مِنَ السُّحِّ جَوالاً كَأَنَّ غُلاَمَهُ ... يُصَرِّف سِبْداً في العنَان عَمَّردَا
إلا قرأه سيداً يذهب إلى الذئب، والشعراء قد تشبه الفرس بالذئب وليست الرواية المسموعة عنهم إلا سبداً قال أبو عبيدة: المصحفون لهذا الحرف كثير، يروونه سيداً أي ذئباً، وإنما هو سبدٌ بالباء معجمة بواحدة، يقال فلانٌ سبدٌ أسبادٍ أي داهية دواه.
وكذلك قول الآخر:
زَوْجُكِ يا ذاتَ الثَّنَايَا الغُرِّ ... الرِّتِلاَتِ والجَبِينِ الحُرِّ
يرويه المصحفون والآخذون عن الدفاتر الربلات وما الربلات من الثنايا والجبين؟ وهي أصول الفخذين، يقال: رجل أربل إذا كان عظيم الربلتين، أي عظيم الفخذين وإنما هي الرتلات بالتاء يقال: ثغرٌ رتلٌ إذا كان مفلجاً.
وليس كل الشعر يختار ويحفظ على جودة اللفظ والمعنى، ولكنه قد يختار ويحفظ على أسبابٍ: منها الإصابة في التشبيه، كقول القائل في وصف القمر:
بَدَأَنَ بنا وابْنُ اللَّيَالي كَأَنَّهُ ... حُسَامٌ جَلَتْ عَنْهُ القُيُونُ صَقِيلُ
فما زِلْتُ أُفْنى كُلَّ يَوْمٍ شَبَابَهُ ... إلى أَنْ أَتَتْكَ العيسُ وهْوَ ضَئِيلُ
وكقول الآخر في مغن:
كَأَنَّ أَبَا الشُّمُوس إِذَا تَغَنَّى ... يُحَاكي عَاطِساً في عَيْنِ شَمْسِ
يَدُوكُ بلَحْيِهِ طَوْراً وطَوْراً ... كَأَنَّ بلَحْيِهِ ضَرَبَانَ ضِرْسِ
وقد يحفظ ويختار على خفة الروى، كقول الشاعر:
يا تَمْلكُ يَا تَمْلي ... صِليني وذَرِى عَذْلِى
ذَريني وسِلاَحي ثُ ... مَّ شُدَّى الكفَّ بِالغَزْلِ
ونَبْلى وفُقَاهَا كَعَ ... رَاقِيبِ قَطاً طُحْلِ
ومِنِّى نَظْرَةٌ بَعْدِي ... ومِنَّى نَظْرَةٌ قَبْلي
وثَوْبَاىَ جَدِيدَانِ ... وأُرْخِى شُرْكَ النَّعْل
وإِمَّا مُتُّ يا تَمْلي ... فَكُونِي حُرَّةً مِثْلي
وهذا الشعر مما اختاره الأصمعي بخفة رويه.
وكقول الآخر:
ولَو أُرْسِلْتُ مِنْ حُب ... كِ مَبْهُوتاً مِنَ الصِّينْ
لَوَافَيْتُكِ قَبْل الصُّب ... حِ أَوْ حِينَ تُصَلِّينْ
وكان يتمثل بهذا كثيراً وقال: المبهوت من الطير الذي يرسل من بعد قبل أن يدرج.
وقد يختار ويحفظ لأن قائله لم يقل غيره، أو لأن شعره قليلٌ عزيز، كقول عبد الله بن أبي بن سلولٍ المنافق:
مَتَى ما يَكُنْ مَوْلاَكَ خَصْمَكَ لا تَزَلْ ... تَذِلُّ ويَعْلُوكَ الَّذِينَ تُصَارِعُ
وهلْ ينْهَضُ البَازِي بَغْيرِ جَنَاحِهِ ... وإنْ قُصَّ يَوْماً رِيشُهُ فَهْوَ وَاقِعُ
وقد يختار ويحفظ لأنه غريبٌ في معناه، كقول القائل في الفتى:
لَيَس الفَتَى بفتًى لا يُسْتَضَاءُ بِهِ ... ولا يكُونُ له في الأَرْضِ آثَارُ
وكقول آخر في مجوسي:
شهدْتُ عَلَيْكَ بِطِيب المُشَاشِ ... وأَنَّكَ بَحْرٌ جَوَادٌ خِضَمْ
وأَنَّكَ سَيِّدُ أَهْلِ الجَحِيمِ ... إذَا مَا تَرَدَّيْتَ فِيمَنْ ظَلَمْ
قَرينٌ لِهَامَانَ في قَعْرِهَا ... وفِرْعَوْنَ والمُكْتَنى بالحَكَمْ
وقد يختار ويحفظ أيضاً لنبل قائله، كقول المهدي:
تُفَّاحَةٌ مِنْ عِنْدِ تُفّاحَةِ ... جَاءَتْ فماذا صَنَعَتْ بالفُؤادْ
واللِه ما أَدْرِي أَأَبْصَرْتُها ... يَقْظَانَ أَمْ أَبْصَرْتُهَا في الرُّقَادْ
وكقول الرشيد:
النَّفْسُ تَطْمَعُ والأَسْبَابٌ عاجِزَةٌوالَّنْفسُ تَهْلِكُ بَيْنَ اليَأْسِ والطَّمعِ
وكقول المأمون في رسول:
بعَثَتُكَ مُشْتَاقاً فَفُزْتَ بِنَظْرَةٍ ... وأَغْفَلْتَني حتَّى أَسَأْتُ بِكَ الظَّنَّا
ونَاجَيْتَ مَنْ أَهْوَى وكُنْتَ مُقَرَّباًفَيَالَيْتَ شِعْرِي عَنْ دُنُوِّكَ ما أَغْنَى
ورَدَّدْتَ طَرْفاً في مَحَاسِنِ وجْهِهَا ... ومَتَّعْتَ باسْتماعِ نَغْمتِهَا أَذُنَا
أَرَى أَثَراً مِنْها بِعَيْنَيْكَ لَمْ يَكُنْلقد سَرقَتْ عَيْنَاكَ مِنْ وجْههَا حُسْنَا
وكقول عبد الله بن طاهر:
أَمِيلٌ مَعَ الذَّمَامِ على ابْنِ عَمِّى ... وأَحْمِلُ للِصَّدِيقِ على الَّشقِيق
وإنْ أَلْفَيْتَني مَلِكاً مُطَاعاً ... فإِنَّكَ واجِدِي عَبْدَ الصَّدِيقِ
أُفَرِّقُ بَيْنَ مَعْرُوِفي ومَنِّى ... وأَجْمَعُ بَيْنَ مَالي والحُقُوقِ
وهذا الشعر شريفٌ بنفسه وبصاحبه.
وكقوله:
مُدْمِنُ الإِغْضَاء مَوْصُولُ ... ومُدِيمُ العَتْبِ مَمْلُولُ
ومَدِينُ البِيضِ في تَعَبٍ ... وغَرِيمُ البِيضِ مَمْطُولُ
وأَخُو الوَجْهَيْنِ حَيْثُ وهَي ... بَهَواهُ فَهْوَ مَدْخُولُ
وكقول إبراهيم بن العباس لابن الزيات:
أَبَا جَعْفَرٍ عَرِّجْ عَلَى خُلَطَائِكَا ... وأقْصِرْ قَلِيلاً مِنْ مَدَى غُلَوَائكا
فإِنْ كُنْتَ قَدْ أُوتِيتَ في اليَوْمِ رِفْعَة ... فإِنَّ رَجَائي في غَدِ كَرَجَائِكا
والمتكلف من الشعر وإن كان جيداً محكماً فليس به خفاءٌ على ذوي العلم، لتبينهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكر، وشدة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعاني حاجةٌ إليه، وزيادة ما بالمعاني غنًى عنه. كقول الفرزدق في عمر بن هبيرة لبعض الخلفاء:
أَوَلَّيْتَ العِرَاقَ ورَافِدَيْهِ ... فَزَارِيَّا أَحَذَّ يَدِ القَمِيصِ
يريد: أوليتها خفيف اليد، يعني في الخيانة، فاضطرته القافية إلى ذكر القميص، ورافداه: دجلة والفرات.
وكقول الآخر:
مِنَ اللَّوَاتي والتي والَّلاتي ... زَعَمْنَ أَنى كَبَرتْ لِدَاتي
وكقول الفرزدق:
وعَضُّ زَمَانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لم يَدَعْمِنَ المَالِ إِلاَّ مُسْحَتاً أَوْ مُجَلَّفُ
فرفع آخر البيت ضرورةً، وأتعب أهل الإعراب في طلب العلة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشيءٍ يرضي، ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أن كل ما أتوا به من العلل احتيالٌ وتمويه؟ وقد سأل بعضهم الفرزدق عن رفعه إياه فشتمه وقال: علي أن أقول وعليكم أن تحتجوا! وقد أنكر عليه عبد الله بن إسحق الحضرمي من قوله:
مُسْتَقْبِلِين شَمالَ الشَّأْم تَضْرِبُنَا ... بحَاصِبٍ مِن نَديفِ القُطْن مَنْثُورِ
على عَمَاعنا تُلْقِى وأَرْحُلُنا ... على زَوَاحِفَ تُزْجَى مُخُّهَا رِيرُ
مرفوعٌ فقال أَلاَّ قلتَ ... على زَوَاحِفَ نُزْجِيهَا مَحَاسيرِ
فغضب وقال:
فلَوْ كانَ عَبْدُ اللهِ مَوْلًى هَجَوْتُهُ ... ولكِنَّ عبدَ الله مَوْلَى مَوَالِيَا
وهذا كثير في شعره على جودته.
وتتبين التكلف في الشعر أيضاً بأن ترى البيت فيه مقروناً بغير جاره، ومضموماً إلى غير لفقه، ولذلك قال عمر بن لجإٍ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: وبم ذلك؟ فقال: لأني أقول البيت وأخاه، ولأنك تقول البيت وابن عمه.
وقال عبد بن سالم لرؤبة: مت يأبا الجحاف إذا شئت! فقال رؤبة: وكيف ذلك؟ قال: رأيت ابنك عقبة ينشد شعراً له أعجبني، قال رؤبة: نعم، ولكن ليس لشعره قرانٌ. يريد أنه لا يقارن البيت بشبهه. وبعض أصحابنا يقول قرآن بالضم، ولا أرى الصحيح إلا الكسر وترك الهمز على ما بينت.
والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافي، وأراك في صدر بيته عجزه، وفي فاتحته قافيته، وتبينت على شعره رونق الطبع ووشى الغزيرة، وإذا امتحن لم يتعلثم ولم يتزحر.
وقال الرياشي حدثني أبو العالية عن أبي عمران المخزومي قال: أتيت مع أبي والياً على المدينة من قريش، وعنده ابن مطيرٍ، وإذا مطرٌ جودٌ، فقال له الوالي، صفه، فقال: دعني حتى أشرف وأنظر، فأشرف ونظر، ثم نزل فقال:
كَثْرَتْ لِكَثْرَةِ قَطْرِهِ أطْبَاؤُهُ ... فإِذَا تَحَلَّبَ فَاضَتِ الأَطْبَاءُ
وكَجَوْفِ ضَرَّتِهِ التي في جَوْفهِ ... جَوْفُ السَّمَاءِ سِبَحْلَةٌ جَوْفَاءُ
ولَهُ رَبَابٌ هَيْدَبٌ لِرَفيفِهِ ... قَبلَ التَّبَعُّق ديمَةٌ وطْفَاءُ
وكأَنَّ بَارِقَهُ حَرِيقٌ يَلتَقي ... رِيحٌ عليهِ وعَرْفَجٌ وأَلاَءُ
وكَأَنَّ رَيّقِهُ ولَمَّا يَحْتَفِلْ ... وَدْقُ السَمَاء عَجَاجَةٌ كَدْرَاءُ
مُسْتَضْحِكٌ بِلَوَامِع مُسْتَعْبِرٌ ... بِمَدَامِعٍ لَمْ تَمْرِهَا الأَقْذَاءُ
فَلَهُ بِلاَ حُزْنٍ ولا بِمَسَرَّةٍ ... ضَحْكٌ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ وبُكاءُ
حَيْرَانُ مُتَّبَعٌ صَبَاهُ تَقُودُهُ ... وجَنُوبُهُ كِنْفٌ لَهُ ووِعاءُ
ودَنَتْ لَهُ نَكْبَاؤُهُ حتَّى إِذا ... مِنْ طُولِ مَا لَعِبَتْ بِهِ النَّكْبَاءُ
ذَابَ السَّحَابُ فَهُو بَحْرُ كُلُّهُ ... وعلى البُحُور مِنَ السَّحَابِ سَمَاءُ
ثَقُلَتْ كُلاَهُ فنَهَّرَتْ أَصْلاَبَهُ ... وتَبَعَّجَتْ مِنْ مَائِهِ الأَحْشَاءُ
غَدَقٌ يُنَتِّجُ بالأَبَاطِحِ فُرَّقاً ... تَلِدُ السُيُولَ وما لَهَا أَسْلاَءُ
غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ دوَالحُِ ضُمِّنَتْ ... حَمْلَ اللِّقَاحِ وكُلُّهَا عَذْرَاءُ
سُحْمٌ فَهُنَّ إِذَا كَظَمْنَ فَوَاحِمٌ ... سُودٌ وهُنَّ إِذَا ضَحِكْنَ وِضَاءُ
لَوْ كانَ مِن لُجَجِ السَّوَاحِلِ مَاؤُهُ ... لم يَبْقَ مِن لُجَجِ السَّوَاحِل مَاءُ
قال أبو محمد: وهذا الشعر، مع إسراعه فيه كما ترى، كثير الوشي لطيف المعاني.
وكان الشماخ في سفرٍ مع أصحابٍ له، فنزل يحدو بالقوم فقال:
لم يَبْقَ إِلاَّ مِنْطَقٌ وأَطْرَافْ ... ورَيْطَتَانِ وقَمِيصٌ هَفْهَافْ
وشُعْبَتَا مَيسٍ بَرَاهَا إِسْكَافْ ... يَا رُبَّ غَازٍ كارِهٍ للأِيجَافْ
أَغْدَرَ في الحَيِّ بَرُودَ الأَصْيَافْ ... مُرْتَجَّةَ البُوِص خَضِيبَ الأَطْرافْ
ثم قطع به هذا الروى وتعذر عليه، فتركه وسمح بغيره على إثره، فقال:
لَمَّا رَأَتْنَا وَاقِفِي المَطِيَّاتْ ... قَامَتْ تَبَدَّى لي بِأَصْلَتِيَّاتْ
غُرٍ أَضَاءَ ظَلْمُهَا الثَّنِيَّاتْ ... خَوْدٌ مِنَ الظَّعَائِنِ الضَّمْرِيَّاتْ
حَلاّلَةُ الأَوْدِيِة الغَوْرِيَّاتْ ... صَفِىُّ أَتْرَابٍ لَهَا حَيِيَّاتْ
مِثْلِ الأَشَاءَاتِ أَوِ البَرْدِيَّاتْ ... أَوِ الغَمَامَاتِ أَو الوَدِيَّات
أَوْ كَظِبَاءِ السِّدْرِ العُبْرِيَّاتْ ... يَحْضُنَ بِالقَيْظِ على رَكِيَّاتْ
وَضَعْنَ أَنْمَاطاً على زرْبِيَّاتْ ... ثُمَّ جلسْنَ بِرْكَةَ البُخْتِيَّاتْ
مَنْ رَاكِبٌ يُهْدِي لَهَا التَّحِيَّاتْ ... أَرْوَعُ خَرَّاجٌ مِنَ الدَّاوِيَّاتْ
يَسْرِى إِذَا نَامَ بَنُو السَّرِيَّاتْ
قال أبو عبيدة: اجتمع ثلاثةٌ من بني سعد يراجزون بني جعدة، فقيل لشيخٍ من بني سعدٍ: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوماً إلى الليل لا أفثج، وقيل لآخر: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوماً إلى الليل ولا أنكف، وقيل للثالث: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوماً إلى الليل ولا أنكش، فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا ولم يراجزوهم.
والشعراء أيضاً في الطبع مختلفون: منهم من يسهل عليه المديح ويعسر عليه الهجاء. ومنهم من يتيسر له المراثي ويتعذر عليه الغزل.
وقيل للعجاج: إنك لا تحسن الهجاء؟ فقال: إن لنا أحلاماً تمنعنا من أن نظلم، وأحساباً تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانياً لا يحسن أن يهدم.
وليس هذا كما ذكر العجاج، ولا المثل الذي ضربه للهجاء والمديح بشكل، لأن المديح بناءٌ والهجاء بناءٌ، وليس كل بانٍ بضربٍ بانياً بغيره. ونحن نجد هذا بعينه في أشعارهم كثيراً، فهذا ذو الرمة، أحسن الناس تشبيهاً، وأجودهم تشبيباً، وأوصفهم لرمل وهاجرةٍ وفلاةٍ وماءٍ وقرادٍ وحيةٍ، فإذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع. وذاك أخره عن الفحول، فقالوا: في شعره أبعار غزلانٍ ونقط عروسٍ! وكان الفرزدق زير نساءٍ وصاحب غزل، وكان مع ذلك لا يجيد التشبيب. وكان جريرٌ عفيفاً عزهاةً عن النساء، وهو مع ذلك أحسن الناس تشبيباً، وكان الفرزدق يقول: ما أحوجه مع عفته إلى صلابة شعري، وما أحوجني إلى رقة شعره لما ترون.