•ومن الأمثلة الدالة على أن معرفة الصيغة الصرفية لها دور في الإعراب هو قوله تعالى : (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا) [الأنعام:128].
فالنار مبتدأ ومثواكم إما أن يكون اسم مكان، أو مصدراً ميمياً، فإن ذهبت إلى أنه اسم مكان أي النار مكان ثويكم صح أن نعلقه بخبر محذوف، وإن ذهبت إلى أنه مصدر ميمي بمعنى ثويكم، فلا يجوز جعلها خبراً، لأنه لا يصح أن يخبر عن الجثة بالمصدر فلا يقال زيد ضَرْبٌ أو قتلٌ إلا على تقدير زيد ذو ضرب، لذا إن أردت جعل مثواكم -وهو مصدر ميمي- خبراً فيجب أن تقول: إنه خبر على تقدير النار ذات ثويكم أي صاحبة ثويكم، وينبني على ذلك أن خالدين حال من المصدر الميمي لأنه عامل هنا.
•ومثل ذلك قول الرسول : (إذا أقرضَ أَحدكم قرضاً فأُهدِيَ إليه أو حمله على الدابة فلا يركبه ولا يقبلها... إلخ).
فقرضاً هنا يجوز جعله اسم مصدر، فيكون التقدير: إذا أقرض أحدكم قرضاً فهو -بناءً على ذلك- مفعول مطلق مؤكد للعامل، ويجوز جعله اسم مفعول والتقدير: إذا أقرض أحدكم مقرضاً أي: مالاً وغيره، فيكون إعرابه مفعولاً به ثانياً للفعل أقرض والأول محذوف تقديره أخاك ، فالنظر إلى ما تحتمله الصيغة من تأويل يوضح لك إعرابها بدقة.
•ومثل ذلك لو قلت لك: كأفاتك علماً أنك مجتهد فعلماً يجوز أن نعربها مفعولاً لأجله، فهي مصدر، أي كافأتك لأجل العلم باجتهادك، ويجوز أن نعربها حالاً بعد تأويلها بالمشتق أي عالماً، وحينئذ إما أن يكون صاحب الحال هو الفاعل أي التاء في الفعل كافأ، فيكون التقدير كافأتك وأنا عالم أنك مجتهد، وإما أن يكون صاحب الحال هو المفعول به، وهو الكاف في الفعل كافأ، فيصير التقدير كافأتك وأنت عالم أنك مجتهد.
فالنظر إلى ما تحتمله الصيغة من تأويل يوضح لك إعرابها بدقة، ويشعرك بالمتعة لوقوفك على المعاني المتعددة التي يحتملها التركيب حينئذ، وبهذا يتبين الطالب أهمية التقدير في النحو العربي.
4-يجب على المعرب ألا يغيب عن ذهنه الأشياء المتلازمة التي يستلزم وجود أحدها وجود الآخر؛ فالمبتدأ لابد له من خبر، والفعل لابد له من فاعل والنواسخ كان وإن وظن لابد لها من معمولات وهكذا، فالانتباه إلى وجود هذه المتلازمات يجعل المعرب يقظاً فلا ينسى بعد ذكره المبتدأ أن يبحث عن الخبر ثم تنفتح عليه فكرة أنواع الخبر فهناك الخبر المفرد والخبر الجملة والخبر شبه الجملة ثم لابد له أن يدقق في روابط الجملة الخبرية من حيث وجودها أو عدمها وهكذا تنقدح القواعد النحوية النظرية لتضيء الطريق له ليصل إلى غايته، فقولنا: زيد سافر القطار لا يجوز جعل جملة سافر القطار خبراً عن زيد ألبتة لعدم اشتمالها على رابط يربطها بالمبتدأ نعم يجوز تخريجها على أنها استئنافية على أن « زيد » منادى بإسقاط حرف النداء أي يا زيد سافر القطار.
5-لابد للمعرب من مراعاة المعنى فمعرفة معنى اللفظة في الجملة تساعد كثيراً على معرفة موقعها الإعرابي فقوله تعالى: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى) [الأعلى:4-5].
إن فسرنا الأحوى على أنها الأسود من الجفاف واليبس، فهي صفة لغثاء ، ولكن لو فسرناها بأنها أسود من شدة الخضرة لكثرة الري، فهو حال من المرعى أخرت لتناسب الفواصل، والتقدير: والذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء.
•ومثل ذلك قول الرسول : (إن أمتي يُدْعَونَ يوم القيامة غُرَّاً محجلين من آثار الوضوء) فالفعل يدعون يحتمل أن يكون المراد منه ينادون أو يسمون، فمن ذهب إلى أن معناه ينادون يعرب «غراً ومحجلين» حالين، ومن ذهب إلى أن معناه يسمَّون، يعرب غراً مفعولاً ثانياً والواو الواقعة نائب فاعل للفعل يدعون المبني للمجهول، هي في موضع المفعول الأول، ومحجلين صفة لغراً).
وللحديث بقية ,,