عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-01-2018 - 06:11 AM ]


في مارس عام 1984م وقعت اليونسكو مع منظمات شريكة على المشروع الإقليمي لليونسكو (بريدا) الخاص باستعمال الحرف العربي في مكافحة الأمية في إفريقيا، وقد تضمن المشروع عدداً من البرامج منها: إجراء دراسة لواقع استعمال الحرف العربي في مالي والسنغال والنيجر ونيجيريا، وعقد ندوات حول وضع حروف لكتابة لغات البولار/ فلفدى، الصنغي/ زرما، الولوف، الكانوري والهوسا، وإنشاء فصول نموذجية لاستخدام الحرف العربي في تعليم اللغات المحلية بالمدارس القرآنية في مالي والسنغال والنيجر، بجانب وضع رموز موحدة للأصوات (حروف) بدلاً عن كتابة كل لغة برموز مختلفة مما يجعل نفس الصوت يأخذ أكثر من رمز.
وقد أثمر هذا التعاون في عام 1989م عن توحيد حروف ست لغات من شرق إفريقيا هي القمرية والسواحيلية والأرومو والدينكا واللكبارة واللوكندة إلى جانب البولار/ فلفدى والصنغي/ زرما من غرب أفريقيا، وتوسع المشروع ليضم من لغات غرب إفريقيا: والكانوري والتماشق والمالينكي/ بمبرا والصوصو ولوننكي/ سراكولي.
وفي عام1991م تم الاتفاق على رموز كتابة مجموعة اللغات التي سبق دراستها مستنبطة من الحروف العربية بعد دراسة الجوانب الصوتية ومراعاة العوامل العملية والتاريخية والبيداغوجية والجمالية، ثم انتقل المشروع إلى مرحلة جديدة عندما تم تمويل صناعة 600 آلة كاتبة يدوية عربية إفريقية استخدمت فيها مجموعة الأحرف المنمطة الصالحة لكتابة نصوص 16 لغة إفريقية تمهيداً لاستخدامها في المشروعات التربوية وخاصة محو الأمية.
وهناك جهود د. خليل محمود عساكر (مصري الجنسية) ود. يوسف الخليفة أبوبكر (سوداني الجنسية) ودورهما في دراسة أصوات لغات جنوب السودان في منتصف القرن العشرين، وتحديد رموز كتابية لها، ثم تأليف أربعة كتب تعليمية بأربع لغات من لغات جنوب السودان باستخدام الحرف العربي المنمط، وهي لغات الدينكا والنوير والشلك والباريا.
من مكاسب الحرف العربي واللغة العربية في إفريقيا أن العربية أصبحت لغةً من اللغات الوطنية المعترف بها دستورياً في بعض الدول مثل تشاد والنيجر، وظهرت صحافة عربية لأول مرة في عدد من دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وإن كان ظهورها في السنغال أسبق، فقد صدرت بعد الاستقلال مجلة حكومية سنغالية بالعربية تحمل اسم (المسيرة)، ثم مجلة (الأفكار) الناطقة باسم الاتحاد الوطني للكتاب والصحافيين الناطقين بالعربية، وتوالت بعدهما صحف ومجلات أخرى، وفي النيجر ظهرت منذ عام 1995م إلى اليوم صحيفتان ومجلة ناطقة كلها بالعربية، وهي صحيفة (الوطن) التي ظهرت سنة 1995م، ومجلة (الواحة) التي صدرت منها بضعة أعداد ثم توقفت، وأخيراً صحيفة التواصل، وفي مالي تصدر حالياً صحيفتان على الأقل باللغة العربية، هما (الصحافة) و(المستقبل).
يقول د. يوسف الخليفة أبو بكر: فإذا أردنا أن نختار لغة من اللغات الإفريقية الكثيرة لكي نرشحها لتكون لغة إفريقيا الرسمية لوجدنا العربية على رأس اللغات الثلاث الكبرى التي يمكن أن تحظى بهذا الشرف، ويقصد باللغات الثلاث الكبرى: العربية والسواحيلية ولغة الهوسا. وسواء أصبحت العربية في يوم من الأيام لغة رسمية للقارة الإفريقية أم لم تصبح، فهي الآن تحتل بلا مُنازع المرتبة الأولى بين اللغات الإفريقية، ليس فقط لكونها اللغة التي يتكلمها نحو ثلث سكان القارة، أو يتبناها نصفُ سكانها باعتبارها لغة قرآنهم، ولكن أيضاً لكونها أعرق هذه اللغات كتابة وتراثاً وأغزرها عطاء، ولكونها اللغة الوحيدة التي دُوِّن بها تاريخ إفريقيا القديم والوسيط، ولولاها لكانت إفريقيا بدون تاريخ وبلا حضارة.
الحرف العربي في لغات أوروبا وآسيا غير العربية :
يرى غوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب): أن اللغة العربية صارت لغة عامة في جميع البلاد التي استولى عليها العرب المسلمون، وحلت محل ما كان فيها من اللغات، كالسريانية واليونانية والقبطية والبربرية … إلخ، حتى في بلاد فارس على الرغم من يقظة الفرس، ظلت اللغة العربية في بلادهم لغة أهل الأدب والعلم، وظل الفرس يكتبون لغتهم بالحروف العربية، كما أن اللغة العربية ذات أثر عميق في اللغات اللاتينية، وقد ألف بعضهم معجماً في الكلمات الإسبانية والبرتغالية المشتقة من اللغة العربية، وتركت لغة العرب أثراً مهماً في فرنسا نفسها، ولفت لوبون لمقولة "سيديُّو": "أن اللهجات السائدة لولاية أوفِرن وولاية ليموزان الفرنسيتين محشوة بالكلمات العربية، وأن أسماء الأعلام فيهما ذات مسحة عربية".
وكتابة اللغات بالحرف العربي لم تكن قاصرة على إفريقيا، بل هناك عدد مقدر من اللغات الأوربية والآسيوية كانت تكتب بالحرف العربي، وقد كتبت هذه اللغات بالحروف العربية منذ قرون، وصارت جزءا من التراث المخطوط بأيدي المسلمين وفي المتاحف والجامعات في القارتين.
يقول د. يوسف الخليفة أبوبكر أن عدد اللغات التي كتبت بالحرف العربي في أوروبا وروسيا تصل إلى ثلاثين لغة، منها: 18 لغة روسية، هي لغات الجمهوريات السوفيتية السابقة، مثل الشيشانية والبلاروسية والقرمية، و12 لغة أوروبية، منها الإسبانية والبرتغالية والألبانية واللغة البلغارية القديمة، والبوسنية، والبولندية واللاتينية واليونانية والكرواتية، لافتا إلى محاولات لكتابة اللغة الإنجليزية والفرنسية بالحرف العربي، وقال:" هناك محاولات تجرى حالياً بمركز يوسف الخليفة لكتابة اللغة الإنجليزية بالحرف العربي في رسائل ماجستير".
في كتابه (عالمية الأبجدية العربية.. وتعريف باللغات التي كتبت بها)، تناول الأستاذ عبد الرزاق القوسي 146 لغة في آسيا وإفريقيا وأوروبا استخدمت الحروف العربية، وتناول تاريخ استخدامها مع عرض نصوص مكتوبة بها بالحروف العربية، والأبجدية العربية لكل لغة، وكيف طُورت الحروف العربية لتتناسب مع كتابة تلك اللغات.
ووضح القوسي أن أبرز اللغات الآسيوية التي كتبت بالحرف العربي، هي: اللغة الفارسية والتركية والجغتائية (اللغة الرسمية للإمبراطورية المغولية)، والقازاخية والقرغيزية والأوزبكية والأيغورية والأيتو والتركمانية والدونكانية والسريكولية والشنغنانية والطاجكية والقاراقالباقية والقازاقية والمنغولية والواخية واليغنوبية وغيرها، وبيّن القوسي في كتابه كيف طُورِت الحروف العربية لتتسع لكل القواعد اللغوية والصرفية والإملائية لكل لغة، وقال:" جميع لغات تركستان الشرقية لا تزال تكتب بالحروف العربية، وتراث لغات الشعوب التركية لا سيما المعاصرة بدأ بالحروف العربية".
يدعو القوسي لعمل برامج حاسوبية وبرامج على الجوال تقوم بعملية تحويل كتابة لغات آسيا الوسطى من الحروف الكريلية أو اللاتينية إلى الحروف العربية، علما بأن هناك مواقع على الإنترنت تقوم بهذه المهمة للغتين الإيغورية والقرغيزية، وقال:" يجب عمل معارض دولية تظهر التراث الضخم المكتوب بالحرف العربي للغات آسيا الوسطى".
شبكات التواصل الاجتماعي مهدد جديد للحرف العربي:
برزت مهددات جديدة للحرف العربي مع تطور تكنولوجيا الاتصال، وسيطرة وسائط الاتصال الجدية وشبكات التواصل الاجتماعي على دنيا الشباب العربي؛ فظهرت كتابة اللغة العربية بحروف لاتينية، مما يمثل انهياراً جديداً للغة الضاد، وهو أمر قد خلّف وراءه ألف بائية عجيبة تنتشر في أوساط الشباب سواء في رسائلهم المتبادلة عبر الهاتف المحمول، أم في أغلب كتاباتهم عبر المواقع الاجتماعية، ومنها إلى الشريط المتحرك أسفل شاشات الفضائيات العربية. والسبب وراء تلك الظاهرة التي بدأت نكتة؛ وما لبثت أن تحولت إلى كابوس مزعج، حسبما ردد بعض الشباب هو السرعة والسهولة والمرونة في كتابة الحروف اللاتينية مقارنة بالعربية.
وكتابة العربية بحروف لاتينية طريقة انتشرت بين الشباب منذ بروز نجم المحمول وشبكة الإنترنت، هذه الكتابة التي يسميها البعض "الأرابش" أو "العربيزي" وتعني أن يكتب الشباب الكلمات العربية باللغة اللاتينية مثلاً جملة: إيه الأحوال تكتب "eh elahwal"، إن شاء الله "isa"، الحمد لله "halel"، لا حول ولا قوة إلا بالله "lahwlkeb"، كله بأمر الله "kba". وساعدت أجهزة المحمول القديمة التي لم تكن بها حروف عربية ولا تدعم الكتابة بها على انتشار الظاهرة، حيث حاجة المستخدمين إلى كتابة الرسائل بالعربية ما أدى لاستخدامهم الحروف الإنجليزية للتعبير عن الكلمات العربية، وقد استغرق تزويد الهواتف المحمولة بالحروف العربية وقتاً ليس بالقليل كما نعلم.
ديباجة أخيرة:
وبعد..؛ فإن الحرف العربي تراث قومي وقيمة حضارية، والحفاظ عليه عمل من أعمال السيادة الوطنية، ونشره والافتخار به، والاهتمام باللغات التي كانت تكتب بالحرف العربي يخدم غرضاً استراتيجياً قومياً بحماية هذه اللغات، وتطويرها لنشر الحرف العربي في العالم على أوسع نطاق، وهذا العمل سيؤدي يوماً ما، وحتماً.. إلى أن تكتب كل الدنيا بالحرف العربي.
يجب أن نسعى جميعا للتمسك بالحرف العربي، والعمل على تطويره في الجانب الفني التطبيقي الوظيفي له بما يخدم المجتمع واحتياجاته بشكل مباشر بصورة أكبر؛ فيكون التطوير التشكيلي الفني المبتكر والمتجدد ليناسب أنظمة العلامات العصرية للحروفية واللغة ؛ مثل الخطوط التي تستعمل للشاشات، والخطوط على شاشات الحاسوب، وأجهزة التلفون المحمول، ومثل اللوحات الإلكترونية التي يكتب عليها بالعربية في المرافق العامة كالبنوك والمطارات.
وحفاظا على الحرف العربي، وللحيلولة دون خروجه عن الأصول والنظم والقواعد التي وضعها له الأجداد، عبر عصور تاريخية مختلفة، يبدو من المهم أيضاً القيام بعملية مراجعة متأنية لما تُقدِمه الحواسيب من طُرز وأنواع الخطوط، وإعادة تصميمها من قبل اختصاصيين، يلمون بقواعدها ونظمها، وبالتالي إزالة التشويه الذي لحق بها، قبل أن يصبح ذلك في حكم المستحيل، وهذه المهمة الملحة والضرورية، لا يمكن لخطاط أو جمهرة من الخطاطين القيام بها، إنما تحتاج إلى جهود مؤسسات رسمية وخاصة كبيرة، في الدول العربية والإسلامية، وحتى في الدول المنتجة والمصدرة للحواسيب.!!

المصدر

رد مع اقتباس