من حِكَم استعمال ( مع الصادقين ) لا ( من الصادقين )
د. أحمد درويش
يقول ربنا : ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكونوا مَعَ الصّادِقينَ﴾ [التوبة: 119]
سأل سائل:
* لم لم تكن (وكونوا صادقين) لا (وكونوا مع الصادقين) ؟
فأجبته مستسمحا إياه أن أنشر ما قلته على صفحتي لتعميم الفائدة ، وتصحيح ما قد أكون وقعت فيه من فهم أو للزيادة على أقول ، وبخاصة أن النكات القرآنية لا تتزاحم وإنما تتكامل ...
قلت : (كونوا من الصادقين) ...وليس هذا تعبير القرآن... ربما يكون فيه إشارة نقص ، فأن يكونوا منهم فهذا يعني أنهم ليسوا بعضا من الصادقين ، لكن (كونوا مع الصادقين) فيه إشارة ظاهرة إلى أنهم صادقون ، فلن يكون مع الصادقين إلا صادق مثلهم ، لذا فتوظيف الظرف ( مع) هنا دال على صدقهم المكين ، أما (من ) ففيها احتمالية إلى كونهم صادقين أو غير صادقين ...
وهذا يعني أن ( مع) كاشفة أنهم صادقون حتما ، ويؤكد جمال استعمال الظرف ( مع ) لا حرف الجر ( من ) أن الآية جاءت في سياق الثلاثة الذين خلفوا عن الغزو مع رسول الله فتوظيف (من )بدل (مع ) ربما يكون فيه غمز لإيمانهم وهم المؤمنون حق الإيمان ...
المحصول : وجود (من) يخزل المعنى ويوحي بغير المقصود ...
ثم كان السؤال الثاني : ما حكمة (كونوا مع الصادقين ) لا (كونوا صادقين ) مباشرة ؟
فقلت : (مع) للاجتماع والمعية بنص قول أهل النحو ، فكأن القرآن تخطى مرحلة الصدق فأصبح هذا معلوما ؛ لذا فقد توطنت فيكم قيمة الصدق ، لكن ليس هذا بكاف ، وإنما يجب أن تتخطوا هذي المرحلة فتتخذوا أخلاء صادقين ، حتى تتثبت خصيصة الصدق فيكم ولا تتوارى يوما ، فالصديق الصادق هو الذي يذكرك إذا نسيت ، فلا يكفى أن تكون وحيدا في طريق الصدق حتى لا يتفرق بك ، لكن خذ الرفيق ليثبتك ؛ كما ثبتت في الراحتين الأصابع
هذا ما ظهر لي والعلم عند الله ...
المصدر