت بطريقة السرد وجمال اللغة في هذا الكتاب، وكنا أيضا ندرس المعلقات وغيرها ونتبارى في حفظها، وفي الخطابة، وكنت معروفاً بين الطلاب بإجادتي للفصحى .
أين هي تلك الكتب والنصوص اليوم؟ لم تعد موجودة في مقررات الإعدادية ولا الثانوية، لم يعد الطالب يتغذى بهذه الأساليب الرفيعة والأدب الجميل الذي يذكي في النفس الحماسة للتفكير والإبداع، ولم يعد هم العلم والطموح يحمله إلى الإنجازات العظيمة، وحين اختفت تلك النصوص اختفت معها الهمة العالية وأصبح الاهتمام منصباً على ألعاب الفيديو والإنترنت والجوال ومعرفة أسماء اللاعبين واقتناء صورهم وغير ذلك من الاهتمامات الهامشية .
مع هذه المثابرة لن تكون شهادة الثانوية العامة شيئاً عسيراً؟
الشهادة العامة في عمر الطالب مرحلة تحول حقيقي، وربما تكون الرهبة الطبيعية التي تأخذ الطالب خوفاً من الفشل والتهويل من شأن الامتحان من طرف المدرسين والأهل أشد من الامتحان نفسه، وقد كانت لي مع هذه الشهادة تجربة خاصة ففي الأشهر الثلاثة قبل الامتحان حبست نفسي في البيت للمراجعة وكنت لا أخرج إلا إلى الدروس، وخلال شهرين كاملين أنجزت المقرر، وأخذت في الشهر الباقي أخرج كل مساء إلى الملعب وألعب الكرة، وكان ذلك بمثابة تنفيس للضغط الواقع علي، وإخراج لشحنة الخوف من نفسي، ولم يأت الامتحان إلا وأنا مرتاح واثق مما حصلته، فخضت التجربة بنجاح .
بدأت مرحلة النضج إذن؟
كان لدي طموح لدراسة القانون أو الصحافة في الخارج، لكن نجاحي في الشهادة صادف افتتاح جامعة الإمارات فكنت ضمن أول دفعة تدخلها سنة ،1977 وكانت فترة الجامعة من أغنى فترات حياتي، وقد تخصصت في الاقتصاد والسياسة، وبحكم كون الجامعة ناشئة وتريد لها الحكومة أن تنجح فقد استدعوا لها أكفأ الأساتذة في العالم العربي، فكان من بين الذين درسونا الاقتصاد د . خالد الحامض وأحمد رفيق قاسم، وفي السياسة علي عبد العزيز وعمر الخطيب وعبد الحافظ الكردي، وكل منهم مشهود له بالكفاءة في مجال تخصصه .
وكان الطلبة أيضا متميزين، ومعظمهم يشغلون اليوم مناصب رفيعة في الدولة، وقد عزز السكن الجامعي روابطنا وقوى عرى الصداقة بين الكثيرين منا، وأوجد هذا الجو نشاطاً ثقافياً متواصلاً طيلة السنة، فكنا مقسمين بين الدروس والنوادي والمحاضرات والنقاشات، وقد توليت منصب أمين سر اللجنة الإعلامية في اتحاد الطلاب، فعزز ذلك ميولي الإعلامية والكتابية وكنت بحكم هذا المنصب أشرف على تنظيم المحاضرات والندوات وأحضرها بانتظام، وقد أنضجت هذه التجربة الكثير من أفكاري ووسعت مجالات تفكيري بحكم تعدد مجالات المحاضرات والندوات ومواضيعها .
وفي تلك الفترة كان النادي الثقافي العربي قد تأسس في الشارقة وكذلك قاعة إفريقيا، وكانا منبرين ثقافيين نشطين، فكنا حين نعود من الجامعة في الإجازة نحرص على أن نحضر الأنشطة الثقافية فيهما .
كانت فترة أربع سنوات جميلة، فيها جد واجتهاد وحركة ثقافية واسعة وصداقات عميقة، وختمتها بالتخرج سنة 1981 .
مشروع الشارقة الثقافي
عليك الآن أن تواجه الحياة العامة، وتتحمل المسؤوليات الوطنية .
وهذا ما كان، فقد عينت نائباً لمدير عام البلدية بعد تخرجي مباشرة، وارتميت في العمل الإداري وسافرت في دورات تكوينية كثيرة، وخلال تلك الفترة أشرفت على تنظيم الكثير من الأنشطة والفعاليات الثقافية، وانخرطت في مجموعة مسرح الشارقة الوطني عند تأسيسه، وكتبت ونشرت بعض المسرحيات منها مسرحية البوم التي اقتبستها عن مسرحية مركب بلا صياد لأليخاندرو كاسونا، ومسرحيات أخرى كثيرة، ونتيجة لهذا الانخراط في عالم الثقافة عينت سنة 1986 مديراً عاماً لدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وكانت تجربة الدائرة مهمة لي في جانبين:
الأول هو الدخول في تواصل مباشر مع مشروع صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الثقافي والعمل تحت إشراف مباشر منه، وتلك تجربة غنية لأن أفكار سموه في هذا المجال لا تنضب وتتطلب مثابرة، فكان ذلك مدرسة جديدة لي في مجال العمل الثقافي والإداري، خرجت منها بالكثير من التجارب .
الجانب الثاني هو أن مشروع الشارقة الثقافي مشروع حقيقي متواصل، لا بد لمن دخله أن يتأثر به، ويتعلم منه أشياء جديدة لأن فيه اتصالاً بكل فئات المجتمع وقطاعاته، كباراً وشباناً وصغاراً، مثقفين وصحافيين وطلاباً وناساً عاديين .
هذا الجو جعلني على اتصال أكثر بالوسط الثقافي والإعلامي، الذي كنت أميل إليه منذ أيام الإعدادية، ولم يعد هذا الاتصال اختيارياً بل أصبح شيئاً عضوياً بحكم امتهان الكتابة الأدبية والصحافية .
حرية موجهة
لكن تحمل المسؤوليات يحتاج إلى استقرار نفسي واجتماعي .
لا يشعر الإنسان بالاستقرار والانتماء إلا حين يكون له أبناء، وقد تزوجت ورزقني الله بثلاثة بنين وأربع بنات، ولدى أطفالي الكثير من شخصيتي، كالميل إلى الأدب وحب القراءة والشعر والكتابة والإبداع البصري .
ما شكل العلاقة التي تربطك بهم؟
أنا لا أتدخل في كثير من اختياراتهم لكنني أراقبهم وأوجههم، ولا أساوم في ما يتعلق بالقيم، لقد كان أبي يترك لنا حرية التصرف لكنه لا يغفل عنا، وكان يقف عند القيم ولا يقبل بتجاوزها، وأنا أدرك أن الزمن اختلف بين حياتنا ونحن صغار وبين حياة أبنائنا اليوم، وآليات الحياة اختلفت، كانت الأبواب متجاورة ومشرعة طيلة الوقت وكنا ندخل في أي منها حيث نأكل ونشرب ونمرح، لم تكن بين الجيران حواجز كما هو موجود اليوم، وكانت الأسرة ممتدة فأنت بين بيوت أهلك أو أقاربك وجيرانك، وكل أولئك يراقبون سلوكك ويعلمونك الخير من الشر، أما اليوم فالإنسان غير آمن على ابنه إن هو دخل غرفة غير غرفته لأنه لا يعرف ماذا ينتظره هناك، وماذا سيكتسب من سلوك من هذا الدخول، لقد تقلص أفق التواصل الاجتماعي كثيراً بسبب تعقد الحياة، كذلك فإن عالم اليوم طغت عليه الصورة واجتاحت كل آفاقه، فهي موجودة في التلفزيون وفي الشارع والهاتف وكل وسائل الاتصال وكل الواجهات، والصورة مادية مسطحة لا تجد وراءها أية قيمة، لكن مهما تبدلت الحياة المادية ومهما دخلت علينا من أفكار فإن القيم الحضارية المؤسسة لمجتمعنا وأمتنا هي نفسها القيم التي آمن بها آباؤنا وورثونا إياها وعلينا أن نورثها أبناءنا، لأن في ذهابها ذهاب الهوية الحضارية لنا، ولا أحد يريد التخلي عن هذه الهوية، ومن هنا فإنني أقبل بكل تصرفات أبنائي وأعطيهم الحرية التامة فيما يفعلونه، إلا أنني لا أسمح لهم بتجاوز تلك القيم .
أصدقاء مميزون
عن المرْء لا تسأل وسل عن قرينه
كل أصدقائي مميزون، وصداقاتي كثيرة جداً، فأنا بحكم تقلبي في مناصب إدارية في مجالات مختلفة وبحكم اهتماماتي المتعددة اكتسبت صداقات عديدة، لكن أرسخها بعض الصداقات التي نشأت في الصبا وكبرت معنا وما زالت إلى اليوم، وهناك الصداقات العائلية بيني وبين أبناء عمومتي وأبناء خؤولتي، وبيني وبينهم تواصل، وتجمعني ببعضهم اهتمامات مشتركة كثيرة، وهناك صداقات الجامعة والوظيفة وصداقات القلم والثقافة التي قد تنشأ بيني وبين أناس لم أرهم ولكني أقرأ لهم ويقرأون لي وبيننا مساحة فكرية مشتركة .
وعلى العموم، فأنا أحاول أن أوازن بين كل تلك الصداقات وبين مشاغلي الخاصة، وأحرص على أن يبقى حبل التواصل بيني وبينهم، وأنا وإن كنت لست من النوع المنعزل الذي يغلق الباب دون الآخرين، إلا أنني لا أسمح للصداقات بأن تستغرقني بحيث تملك علي وقتي وتفسد علي التزاماتي الوظيفية والأسرية وحتى الثقافية، وأنا مقتنع بهذه الطريقة الوسطى التي تجعل الإنسان منفتحاً في حدود معينة لا تذهب بخصوصيته كإنسان عليه التزامات أخرى .
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/home/print/8....tqfa7PA8.dpuf