ومِمَّا خالف القياس في إعلاله قولهم: «أعْوَل»، و«اسْتَحْوَذَ»، و«أَجْوَدَ»، و«اسْتَرْوَحَ»، و«أَطْيَبَ»، و«أخْيَلَت السَّماء»، و«أغْيَمَت»، و«استصوب»، و«استنوق»، و«أَطْوَلَت»، ومنه قول الشَّاعر: [الطَّويل]
صَدَدْتِ فَأَطْوَلْتِ الصُّدُودَ وَقَلَّمَا
وِصَالٌ عَلَى طُولِ الصُّدُودِ يَدُومُ( )
وقد سبقت الإشارة إلى أنَّ مثل هذا شاذّ عن بابه وقياسه، إلا أنَّه لم يشذّ في استعمال العرب له، وكان قياسه أن يعلَّ جريًا للباب على سنن واحد، نحو: «اسْتَقَامَ»، و«اسْتَعَاذَ»، وجميع ما كان على هذا المثال، ولكنَّه جاء على الأصلِ، واستعملتْهُ العرب كذلك»( ).
فهذه الحروف «جاءت على الأصل غير معتلّة مِمَّا أسكن ما قبله»( )، وكان حقَّها الإعلال، وقد صرَّح سيبويه أنَّ هذه الحروف قد جاءت معلَّة على القياس إلا قولهم: «استروح»، و«أغيمت»، و«استغيل»( ). «ولا منع من إعلالها، وإن لم يُسمع؛ لأنَّ الإعلال هو الكثير المطَّرد، وإنَّما لم تعلَّ هذه الأفعال دلالة على أنَّ الإعلال في مثلها غير أصل، بل هو للحمل على ما أعلّ»( ). «و لا يُقاس على ما سُمع من ذلك»( ).
والذي أميل إليه عدم وصفه بالشُّذوذ وجواز اطِّراده والقياس عليه يدفعني إلى ذلك أمور:
أوَّلها: أنَّ بعض الصَّرفيِّين كأبي زيد قد أجاز قياس تصحيح باب الإفعال والاستفعال
مطلقًا( ). ولا تثريب علينا إذا أخذنا بمذهبه.
ثانيها: أنَّ تصحيحه قد ثبت لغة لبعض العرب كما ذكر سيبويه.
ثالثها: أنَّ التَّصحيح أصل، والإعلال ضرب من التَّغيير الطَّارئ فكان فرعًا، والحمل على الأصل وجعله مقيسًا أَوْلَى من الحمل على الفرع وإن كان قليلاً.
رابعها: أنَّ بعض المحدثين قد ذهب إلى أنَّ هذا من قبيل التَّطور اللُّغويّ، التَّصحيح أصل، والإعلال تطوُّر له( ).
ومِمَّا شذَّ عن القياس فصحَّت عينه وكان حقَّها الإعلال، قولهم: «عَوِرَ»، و«صَيِدَ البعير»، «جاؤوا بهما على الأصل؛ لأنَّهما في معنى ما لا بدَّ من صحَّة الواو والياء فيه؛ لأنَّ «عَوِرَ» في معنى «اعورَّ»، فلما كان «اعورَّ» لا بدَّ له من الصحَّة؛ لسكون ما قبل الواو صحَّت العين في «عور»، و«حَوِلَ»، و«صَيِدَ»، فصارت صحَّة العين في «عور» أمارة على أنَّه في معنى «اعورَّ»، ولو لم ترد هذا المعنى لأعللته»( )، «وهو قليل مسموع»( ).
ومثله ما صحَّ في الأسماء نحو قولهم: «القَوَد»، و«الأَوَد»، و«الحوَكَة»، و«الخَوَنة»، فهذه الألفاظ شاذّة «خرجت منبهة على الأصل...وكأنَّهم حين أرادوا إخراج شيء من ذلك مصحَّحًا؛ ليكون كالأمارة والتَّنبيه على أصل الباب، تأوَّلوا الحركة بأن نزَّلوها منزلة الحرف»( )، «فهذه الألفاظ وإن كانت متعدِّدَة فهي شاذَّة في القياس، قليلة بالنِّسبة إلى ما يُعَلّ، جاءت تنبيهًا على الأصل»( ).
وهذا دليل على عدم وضوح دلالة المصطلحات عند الصَّرفيِّين، فقد تقدَّم أنَّ استعمال الأصل إذا خرج عن الكثير المستعمل فموصوف بالشُّذوذ والقلَّة، ولا يجوز القياس عليه، وهنا لَمَّا جاءت الألفاظ مصحَّحة تنبيهًا على الأصل، وصفوا الأصل بالشُّذوذ والقلَّة أيضًا، فالأصل إن استعمل، أو لم يستعمل موصوف عندهم بالقلَّة والشُّذوذ. ولم أجد علَّة لذلك غير مخالفة هذا الأصل الكثير المستعمل فحسب، ولا أدري كيف يُوصف أصلٌ معمول به بالقِلَّة والشُّذوذ، وإن كان قليلاً؟ بل يجب أن يُتَّخَذَ قاعدة تُبنى عليها الفروع، لا أن يُجعل من باب الشَّاذ غير المقيس.
لهذا نجد أبا زيد قد أجاز ما وصفه القوم بالقلَّة والشُّذوذ، وكذلك فعل المبَرِّد في إجازته قياس تصحيح اسم المفعول نحو: «مصوون» على ما سيأتي بيانه.
المصدر: كتاب ما لم يطرد من كلام العرب، د. محمد عناد سليمان، ص: 430-431-432