4- التعريب:
سمّاه المحدثون الاقتراض اللّغوي وهو كما يدل عليه اِسمه نطق كلمات غير عربية على طريقة النطق العربي، وللإشارة فإن العربية استقبلت عبر تاريخها الطويل العديد من الكلمات الأجنبية كما صدَّرت الكثير من مفرداتها إلى اللّغات العالمية، وهي طبيعة في اللّغات العالمية فما كان للغة أن تتطور بدون أن تدخلها كلمات من لغات أخرى فأي لغة عرفت هذه الظاهرة فهي لغة حية جديرة بالخلود والبقاء وقابلة للاستعمال في شتّى مناحي الحياة، "فاللغة الفرنسية مثلاً تضم 700 كلمة أصلها عربي كما أن الإنجليزية بها ألف كلمة أصلها عربي ومنها 360 كلمة شاعت في الحياة العامة"[19]، ولقد حدث التعريب في العربية منذ القدم فشعر الجاهليين حافل بالعديد من الألفاظ الأجنبية الرومية والفارسية والحبشية والنبطية والآرامية والهندية... من ذلك قول اِمرئ القيس:
مُهَفهَة بَيضَاء غير مُفَاضةٍ
تَرَائِبهَا مَصقُولَة كالسَّجَنْجَلِ[20]
السجنجلُ: كلمة معربة قديمة للمرآة وأصلها رومي وتعني أحيانًا الذهب والسبائك اللامعة[21]. ومن شعر عنترة قوله:
أُرَاعِي نُجوم اللَّيلِ وهي كأنَّها
قَوَاريرَ فِيها زِئبق يترحرجُ[22]
الزئبق: كلمة فارسية وأصلها: زيوه[23].
واِقترض الأعشى في شعره العديد من الكلمات الأجنبية من ذلك قوله:
عليه دَيَابوذ تسربل تحته
أرنْدَجَ إسكاف يخالط عظلمَا[24]
الديابوذ: ثوب ينسج على نيرين.
أرندج: جلد أسود.
وقد وردت ألفاظ أعجمية من لغات متعددة في شعر شعراء العصر الأموي أمثال جرير والفرزدق والأخطل وزادت نسبة ورود هذه الكلمات في شعراء العصر العبّاسي.
وقد ثار جدل حول الكلمات المعربة في القرآن الكريم وانقسم العلماء فريقين، فريق يقوده أبو عبيدة معمر بن المثنى ينفي وجود المعرب في القرآن الكريم بدليل قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لَعَلَكم تَعقلُون﴾[25] وقوله ﴿قرآنًا عَرَبيًا غير ذي عوجٍ لَعَلَهم يَتَقُون﴾[26] وفريق قال بإمكان وجود الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم معتمدين على ما رواه ابن عباس ومجاهد وابن عكرمة رضوان الله عليهم من أمثال كلمات (سجيل – مشكاة – أباريق – استبرق – قسورة – فردوس) وغيرها من غير لسان العرب وقالوا: إن ابن عباس وصاحبيه من الصحابة أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، ثم حاول المتأخرون من العلماء التوفيق بين الرأيين فنادوا بأن تلك الكلمات التي جاءت في القرآن الكريم ووصف بالأعجمية إنّما هي ألفاظ اقترضها العرب القدماء من لغات أجنبية صقلوها وهذبوا نطقها ثم شاعت في كلامهم قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام وجدها تكوّن عنصرًا من عناصر اللغة العربية وكان الناس لا يشعرون بعجمتها فعدت اللّسان العربي وعلى أصلها البعيد فأنها معجمية وعربتها العرب[27].
لقد كان القدماء متفتحين على الحضارات السابقة والمعاصرة لهم ولأدل على ذلك ما نقله العرب عن طريق الترجمة في عصر المأمون، ولم تكن لهم عقدة النقص ولا الخوف من الدخيل ومن "طريف ما يروى أن الإمام علي كرم الله وجهه أطعموه ذات يوم أكلة لذيذة فسأل عن اسمها فقيل له: فَالُوذج، فقال ما الفالوذج؟ فقيل له: هو طعام المهرجان فقال: إذن مهرجونا منه كل يوم، فدلت الكلمتان العربية واشتق من فعل"[28]. إن العربية لغة ذات قدرة عالية في استيعاب الألفاظ الأجنبية وجعلها مثل الألفاظ الأصلية فيها، فكلمة فيلسوف يونانية دخلت العربية مع عدد كبير من ألفاظ الحضارة اليونانية وعرفتها العربية في أيام زهوها وتداولتها الألسن والكتب واشتقت من تفلسف وفلسفة.
4-1 وظيفة التعريب في صناعة المصطلح:
صار التعريب اليوم أداة فعالة في اِستقبال مسميات المخترعات والابتكارات الجديدة على اختلاف حقولها وتخصُّصاتها، ولا يمكن الاستغناء عنه اِطلاقًا، ولا غنى عنه لتيسير الأداء العلمي العربي والعمل على توحيده، ولا ينبغي أن نستهجنه ويخطئ من يعتقد أنه لا يلائم الذوق العربي، فالألفاظ عندما تعرب وتُتداول باِستمرار تستقيم على اللّسان العربي وتشيع على الألسنة وتصبح جزءً من المتن الأصيل للغة، بل وتشتق منها الأفعال، فقد اِشتق القدماء من الديباج، دبَّج والديباجة والتدبيج واشتق المحدثون من مبستر: بستر وبسترة، ومن الرسكلة: رسكل يُرسكل رسكلةً، ومن الفبركة: فبرك يفبرك، ومن الكهرباء: كهرب يكهرب كهربأة، ومن التلفزيون: تلْفَزَ وتلفزة، ومتلفزٌ، ومن الميكانيك: مكنَنَ، المكننة، ومن البلاستيك نقول البلاستيكية، ومن المازوت نقول محرك مازوتي.
5- الاشتقاق:
5-1 تعريفه: لغة من شقَّ الشيء وأصله من الشَّق وهو نصف الشيء، أو جانب منه، قالوا: شقَّ عصا المسلمين أي فرَّقهم وقالوا: قعدَ في شقٍّ من الجبلِ أي ناحيته[29]. وفي الاصطلاح أخذ كلمة من أخرى مع تناسب بينهما في المعنى، وتغيير في اللفظ بين الأصل المأخوذ منه والفرع المأخوذ، فالاشتقاق بهذا المعنى يبحث في أصول الكلمات وفروعها والعلاقات بينهما، وله أهمية كبيرة في إثراء اللُّغة وجعلها قادرة على التجدد والتقدم.
ويعد في العربية المحطة الأساس في تنمية اللغة وتطويرها وسرُّ مطواعتها ويسرها، وقد نال اهتمام الدارسين اللغويين كثيرًا، فاجتهاد ابن جني في سبر أغواره وتبيان فوائده والتفصيل في أنواعه وأقسامه متميز جدًا، وكل لغوي تناول طبيعة اللغة العربية إلا وأفرد له جانبًا مهمًا في دراساته، وإن أدق تعريف له: أنه عملية استخراج لفظ من آخر أو صيغة من أخرى بشروط معينة أهمها الاتفاق أو المقاربة في المعنى والانطباق أو الاشتراك في الحروف الأصلية23، وهو أنواع: الاشتقاق الصّغير والاشتقاق الكبير والاشتقاق الأكبر فالصغير هو استمداد كلمات من كلمة ذات مادة لغوية أصلية مع اِشتراك أفراد هذه المجموعة في عدد الحروف الأصلية وفي ترتيبها مع اشتراكها في المعنى العام، وبذلك نشأت كلمات جديدة لم تعرفها اللّغة العربية في عهودها القديمة فكلمة جَمَعَ نشأت منها عشرات الكلمات التي لم ترد على ألسنة العرب قديمًا منها: جمعية – ومجتمع – واِنجمع،... فنحن اليوم نتحدث عن المجمع العلمي، والمجمع اللّغوي، والمجتمع – والمجموعة المتقدمة، وإذا كانت العربية قد عرفت قديمًا الجماعة من الناس وموضع الاجتماع، "وأهل السّنة والجماعة" و"صلاة الجماعة" ولكن بفضل الاشتقاق عرفنا دلالات فرعية عديدة.
ولولا نشوء هذه الكلمات الجديدة لما تمكنت العربية مسايرة ضرورات الحضارة الجديدة التي جاء بها الإسلام وطورها العقل المسلم، وقد اتسعت دائرة الاشتقاق فإذا كان البعض يقسم الاسم إلى جامد ومشتق ويرى بأن الجامد لم يشتق من غيره ولا يشتق منه، فإن ليونة العربية أوحت بالاشتقاق حتى من الأسماء الجامدة فقالوا: الجزأرة من الجزائر وقالوا صار مصريًا وقالو شَمُسَ الجو، فقالوا تأمرك فلان، وتفرنس القوم أي صاروا فرنسيين، ونقول أقمرت أمريكا أي صعدت إلى القمر، وأقمرت السّماء صارت مقمرة، وشجرَت الأرض بمعنى زرعت أشجارًا، وقد اشتقت العرب حتى من الحروف فقالوا، سوَّف- وفأفأ- وتأتأ، وقالوا: قلت لك كذا فلوليت لي أي قلت لي لولا...
وأما الاشتقاق الكبير والذي ينسب إلى ابن جنّي مبتدع نظريته في القرن الرابع الهجري[30] فهو في أبسط تعريف له: حصر أصول الكلمة وتقلُّبها على وجوهها المختلفة فتستخرج منها التباديل والتوافيق وتقرن بينها ثم ينظر هل هذه الحروف إذا اجتمعت على نحوها دلَّت على شيءٍ واحدٍ بتنوع ترتيب هذه الحروف؟ فالمادة (س ل م) مثلاً المعنى العام والجامع لتقلباتها: الأصحاب والملاينة، فالسمل: البالي والسمل: الماء القليل، والسلْم: السلام، والمسل: المسيل والمجرى، والملس: الناعم[31]، وأما الاشتقاق الأكبر فقد أشار إليه أحمد بن فارس (ت395هـ) بقوله: "من سنن العرب إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض، يقولون: مدحه ومدهه - وفرس، ورقل ورقن، وهو كثير مشهور وقد ألَّف فيه العلماء"[32].
5-1 الاشتقاق الأصغر: لقد أثير نقاش حاد بين علماء العربية في شأن ما أسموه الاشتقاق الأصغر وهو الأشهر والأكثر استعمالاً، بحيث ذهب البصريون إلى أن المصدر هو أصل الاشتقاق على حين ذهب الكوفيون إلى أن الفعل هو أصل جميع المشتقات.
ويذهب علي القاسمي إلى أن الاشتقاق الصغير هو الأكثر اِنتاجية وفاعلية في النمو المصطلحي لدى العرب[33]، فهو أكثر الآليات المعتمدة في توليد المصطلح في اللّغة العربية بوصفها لغة اشتقاقية بامتياز، وهو يسهم اِسهامًا كبيرًا في تطور هذه اللغة وفي إثرائها بترسانة مصطلحية هي في حاجة إليها للتعبير عن المفاهيم الجديدة التي تفد عليها من الحضارات والثقافات الأخرى بكميات كبيرة، وتكمن أهمية الاشتقاق في كونه يحافظ على الطابع العربي، لذلك ينبغي امتطاؤه في المقام الأوّل عند أي وضع لمصطلح ما، وقد قسّم الصرفيون الاشتقاق الأصغر إلى أقسام هي:
المصدر- الفعل- اسم الفاعل- اسم المفعول- الصفة المشبهة- صيغ المبالغة- اسما المكان والزمان- اسم الهيئة واسم المرة- اسم الآلة- المصدر الصناعي.
6- المجاز:
وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، وقد قام العلماء في هذا الجانب باستخدام مصطلحات ما لتدل على مفاهيم معينة فمصطلح السيارة هو في الأصل القافلة وهذا توسع في المعنى اللغوي فتصير الكلمة تحمل معنًى جديدًا، أشاد به المسّدي بقوله: "يتحرك الدال فينزاح عن مدلوله ليلامس مدلولاً قائمًا أو مستحدثًا، وهكذا يصبح المجاز جسر العبور تمتطيه الدّوال بين الحقول المفهومية... إذ يمدُّ المجاز أمام ألفاظ اللغة جسورًا وقتية، تتحول عليها من دلالة الوضع الأول إلى دلالة الوضع الطارئ، وانّ الذّهاب والايّاب قد يبلغان حدًّا من التّوتّر يستقر به اللفظ في الحقل الجديد، فيقطع عليه طريق الرجوع"[34].
وقد اُعتمدت هذه الآلية في وضع كثير من مصطلحات العلوم الشرعية الإسلامية من ذلك: الناسخ والمنسوخ-والخلع والشفاعة- والصيام الذي يدل في أصل الوضع اللغوي على معنى الإمساك مطلقًا ثم وسِّع مدلوله ليحمل دلالة جديدة تخص عبادة وقاعدة من قواعد الإسلام الخمسة.
وللمجاز وجوه عديدة منها الاستعارة، وهي استعمال اللفظ في غير معناه المألوف لوجود تشابه بين المعنيين، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى.
على الرغم من تعدد وسائل وضع المصطلحات في اللغة العربية فإن المجاز يبقى رافدًا تعتمد عليه العربية في إيجاد تسميات للمفاهيم الجديدة والمبتكرات الحديثة وفي ذلك قال جميل الملائكة: "أمَّا مجال توسيع معنى اللفظ بالخروج عن حقيقته إلى المجاز فكان ومازال من أوسع الأبواب في إغناء اللغة العربية"[35].
7- السوابق واللواحق:
تختص اللغات ذات الأصل اللاتيني أكثر من غيرها بظاهرة دخول السوابق (préfixes) واللواحق (suffixes) على جذور كلماتها بطريقة الإلصاق، وهي من العوامل التي مكنتها من القدرة على صياغة المصطلحات العلمية في جميع التخصّصات، وتناظر هذه الظاهرة الاشتقاق في الفائدة للأداء العلمي.
وتقبل العربية بيسر الإلصاق بالسوابق والّلواحق وهي واحدة من الصور الصرفية، ومن أبرز السوابق التي تستعمل في العربية السابقة "لا" والتي تقابل السابقة in و un و a في اللغات اللاتينية ومن أمثلتها:
لاسلكي- لاهوائي- لاإرادي- لاتوافقي –لارأسي- لابلوري- لاعملي- لانهائي...
وكذلك اللاحقة (ان) الألف والنون ومن أمثلتها قولهم: نفساني- كتماني- سمكاني- سكراني- علماني.
ويرى الدكتور محمد يوسف حسن أن هذه اللاحقة ليست عربية بل سريانية ألصقت بجذر عربي، وهو توسع حميد يمكِّننا من صوغ مصطلحات تختلف في لغة الجذر عن لغة السّابقة أو اللاحقة إذا اِقتضى الأمر ذلك[36].
8- الترجمة:
ويراد بها في المعاجم اللغوية العربية جملة معانٍ منها التّفسير، والايضاح، والنقل وفي ذلك قال ابن منظور: الترجمان: المفسّر، وقد ترجمه وترجم عنه، قال ابن جنّي: "أما ترجمان فقد حكيت تُرجمان بضمِّ أوله ومثاليه: فُعلان، كعترفان ودحمان، وكذلك التاء أيضًا فيمن فتحها أصلية، وإن لم يكن في الكلام مثل جعفر لأنه قد يجوز مع الألف والنون من الأمثلة ما لولاهما لم يجز، كغنفوان، وجنديان وريهفان" ويقال في ترجم كلامه إذا فسَّره بلسان آخر، ومعه الترجمان، والجمع تراجم مثل: زعفران وزعافر، وصحصحان وصحاصح، قال ولذلك تضم التاء لضم الجيم فنقول: تُرجُمان مثل يُسْرُوع ويَسْرُوع، قال الراجز:
كالترجمان لقي الأنباط[37].
فالواضح أن ابن منظور أكَّد في تعريفه على المادة اللغوية وطريقة نطقها والقياس عليها مقيما المعنى على التفسير والإبانة، أما المصباح المنير فجاء فيه: "ترجم فلان كلامه إذا بيَّنه وأوضحه وترجم كلام غيره إذا عبَّر بلغة غير لغة المتكلم، واسم الفاعل ترجمان ووزن الفعل ترجم (فَعْلَلَ) ولسان مترجم إذا كان فصيحًا، ويجمع تراجم، وتراجمة"[38].
8-1 أصل الكلمة: وردت كلمة ترجمة وتراجم في لغة القدماء فقد قال لبيد بن ربيعة:
إن الثمانين وقد بلغتها
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان[39]
ويقصد به أننا بحاجة ماسَّة إلى ترجمان لتسهيل الواصل فيما بيننا.
وقال المتنبي:
تجمع فيه كل لِسنٍ وأمَّةٍ
فما يُفهِم الحَدَّاث إلا التَّراجم[40]
فاختلاط الأجناس في جيش سيف الدولة واختلاف لغاتهم يحتاج إلى من يترجم حتى يحدث التواصل، ولعل هذا ما أشار إليه الجاحظ عندما كتب: "ومتى وجدنا الترجمان فقد تكلم بلسانين علمًا أنه قد أدخل"، وتداولت المعاجم اللغوية مادة ترجم بالشرح والتفسير، ومن هنا يمكننا القول: إنّ كلمة ترجمة ذات أصول عربية وقد أخذها الإنجليز وأدخلوها في جملة كلماتهم، وقد ذهب الباحث السّوري أحمد هبو إلى أن الكلمة Oragoman سريانية [41].
8-2 دلالة كلمة ترجم: تحمل مادة ترجم اللغوية دلالة معجمية ودلالات سياقية متعددة.
• ترجم: نقل نصًا من لغة إلى لغة أخرى مغايرة: ترجم نصًا إلى الفرنسية، وترجم برقية هاتفية لاسلكية: فكّ رموزها ونقلها كلمة كلمة.
• وترجم فكرة الفيلسوف فسَّرها وشرحها.
• وترجم حياة الأديب: كتب سيرته وتاريخ حياته، ومنه فن السّير والتّراجم وهو جنس من النثر الأدبي.
• وترجمة ذاتية: كتب سيرة حياته بنفسه.
• المترجم: من حذق فنّ الترجمة واِتّخذها مهنة: يترجم الوثائق والنصوص، ورد في لسان العرب: "التُّرْجُمان والتَّرْجَمان- بضم التاء والجيم وفتحهما- المفسِّر للسان.. وهو الذي يُترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى أخرى"[42]، وفي القاموس: أنه يأتي على مثال رَيْهُقَان (أي زعفران) وصيغ له الفعل ترجمه وترجم عنه، ومما لا شكّ فيه أن العرب كانت لهم حاجة في هذا النوع اللّساني لضرورة الاتصال بغيرهم من الفرس والّروم والهند وغيرهم من الأمم والأقوام، ولذلك تطلب الاتصال لن يتأتى لهم ذلك إلا بمعرفة لسان من يقدمون إليهم لكي يحققوا أغراضهم الاقتصادية والسياسية.
وأما اصطلاحا فإن التعاريف الاصطلاحية اِتفقت: أن كلمة ترجمة تدل على نقل الألفاظ والمعاني والأساليب من لغة إلى أخرى مع المحافظة على التكافؤ ودون الإخلال بالمعنى، وقد ذهب اللسانيون إلى أبعد من ذلك فعدوا الترجمة علمًا فرعيًا من اللّسانيات التطبيقية، فقالوا: "إن الترجمة عملية لسانية لنقل المكافآت بين لغتين مختلفتين وقد تكون أكثر من ذلك لأنها تبحث في السّمات المنغرسة في النص التي تتجاوز لسانيته"[43].
8-3 وظيفة الترجمة في صناعة المصطلحات: يتفق الدّارسون أن الترجمة هي بيت الحضارة وهي رفيقتها الدائمة عبر الزمان والمكان، وإنها النافذة التي تفتحها الشعوب المختلفة لتستنير بنور غيرها، وإن التلاقح الحضاري والتبادل بين الأمم حدث بفضل الترجمة وتذكر كتب التاريخ أن الخليفة العباسي هارون الرشيد شعر بقيمة الترجمة فكان يشجع عملية نقل ذخائر الحضارات السابقة إلى العربية وقد ورث هذه الفكرة ابنه المأمون الذي أقام بيت الحكمة في بغداد وشجع الترجمة وأغدق الأموال والهدايا على المترجمين، وتمكن من نقل نفائس اليونان والفرس والهنود وغيرهم من الأمم إلى العربية الأمر الذي أعطى دفعًا عظيمًا للحضارة العربية الإسلامية.
وقد كان الخلفاء المسلمون يوظفون المترجمين في قصورهم وفي دور العلم للاستفادة ما في يد الغير، والأمر نفسه سلكه الأوربيون في اتصالاتهم بما أبدعه المسلمون في بغداد ودمشق وغرناطة وقرطبة واشبيليا وبجاية...
وإن المتمعِّن في تاريخ الترجمة عند العرب يجدها عبر تاريخها وقد شكلت مرحلتين، أما المرحلة الزاهية فهي التي أشرنا إليها سابقًا والتي ترجع إلى عهد المأمون أين ترجمت علوم اليونان والهند والفرس إلى العربية، وكانت ترجمة مثمرة وناجحة لأنها كانت هادئة ومحكمة تولاها علماء تحت رعاية السلطان وبتشجيع معنوي ومادي وصاحبت الانبعاث الفكري والعلمي.
وأما الترجمة الثانية فقد بدأت في عهد الإحياء العلمي والأدبي عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقد كانت ترجمة مضطربة وقاصرة عاصرت توترًا ثقافيًا وفكريًا في العالم العربي وهذا بسبب الأوضاع السياسية المتدهورة والتخلف الاقتصادي والاجتماعي زد على ذلك الغزو المصطلحاتي الكبير الذي لم تتمكن الثقافة العربية من استيعابه والإلمام بجميع جوانبه بالإضافة إلى العجز العلمي الذي تعيشه الأوساط العلمية في مجتمعاتنا، الأمر الذي جعلنا نقبل استعمال المصطلحات الأجنبية بلغتها بل صرنا نستعمل اللغات الأجنبية بدعوى قصور العربية على استيعاب العلوم.