الإجابة:
أحسنت في السؤال وفي الاستنباط ، يا أبا مصطفى، وإنَّ من أحسن ما يُهدى إليه متدبر القرآن ، أن يعمل فكره في معاني ما يقرأه أو يسمعه من كلام الله سبحانه، قبل أن ينظر إلى ما قاله المفسرون، فلعله يُهدى إلى معنى لم يذكره أحد من المفسرين ، فالقرآن لا تنقضي عجائبه، وفيه ما لا يفسر آياته الدالة على آيات الكون والأنفس والآفاق إلا العصور المتلاحقة، ولا يختص بفهم آيات القرآن عند التدبّر العلماء ومن قاربهم ، بل العطاء الرباني القرآني مبذول لكل أحد، على قدر ما يبذله من نظر وفكر، وعلى قدر ما أوتي من أسباب ذلك ومن توفيق الله له، غير أنه لا يجوز لمن دله فهمه على معنى من المعاني الخفية أن يعجل بتقرير فهمه إلا أن يكون له برهان من السمع أو اللغة أو العقل أو الحسّ، فإن كان له برهان يعتقده على جهة الظن فإنه لا يجوز له أن يجزم بما كان مبنيا على دليل متجلبب بلباس الظن في ثبوته أو معناه، وقنوات الفضاء اليوم فيها من عجائب التعالم ما يؤلم القلب.
هذه مقدمة أَعُدّها من جوهر الجواب عن سؤالك، والآن أمدّ المقدمة بما يجيب عن سؤالك.. مادة (مَدَدَ) تدل على البسط والزيادة، قال ابن فارس: "أصلٌ يدلُّ على جرَّ شيء في طول واتصال شيء بشيء في استطالة" ثم ذكر طائفة من معانيها ، ومنها: "مددتُ الدَواة وأمددتها، والمدَّة: استمدادك من الدَّواة مُدَّة بقلمك" والمتأمل في القرآن يجد أن المَدَّ أو الإمداد بمعنى الإمهال، كقوله تعالى : "ويمدَّهم في طغيانهم" وبمعنى الإعطاء، كقوله سبحانه: "وأمددناكم بأموال وبنين" وبمعنى الإغاثة، كقوله جل شأنه: "مُمدكم بألف من الملائكة" وبمعنى مدّ الدواة بالمداد ، كهذه الآية، فهذه أربعة معان، وكلها تعود إلى معنى واحد هو الزيادة، وهذا العَودُ إما أن يكون عَوْدًا مباشرا كما في المعاني الأربعة الأولى، وإما أن يكون غير مباشر كما في المعنى الخامس، والمفسرون أكثرهم لا يذكرون هذا المعنى، ولكنه معنى صحيح تؤيده اللغة ويشهد له سياق الآية ،شُبَّه فيه البحر الأول بالدواة التي تملأ بالحبر، والأبحر السبعة تزيده مدادا ، لأنها هي المداد، وقد علمنا أن من أساليب العربية: مدَّ الدّواة وأمدّها إذا صبّ فيها المداد ، والحاصل: أنَّ كلاًّ من المعنيين صادق على معنى المدّ، ويمكن حمل اللفظ على كلا المعنيين من باب حمل المشترك على أكثر من معنى..والله أعلم.