كلّ محبّ للعربية مدقِّق لغوي
الدكتور جورج جبور 17 حزيران 2016
أرجّح أنني صاحب فكرة "يوم اللغة العربية"، ولكنني كنت حذراً في تبنّي ذلك الوصف، الى أن قرّر المنتدى القومي العربي في بيروت، اوائل عام 2016، عقد ندوة ظهر ذلك الوصف في بطاقة الدعوة اليها. أرحب بكل اعتراض على وصف ارتآه المنتدى فصادف هوى في نفسي.
عام 2010 شهد أول اهتمام عربي بيوم الاول من آذار ( مارس) الذي اختارته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم يوماً للغة العربية. بدا لي أنّه من المناسب أن يكون للاهتمام شعار. أطلقت شعاراً خلته جذاباً: "كل عربي مدقق لغوي". أرسلته الى المهتمين، ولعله لم يصل. كان في الخلفية الفكرية التي أتذكرها للشعار برنامج تلفزيوني رائع، تبثه قناة تلفزيونية لبنانية، يظهر فيه قائد فكري أو سياسي كبير يتكلم في حفل عام فيخطئ لغوياً.تقف القناة عند الخطأ، وتوقف عليه المشاهدين. لم يستمر البرنامج طويلاً. لعل كبيراً أوقفه، وجلّ من لا يخطئ، والله أعلم.
لقي الشعار ترحيباً معلناً من البعض، إلاّ أنني استمعت باذني الى محاضر حذّر من أنّ التدقيق اللغوي صنعة اختصاص، لا يجوز اباحتها لكل من يشاء من العامة.
في وقت لاحق عدّلت في الشعار. جعلته أدق، فالتدقيق في العربية ليس وقفاً على العربي. إنه ميدان فسيح مفتوح لكل محب لها. في الذهن ملمح من جاك بيرك، وأنا استمع اليه عام 1964 في المؤتمر السنوي لمؤسسة الشرق الاوسط في واشنطن، يتحدث عن الوحدة العربية، ويداعب لبنانياً محتجاً عليها بقوله: " لبنان يحب الوحدة ". ثم يتابع: "وأقصد أنه يحب الانفراد ".اقتبست منه بعد عقود عنواناً لمقال ظهر في جريدة "الثورة" الدمشقية : " الوحدة العربية التي تشكو من الوحدة".
بين اوراقي صفحة من مجلة "المناضل" التي تصدرها القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي. في رأس الصفحة مقال لقيادي بعثي جعل عنوان مقاله: "قوتين عظيمتين في عصرنا...". قيادي بعثي؟ نعم، واستاذ جامعي في كلية الآداب. صدر ذلك العدد من المجلة قبل نحو ثلاثة عقود. لن أذكر التاريخ بالضبط، فالموقف هنا للتفكّه، أو للعبرة، لا للتشهير.
وفي أوراقي تدقيقات لغوية ثلاثة قبل إطلاق الشعار، آلمني أولها. في نيسان (ابريل) 2007 كنت في عداد ركاب طائرة جزائرية. في مكان ايداع الحقائب كلام ارشادي واضح بالفرنسية ترجم الى عربية لم ترُق لي. فلننظر:
"شخص واحد على مرة"، تلك هي الكلمات التي ترجمت اليها عبارة: Une Personne a la fois
أنفقت ساعات، على مدى أيام، حاولت خلالها ايصال تصحيح لا أدري إن كان له أثر. لم تردني اية "تغذية راجعة"، كما
يقول محذلقونا اليوم، بدل أن يقولوا ذهبت الجهود أدراج الرياح.
تاريخ التدقيق الثاني 6/7/ 2007. هو رسالة الى مدير ثقافة دمشق، الصديق الأديب الاستاذ غسان كلاس، الفت نظره الى أنّ مركز كفرسوسة الثقافي (وكنت مشاركاً في حفل تدشينه) يضع كلمات انجليزية في التعريف ببعض مرافقه، وأغفل ترجمتها. أما الاستجابة فكانت فورية.
في اوراقي تدقيق ثالث محوره الصفحة الخامسة – أي الوجيهة من جريدة: "الاسبوع الأدبي" التي تصدر عن اتحاد الكتاب العرب.فيها عنوان مقال مرموق: "التاسع والعشرين من ايار...". هتفت وكتبت. كانت الاجابة: "منه كثير". كان ذلك عام 2009.
أطلقت الشعار عام 2010. في 23 /10/ 2010 كنت أقيم في فندق مريديان اللاذقية واسمه آنذاك : الديديمان. في ذلك الفندق الجميل استضافتني جامعة تشرين. ضمن التجول المعتاد في ارجاء الفندق، شاهدت لوحة تتضمن معلومات عن:" البيسين". ما هو البيسين؟ صعُب علي فهم الكلمة الى ان تيقظت الى:"مسبح". أودعت رسالة الى مدير الفندق، فأتت إجابة مكتوبة سريعة: "سنعمد الى تغيير كلمة بيسين الى مسبح". التوقيع: المدير العام سمير علي. هنا أوجه له التحية. اجابته حببت الي ما أطلقت.
كذلك أتى مشجعاً ما أنتجه تدقيق تالٍ عام 2010. نشرت مجلة :"الهند"، وهي مجلة ممتازة تصدرها سفارة الهند بدمشق، نشرت على غلافها الخارجي، صيف ذلك العام، صور سيدات كتبت عليها: "مصممي الأزياء الهنود أصبحوا عالميين". كتبت لهم احتجاجاً. فوجئت بتصحيح باهر في عدد لاحق، وبه تشكر لي المجلة اهتمامي، وتعد بأن تحكم الرقابة اللغوية.
ليس في ملفاتي أوراق عما جرى منذ عام 2010. إلاّ أنّ فيها رسالة لم ترسل الى المدير العام للاذاعة والتلفزيون تحتج على مذيع لفظ، في صباح الخميس 25 حزيران 2015، اسم مالك بن انس بضم الهمزة وتسكين النون. وعالج، بنفس القسوة، كتاب: " الملل والنحل". فتح النون وسكن الحاء. لا أذكر لماذا لم أبعث بالرسالة، رغم انني كنت أتذكّر تماماً ما يقال من أنّ مدير الاذاعة كان يقوله للمذيعين، قبل عقود خلت:" انتبهوا! لا تخطئوا! عبد السلام العجيلي يستمع اليكم!". من المشهور عن الاديب السوري الكبير أنّه كان يتصل بمدير الاذاعة في كل مرة تؤذي أذنه إهانة يوجهها مذيع الى لغتنا المدللة.
لا بدّ من اتلاف كثير من الاوراق القديمة، إلاّ أنّ من المستحب، قبل اتلافها، - أحياناً، لدى توافر الوقت والمزاج - ممارسة "رياضة " تدويرها مقالات نافعة سهلة القراءة. أليس كذلك؟