•ومن ذلك قولك: لم آل جهداً، فلم: حرف نفي وقلب وجزم، وآل فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا . أما جهداً فهو تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة إن كان بمعنى التقصير وهو تمييز محول عن الفاعل، والتقدير لم يقصر اجتهادي -على الإسناد المجازي، ويجوز نصبه بنزع الخافض أي لم أقصر في اجتهادي أو على الحال أي لم أقصر مجتهداً.
أما إن كان بمعنى الترك فجهداً، مفعول به أي لم أترك جهداً، وإن كان بمعنى المنع فهو مفعول به ثان والمفعول الأول محذوف لعدم تعلق الغرض بذكره، والتقدير ولم أمنع أحداً جهداً.
وعلى هذا النحو تعددت أعاريب جهداً تبعاً لتعدد المعاني اللغوية للفعل آل.
ومن ذلك أيضاً قول زهير بن أبي سلمى في هرِم بن سنان:
تقيٌّ نقيٌّ لم يكثِّرْ غنيمةً
بنهْكَة ذي قربى ولا بحقلَّد
فقد سُئل ابن هشام عن إعراب (ولا بحقلَّد) فقال: حتى أعرف ما الحقلَّدُ فلما قيل له: السيء الخلق قال: معطوف على شيء متوهم وهو ليس مع مجرورها بالباء الزائدة أي: ليس بمكثرٍ غنيمةً ولا بحقلَّدٍ، والنهكة هي الانتهاك بالنصرة والعقوبة والظلم ولو رحنا نستقصي أمثلة على ذلك لجمعنا منه الكثير الكثير.
6-وعلى المعرب أن ينتبه إلى سلامة الصياغة الإعرابية، لتكون الصياغة وصفاً دقيقاً لحال الكلمة المعربة.
مثال ذلك قوله تعالى: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) [مريم:38] فالباء في (بهم) حرف جر زائد و(هم) يجب أن تكون صيغته الإعرابية على النحو الآتي:
(هم): فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي وهو في محل جر بحرف الجر الزائدة.
أو يقال: (هم) ضمير بارز متصل مبني على السكون في محل جر بحرف الجر الزائد وهو في محل رفع فاعل.
ولكن الصياغة الأولى أدق وأدل على ما جرى بين العامل والمعمول.
7-وعلى المعرب أن ينتبه إلى المعنى مع علامات الترقيم التي تساعد على الوصول إلى المعنى، وانظر كيف تقع في الغلط إن لن تنتبه إلى المعنى والوقف فلو قلت لك: يا بنيَّ لا تخفْ. الله ربي، ورحت تعرب لفظ الجلالة على أنه مفعول به لوقعت في فساد معنوي ظاهر، إذ يترتب على ذلك أني أنهاك عن الخوف من الله، والحق بخلافه.
ويستحسن هنا أن ينتبه الطالب إلى الوقف؛ لأن له أهمية كبيرة في الإعراب وعلامات الترقيم تساعد على ذلك.
8-وعلى المعرب أن يبدأ بإعراب المفردات أولاً ثم يعقبه بإعراب أشباه الجمل ثم الجمل؛ لأن المفرد يسبق المركب، وقد ذكر بعض النحويين دليلاً على ذلك وهو قوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) [غافر:28] إذ بدئ بألفاظ مفردة « رجل مؤمن » ثم بشبه جملة « من آل » ثم بالجملة «يكتم إيمانه » وهكذا درج المعربون.
هذه هي الخطوات التي لو راعاها الطالب لوصل يقينا إلى الإعراب الصحيح، فإن أخطأ فالخطأ يكون يسيراً إذ قد يلتبس عليه أحياناً إعراب كلمة ما في جملة، نظراً إلى احتمال الكلام تقديرين مختلفين.
فمثلاً قالت العرب: (لله دره شاعراً)، فالذي أعرب الاسم المنصوب حالاً يتعجب منه حال كونه شاعراً، أما الذي أعربه تمييزاً فهو يتعجب من شاعريته، ولاشك أن شاعراً على زنة فاعل فهو أقرب إلى الحالية، لأن الحال من شروطه الاشتقاق، أما من قال بالتمييز فهو آخذ بقول من قال: إنه يجوز مجيء التمييز مشتقاً قليلاً إن كان وصفاً ناب عن موصوفه كما هو الشأن هنا؛ لأن التقدير: لله دره رجلاً شاعراً، فالتمييز في الحقيقة إنما هو الموصوف.
ومثل ذلك قولنا (وقفت طويلا ) فطويلا إما نائب مفعول مطلق أي وقوفا طويلا , وإما نائب ظرف زمان، أي وقتاً طويلا، وهذا المثال ينبهنا إلى أن المعرب يجب أن يكون على يقظة إذ قد يحتمل الكلام أكثر من تقدير فيجوز فيه أكثر من وجه، وعلى المعرب أن يبين هذه التقديرات.
وأخيراً نؤكد أن المعرب إن راعى هذه الخطوات والإرشادات التي ذكرناها له، فسوف يصل إلى مبتغاه، وهذه الخطوات الإعرابية مع كثرة تطبيقها تصير عملية ذهنية سريعة، لا تأخذ وقتاً، فعليه أن يستجمع في عقله كل هذه الخطوات ويعيش في جو الإعراب مقلباً الأوجه المحتملة في عقله، ليختار في النهاية الوجه الذي يرتضيه مراعياً في ذلك كله أصول النحو العربي وقواعده العامة التي حفظها حتى تصير ملكة الإعراب سليقة بغير تطبع ولا تكلف.
ولابد من تذكير إخواننا الطلاب بأن ملاك الأمر كله هو حفظ القواعد النظرية للنحو العربي .
وفق الله طلابنا , ونور بصائرهم وفتح مغاليق قلوبهم وصدق الله العظيم القائل {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} , والعلم نور ونور الله لايهدى لعاصٍ أو كسلان .