وقياس اسم المفعول في الإعلال أن يُحذف حرف العلَّة فيه، لكنّ الواقع اللُّغويّ يشير إلى أنَّه ثَمَّة ألفاظ خرجت عن هذا القياس، فوصفت بالشُّذوذ والقلَّة، من ذلك قول الشَّاعر: [الكامل]
وَكَأَنَّها تٌفَّاحَةٌ مَطْيُوبَةٌ( )
وقول الآخر: [البسيط]
حَتَّى تَذَكَّرَ بَيْضَاتٍ وَهَيَّجَهُ
يَوْم رَذَاذٍ عَلَيْهِ الدَّجْنُ مَغْيُومُ( )
وقول الآخر: [الكامل]
قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونَكَ سَيِّدًا
وإِخَالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ( )
فهذه الألفاظ جاءت مُصحَّحة وكان حقَّها الإعلالُ، وقيل إنَّها لغة لبني تميم، يتمُّون المفعول من بنات الياء، فيقولون: «مَخْيُوط»، و«مَبْيُوع»، و«مَدْيُون»، و«مَزْيُوت»، و«معيوب»،
و«مكيول»( )، والذي «شجَّعهم على تتميم «مفعول» من الياء خفَّة الياء مع سكون ما قبلها، وأنَّ اسم المفعول ليس على زنة الفعل المضارع في عدد حروفه»( )، «وربمَّا تخطّوا الياء في هذه إلى الواو، وأخرجوا مفعولاً منها على أصله، وإن كان أثقل من الياء»( )، وقال سيبويه: «لا نعلمهم أتمُّوا في الواوات؛ لأنَّ الواوات أثقل عليهم من الياءات، ومنها يفرُّون إلى الياء، فكرهوا اجتماعهما مع الضَّمَّة»( )، وذلك نحو قولهم: «مصوون»، وقول الشَّاعر: [الرَّجز]
وَالمِسْكُ فِي عَنْبَرِهِ الْمَدوُوفِ( )
فإنَّ «هذين حرفين نادرين »( )، وقولهم: «مقوود»، و«معوود»، وحكى الكسائيّ: «خاتم مَصووغ»( )، ونسبها إلى بني يربوع وبني عقيل( )، وأجاز المبَرِّد القياس عليه، وهو المرجَّح؛ لأمرين:
الأوَّل: أنَّ علَّة عدم إجازته ثقل الواو، وهو مردود بما ورد عنهم «سُرْتُ سُوورًا»، و«غُرْتُ غُوورًا»( )، ففيه واوان وضمَّتان، وليس في «مَصوون» ونحوها مع الواوين إلا ضمَّة واحدة، وهو عمل بالأصل المسموع، فكان أولى بالقياس والإجازة، وإذا كان هذا مرجَّحًا جائزًا في بنات الواو مع ثقلها، فهو مع بنات الياء أجدر، ولا سيَّما أنَّ وروده مع بنات الياء «واسعٌ فاشٍ»( ).
الثَّاني: أنَّ نسبة هذه الألفاظ إلى تميم يسمح لنا بإجازته؛ فهي من القبائل التي اتفق القوم على الأخذ بلغتها في بناء القواعد، أمَّا علَّة وصفها بعدم الاطِّراد فيعود إلى مخالفتها الأصول المعمول بها.
وأميل إلى أنَّ الإتمام إذا ثبت لهجة لقبيلة - وقد ثبت - إنَّما هو مرحلة متقدِّمة من مراحل اللُّغة، ثم فيما بعد تطوَّرت وتجدَّدت قادَ إليه السُّرعة والسُّهولة في النُّطق، وهذا لا يكون إلا بعددٍ أقلَّ من الحروف، فحدث الإعلال فيه بالحذف في مرحلة متأخِّرة، يؤيِّدني في ذلك أمران:
الأوَّل: ما ذهب إليه بعض المحدثين من أنَّ لهجة تميم هي الأصل، وأن لهجة الحجاز هي أحدث منها، حجَّته في ذلك أنَّ «الصَّيغة التي تشتمل على أصوات لين منسجمة، أحدث من نظيرتها التي خلت أصوات لينها من الانسجام، وصيغة تميم في الواويّ واليائيّ لا يزال بينها وبين الانسجام أمدٌ بعيد، أمَّا الحجازيَّة فحروفها منسجمة متوائمة»( ).
الثَّاني: ما ذهب إليه بعض الباحثين من أنَّ اسم المفعول إذا كان معتلَّ الياء فإنَّه يمرُّ بمرحلتين من مراحل التَّطوُّر:
الأُولَى: مرحلة المماثلة التي تحدث بين شبه الحركة والحركة السَّابقة لها، عن طريق تحويل الضَّمَّة الطَّويلة إلى كسرة طويلة، فتتحوَّل الكلمة من «مفْعُول» إلى «مَفْعِيْل».
الثَّانية: مرحلة المخالفة، وفيه تُختزل الحركة الطَّويلة، ويُعوَّضُ عنها بالتَّشديد الذي يلحق الياء، فتصبح الكلمة على مثال «مَفْعِلّ»( ).
ومن هذا الباب فإنَّ ما وصف بالشُّذوذ ليس كما يراه بعض الصَّرفيِّين، ولكنَّه «تجدُّد يتوالى على الأزمان للتَّعويض عمَّا اندثر شأن الأجسام الحيَّة النَّامية»( ).
المرجع السابق، ص: 434-435