العربي .. بين المُهددات والفُرص
د. محمد خليفة صديق
"الحروف أمة من الأمم.. محيى الدين بن عربي"
اللغة هي الأداة الرئيسة للبث الفكري، وهي الناقل المميز للتبادل الثقافي، ولا يختلف اثنان في أهمية ودور اللغة العربية في نقل تراثنا وحضارتنا، باعتبارها نبراساً لعلومنا وثقافتنا كافة، وأهمية الحفاظ عليها لما تُمثله من ثقافة وهوية لأمتنا، سبيلاً لرقيها وتميّزها، وتتميز اللغة العربية بأنها لغة شابة، وعتيقة ثريةٌ في الوقت نفسه، ولغة مُبدعة لا تشيخ؛ لغة الحكمة والأدب والعلوم والمعارف، لغة الحرف الأخاذ، ذلك الينبوع الدافق الذى أسهم في معظم الحضارات الإنسانية معرفة وكتابة وأدبا وفكراً، هذا الحرف صاحب الخصوصية والجمال والرمزية الضاربة بالقِدم، المتفرد، الرشيق، في حركته الجمالية وقيمه التعبيرية؛ فجمال العربية من جمال حرفها، ولذا فإن إهدار جماليات الحرف العربي مسألة خطيرة، تتعلق بالهوية وبالتراث العربي، وتنتقص من السيادة العربية.
كان الحرف العربي هو الحرف الرئيس لكتابة لغات شعوب العالم، كتبت به 146 لغة في آسيا وإفريقيا وأوروبا، كتبت به الإسبانية والبرتغالية واليونانية والتركمانية والمنغولية ثم تدهور الحال، لا نحتاج للتأكيد أن نظام الكتابة العربية من أوفى النُظم الكتابية في العالم، والحرف العربي أصلح الحروف لكتابة لغات العالم، .. نتعرف على هذا وغيره من خلال هذه العناوين:
• (الحروفية) فن عربي تتهدده الرقمنة
• الحرف العربي وظلم الحاسوب
• الصحافة العربية وتشويه الحرف العربي
• -ضع لبنة- مؤسسات تخدم الحرف العربي
• إفريقيا عشق قديم متجدد للحرف العربي
• الحرف العربي في لغات أوروبا وآسيا غير العربية
• شبكات التواصل الاجتماعي مهدد جديد للحرف العربي
.. تفضلوا:
الحرف العربي .. إضاءة من التاريخ:
بدأ اهتمام العرب بالتأريخ للغتهم وكتابتها باكرا، وتأثرت رواياتهم حول نشأتها بمناهج المؤلفين ومصادرهم، واختلفوا في تحديد هذه النشأة تبعًا لاتجاهاتهم، فكان هناك فريقان: نقل لنا الأول منهما أن نشأة كتابة اللغة العربية كانت توقيفية، أوحى بها الله تعالى لآدم أو إدريس أو هود عليهم السلام، ووصلت إلى إسماعيل عليه السلام بعد انحسار الطوفان، ثم انتشرت. ورأى الفريق الثاني أن الكتابة العربية اشْتُقَّت من الخط المُسْند الحميري الذي يُعْرف أيضًا باسم الخط العربي الجنوبي، وأن هذا الخط وصل إلى موطن المَنَاذرة وبلاد الشام عن طريق القوافل التجارية التي كانت تتنقل بين جنوبي الجزيرة العربية وشماليها، ثم انتقل عن طريق الحجاز إلى بقية الجزيرة العربية.
ثم جاء الإسلام، وكان من الطبيعي أن يقوم بدور كبير في تطور اللغة العربية وكتابتها وانتشارها، فلقد حمل معه العوامل التي فرضت اتساع ساحة استخدامها، وكانت أول كلمة تنزل من القرآن الكريم تحض على معرفتها، ولا يتمارى اثنان فيما يتميز به الحرف العربي من خصوصية وجمال ورمزية ضاربة بالقدم في وجدان وكيان الثقافة العربية والإسلامية والعربية الإسلامية، فهو بما يختزله من دلالة كينونة الثقافة ولسانها.
هذا الثراء الجمالي والروحي دعا البعض ممن له شغف شديد بالحرف العربي، ليقدم رؤى عاطفية واضحة تجاهه، من بين هؤلاء التشكيلي عز الدين نجيب الذي يؤكد أن الحروف تغني وترقص وتتهادى وتبتهل كما تفعل ألحان الموسيقى وأصوات الآذان وإيقاعات الباليه. وعندما تفعل الحروف ذلك، على سطح الورق والقماش، بوساطة الخطوط والألوان، فإنها تصبح لغة تشكيلية وجمالية، لا تبغي نقل رسالة ذات مغزى مباشر، بل تبتغي إطلاق ألحان سماوية، تُقرأ بالبصيرة والقلب، قبل أن تُقرأ بالبصر والألفاظ. ألحان يؤديها الرسم كما تؤديها الألوان.
الحرف العربي أصلح الحروف لكتابة اللغات:
من المؤكد ونحن نتحدث عن الحرف العربي، أن نشير إلى أن نظام الكتابة العربية من أوفى النُظم الكتابية في العالم بالغرض الذي وضع له، وأقربها للاطراد في القاعدة، بل إن اللغة العربية قد امتازت بهذا النظام الكتابي الفريد حتى عُرفت به، ونُسب إليها، فأطلق عليه مصطلحات: الخط العربي، والحرف العربي، والأبجدية العربية، ونظام الكتابة العربية.
للقاص الفرنسي جون فيرن قصة خيالية، بناها على أن سياحاً اخترقوا الكرة الأرضية، ولما وصلوا إلى مكان ما في باطنها، خطر لهم أن يتركوا هناك أثرا يدل على مبلغ وصولهم، فتركوا حجراً نُقشت عليه كتابة باللغة العربية. ولما سئل جون فيرن عن سبب اختياره اللغة العربية من بين اللغات العالمية، أجاب قائلاً:" لأنها لغة المستقبل، ولا شك أنه سيموت غيرها في حين تبقى هي حية حتى يرفع القرآن نفسه".
تحت عنوان: الحروف العربية أصلح الحروف لكتابة اللغات، كتب الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه: (أشتات مجتمعات في اللغة والأدب) قائلا:" إن الأمم التي تعتمد على الحروف العربية في كتابتها أكثر عددًا من كل مجموعة عالمية تعتمد في الكتابة على الحروف الأبجدية، ما عدا مجموعة واحدة، وهي مجموعة الأمم التي تعتمد في كتابتها على الحروف اللاتينية؛ لأن الحروف العربية تستخدم لكتابة اللغة العربية، واللغة الفارسية، واللغة الأوردية، واللغة التركية العثمانية، واللغة الملاوية، وبعض اللغات التي تتصل بها في الجزر المتفرقة بين القارات الثلاث: إفريقيا وآسيا وأستراليا".
يرى العقاد كذلك أن الأمر في صلاح الحروف للكتابة لا يعود إلى كثرة الأفراد الذين يكتبونها، بل إلى أنواع اللغات التي تؤدي ألفاظها وأصواتها. وعلى هذا الاعتبار تكون الحروف العربية أصلح من الحروف اللاتينية أضعافًا مضاعفة لكتابة الألفاظ والأصوات؛ لأنها تؤدي من أنواع الكتابة ما لم يعهد من قبل في لغة من لغات الحضارة؛ فالحروف اللاتينية تستخدم للكتابة في عائلة واحدة من العائلات اللغوية الكبرى؛ وهي العائلة «الهندية الجرمانية» التي يقوم فيها تصريف الكلمات على «النحت» أو على إضافة المقاطع إلى أول الكلمة أو آخرها، وتسمى من أجل ذلك باللغات «الغروية»؛ من الغراء اللاصق في أدوات البناء والنجارة. أما الحروف العربية فهي تقوم بأداء الكتابة بهذه اللغات وبكثير غيرها؛ فهي تستخدم لكتابة الفارسية والأوردية، وهما من لغات النحت، أو من عائلة اللغات الغروية. وتستخدم لكتابة التركية، وهي من العائلة الطورانية، ويرجعون في تصريف ألفاظها إلى النحت تارة، وإلى الاشتقاق تارة أخرى، فهي وسط بين اللغة الفارسية واللغة العربية.
ويواصل العقاد قائلاً:" استطاعت هذه الأمم جميعًا أن تؤدي كتابتها بالحروف العربية دون أن تدخل عليها تعديلاً في تركيبها ولا أشكالها المنفردة، ولم تتصرف فيها بغير زيادة العلامات والنقط على بعض الحروف. وهي زيادة موافقة لبِنية الحروف العربية وليست بالغريبة عنها؛ لأن العرب أنفسهم أضافوا النقط والشكل عند الحاجة إليها، وليست زيادة شرطة على الكاف بأغرب من زيادة النقط على الحروف، مفردة أو مُثناة، وفوق الحرف أو تحته؛ للتمييز بين الأشكال المتشابهة أو المتقاربة. وعلى كثرة اللغات والعائلات اللغوية التي تؤديها حروف العربية لم يزل ضبطها للألفاظ أدق وأسهل من ضبط الحروف اللاتينية التي تستخدم لكتابة عائلة لغوية واحدة، وهي العائلة الهندية والجرمانية؛ فالإسباني يقرأ الإنجليزية على حسب قواعد لغته فيُحرِّفها كثيراً، ويبلغ من تحريفها مبلغاً لا نعهده في نُطق الفارسي الذي يقرأ الأوردية أو التركية أو العربية، ولا نعهده في نطق العربي الذي يقرأ الفارسية بحروفها ولو لم يكن على علم بمعانيها، ولكنه إذا عرف معناها لم يقع في خطأ من أخطاء اللفظ، ولم يكن هناك خلاف بينه وبين أبناء الفارسية في كتابتها وقراءتها".
توصل العقاد إلى أن حروفنا إذا قيست بغيرها لن نجد لها نظيرًا بين حروف الأبجديات على تعددها وكثرة التحسينات التي أدخلت عليها، وعند البحث الرصين المنصف يمكن أن نشهد للأبجدية العربية بأنها أصلح من سواها لكتابة جميع اللغات.
الحروفية العربية .. فن تهدده الرقمنة:
حين اكتشف الفنان العربي أن وراء الحرف الواحد، أكثر من صوت ومعنى ولغة، برز تيار استلهام الخط العربي الذي تمثل فيه البعض فناً كبيراً في داخل سيمفونية الفنون التشكيلية العربية والإسلامية المعاصرة، واكتشف الخطاطون الذين تحولوا إلى جماعة (الحروفيين) موسيقى الخط ودوزناته، والحروفيون هم جماعة مُولعة حد الاتراع بالخط العربي وتقاليده العريقة، تشرّبت القيمة الجمالية والصوفية للحرف العربي، الذي يمنح المنجز التشكيلي العربي المعاصر أركان تفرده، واختلافه عما يضخه الغرب من تيارات واتجاهات وبدع لا تتوقف، لها طابع العمومية، ومغرقة – في كثير من الأحيان- في الانغلاق والدوران حول ذات الفنان وهلوساته المبهمة والغامضة والمُهجسة.
كان الحرف العربي ولا زال يعني للفنانين التشكيليين الهوية العربية والإسلامية، كما أن الحرف وما يحمله من مدلولات جعل الحروفيين العرب يوظفونه في لوحاتهم الفنية لتفرده ورشاقته وحركته الجمالية وقيمه التعبيرية، مما يعطي هذه الأعمال قيمة فنية عالية، على الرغم من الاختلاف في الأسلوب التقني من فنان لآخر، فإن الجميع يتماهى في محراب الحرف تبجيلا وتقديساً.
والاتجاه الحروفي في التشكيل العربي- بحسب التشكيلي محمد غنوم- يهدف لاعتماد الحرف العربي كمفردة تشكيلية تؤدي لعمل فني عربي تشكيلي معاصر محدد الهوية ويتجذر في أعماقها، ويملك إمكانية التطوير والتجديد، بينما تؤكد التشكيلية فوزية الصاعدي أن الحروفية فن متجدد ومتطور لما يملكه الحرف من قيمة تشكيلية وتعبيرية عالية، لكنها ترى أن توسع استخدام الحاسوب وإنتاج اللوحات الرقمية ابتعدت بالكتابة عن الدلالات المصاحبة لها، وأفقدت الحروف العربية المكتوبة باليد، جزءا من روحها وجمالياتها، وقالت:" نحتاج لتطوير بناء الحرف كشكل وكرمز ومعنى والقدرة على تشكيله وتطويعه ودمجه بما يحيط به من مفردات ورموز بشكل معاصر".
أما التشكيلية رِهام محسن فتقول إن الحروفية العربية قائمة بقيام القرآن الكريم، وهو شرفها، وهو الحافظ لها، وهناك رباط مقدس للقرآن بالخط العربي لقوله تعالى :" وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون" (العنكبوت، الآية:48) ، والكتابة العربية من أقدم الكتابات التي لم تتغير، من حيث بنيتها الدلالية للمعاني والتشكيلات الرئيسة للحروف؛ فالقرآن حفظها من التغير، وبالتالي لم تتغير اللغة مع تغير اللهجات وما يجد من الكلمات.
تُلخِص رِهام ما تحتاجه الحروفية العربية من الاهتمام بالجانب التطبيقي للحروفية، مثل "الفونتات" (الخطوط)، التي تستخدم في الكتابة للصحف والمجلات وعلى الشاشات الإلكترونية، ثم تقول:" بمقارنة بسيطة نجد عدد "الفونتات" العربية قليلاً بالنسبة للاتينية، ومعظمها من التشكيلات الكلاسيكية القديمة، وقليل منها الجديد المبتكر، ومن أمثلة الفنانين التشكيليين والتطبيقيين في الوقت نفسه، الذين يقضون جهدهم لتطوير الخط العربي الفنان د. فتحي جودة، الذي عمل منذ سنوات عديدة لتطوير الخط العربي لوظائف تطبيقية، مثل اللوحات التي تستخدم في الطرق.. ليقرأها قائدو المركبات على سرعات عالية بدون الحاجة للتوقف، والخطوط المستخدمة في محطات "مترو الأنفاق" بالقاهرة، كما قدم أفكاره للوحات الإرشادية في منطقة مناسك الحج والعمرة بمكة المكرمة.
الحرف العربي.. وظُلم (الحاسوب):
رغم كل ما سبق عن عظمة وقدسية وجمال الحرف العربي، فإن ثمة مهددات حقيقية والكثير من القلق والخوف حول ما يتعرض له الحرف العربي حالياً من تشويه الأجهزة الحديثة له، لا سيما الحاسوب والمطابع، ما يعني فقدانه، وبالتدريج، لقواعده وأصوله، وبالتالي ضياعه وتشويهه؛ فقد عانى الحرف العربي برأي الكثيرين من التشويه رضوخاً لظروف الآلة الجديدة التي صُمِمت في الأصل لطباعة الكتابة اللاتينية.
ويُلاحظ أن مسألة الطباعة وعلاقتها بالحرف العربي مسألة دقيقة لم يتعرض لها إلا القليلون؛ فعلاقة الحروف الطباعية بالعرب علاقة مُرتبِكة، ذلك أنه لم يبادر أي من الخطاطين العرب، على مدى ما يربو على قرنين من بداية الطباعة، إلى العمل في هذا المجال، وأغلب مصممي الحروف الطباعية العربية الأوائل كانوا من الهنود والرومان والفرس والهولنديين، ممن لا علم لهم بالأبعاد الاجتماعية والدلالات الروحية للحروف العربية، ويا للعجب.. أنه لم يتدخل عربي واحد لتصميم حروف أمته ..!
يؤكد الخطاط محمد سعيد الصكار أن أصول هذه الإشكالية ترجع إلى وضع العالم الإسلامي أثناء الحكم العثماني وتعنته في وجه حركات التجديد، أو ربما يعود السبب في ذلك إلى زُهد الخطاطين العرب الذين كانوا ينكبُّون على كتابة الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة بأيديهم لإيمانهم بأنها ضرب من التقوى، ولهذا تعطل تصميم الحرف العربي إلى عام 1734م، عندما بادر أول عربي هو (عبد الله الزاخر) من لبنان بإنشاء أول مطبعة تطبع باللغة العربية، ومع أن هناك أكثر من ١٦٠٠ شكل للحروف العربية، رغم ذلك لم يتمكن العرب من تطويع هذا الكم الهائل من الأشكال على آلة صُممت أصلاً لكتابة الحروف اللاتينية، ومن هنا بدأ المسعى لتقليص عدد أشكال الحروف العربية إرضاءً للآلة الصماء، وبالطبع لم يكترث الأجنبي لهذا التقليص.
يُحدد (الصكار) أسّ الأزمة حالياً في أن أجهزة الحاسوب تشوه كثيراً جماليات الحرف العربي؛ فالخطوط الموجودة حالياً هي خطوط شائهة؛ لأن الآلة المصممة لم تُصمم لتناسب الحرف العربي، كما أن الكتابة بالحاسوب تعتمد على سطر واحد أفقي، لا يُمكِّن الحرف العربي من التحرك فيه إلى فوق أو أسفل؛ فالمعضلة الأساسية هي أن الخط العربي يتطلب تصميم أجهزة قادرة على استيعاب كتابة الحرف العربي في أكثر من مستوى واتجاه.
يؤيد عدد كبير من الخطاطين المعاصرين، وجهة نظر (الصكار) في أن الحاسوب تسبب في إفساد عدد من الخطوط العربية الشائعة مثل خط النسخ، والخط الكوفي، وعدد آخر من الحروف مثل حروف الثلث والديواني. كما أن هذه الخطوط العربية بعد برمجتها وإطلاق أسماء عليها، فقدت (برأي الصكار) التنوع والرقة والفن والأصالة والتميز؛ فالأحجام المتساوية، والارتفاعات الثابتة، وتم إهدار النسب الخاصة بالحرف العربي وفقد عنصر التوازن، وتحولت الحروف الأفقية إلى حروف عرضية وسميكة، والرأسية أصبحت رفيعة وقصيرة، أما الفاء والقاف فأصبحتا بلا رقبة، أما الباء المتصلة، فهي مشكلة، وهذه الأنواع من الخط يطلق عليها النسخ المطور، أو خط بيروت.
ويرى الصكار أنه إذا كانت برمجة الحروف العربية ضرورية لاختصار الوقت والجهد، فإن إهدار جمالياتها مسألة خطيرة، تتعلق بالهوية وبالتراث العربي، حيث أصبحت تلك الخطوط غير المتناسقة، هي السائدة في الصحف والمجلات العربية اليوم، كما أصبحت النموذج العام المعروض للخط العربي.
الصحافة العربية وتشويه الحرف العربي:
يذهب الفنان محيى الدين اللباد إلى تأكيد نفس الرأي السابق، عندما يشير إلى أن خطنا العربي رشيق وجميل ومنغم ومتنوع الإيقاع، أما عناوين صحفنا أومجلاتنا فهي عناوين غريبة وغليظة، وصحفنا ومجلاتنا العربية، أصبح لها اليوم نفس الشكل، ولم تعد تتميز عن منافساتها في هيئتها، وهذه الحروف الغليظة صممها من لا علاقة له بالخط العربي، ولعله كان يقصد أن يجعل الكتابة العربية تغلب الكتابة الإفرنجية في هندستها وامتدادها الأفقي، في شكل شرائط منتظمة، ولم يكن هذا المصمم يعلم أن الإيقاع الخاص للكتابة العربية، وأن موسيقاها المميزة، يكمنان في عكس ما قصد إليه في بنية الخط وتركيباته، وفي توازنه العام وليس المباشر.
بينما يرى مسعد خضير البورسعيدي أن الخطر الحقيقي يكمن في اندثار عدد كبير من الخطوط العربية، والسبب هو اندثار الخطاطين أنفسهم، فالخط ليس مادة أساسية في المدارس، ومعاهد تحسين الخطوط قليلة جداً، وأصبح الحاسوب بديلاً عن الخطاطين في الصحف والمجلات والتلفاز وحتى في إعلانات الطرق واللافتات.