وإني لا أستغرب ما تسبح فيه أمتنا هذه الأيام، بل هي تغرق في مساحات شاسعة من الألم والاقتتال والفوضى لأن زمام الأمور في الوظائف العامة وغيرها بأيدي أناس يفتقرون إلى البنيان اللغوي القوي الذي يصنع الذكاء المطلوب لإدارة الحياة الخاصة والعامة! وإلا كيف نفسر وجود عجز مالي كبير في ميزانيات دولنا مع أن بلداننا من أغنى بلدان العالم بالثروات الطبيعية، كالنفط والمعادن الثمينة؟ وكيف نفسر خضوعنا للأجنبي يحركنا كيف يشاء في السياسات والمواقف؟ وكيف نقبل تدخل الأجنبي في المناهج المدرسية؟ إن هذا كله لا يمكن أن يقبل به إلا من ابتعد عن لغته وثقافته فرباه الأجنبي كما يريد، وليس كما تتطلب حضارتنا وجذورنا الثقافية التي بنتها قواعدنا اللغوية من قرآن وحديث وأدب وتاريخ!! وهكذا أبناؤنا الذين فتحنا لهم أبواب الشرق والغرب ليتعلموا في الجامعات الغربية والشرقية دون تحصين ثقافي يحفظ لهم شخصياتهم، فتاهوا بين ثقافة الشرق وبين ثقافة الغرب، وضيع هذا التيه بوصلتهم وشوش انتماءهم.
وماذا نقول عنا، ونحن أهل ثقافة واحدة ولغة واحدة وتاريخ مشترك واحد، ومع ذلك لم نحقق وحدة سياسية تحفظ لشعوبنا التوازن والثقة بالنفس، بل نحن نتصارع فيما بيننا كالصبيان الذين لا يعقلون، ويتآمر بعضنا على بعض، ولا يثق الواحد منا بالآخر، فهل يدل هذا على سلوك ولدته قاعدة فكرية مستقيمة أو بناء لغوي يشتعل ذكاء؟! ولننزل إلى الميدان لنرى من يسيرون دفة الحياة الرسمية في حياتنا، فهل اختيروا بناء على كفايتهم العلمية أم قادتهم الوساطة والمحسوبية ليتبوأوا هذه المناصب الخطيرة في الدولة؟ إن من المعروف في أوساطنا جميعا أن أحدا لا يتبوأ وظيفة حكومية إلا بوساطة ومحسوبية، ولهذا يشيع بين الناس أن الأعمال الحكومية لا يوثق بها، لأن من يقود العمل فيها أناس غير مؤهلين وغير ناجحين، ولو بحثت عن سجل أي منهم في المدرسة لوجدت أن مستواهم اللغوي كان ضعيفا! ماذا علينا لو اشترطنا لاختبار الموظف نجاحا لغويا معقولا حتى نحافظ على ماء الوجه في مستوى الوظيفة؟
إن أمثال هذه الأخلاق لا يمكن أن تكون نتاج مجتمعات متحضرة أبرز ما في اهتماماتها المحافظة على الإنسان، وتوطيد الأخلاق والمفاهيم التي تحافظ على القيم العليا، كالعدل والإنصاف وحفظ حقوق الناس ومساواتهم في الأخذ والعطاء تطبيقا لقيمنا التي تعلمناها من حضارتنا ورسالتها الخالدة. إن مأساتنا في ما نعانيه عدم وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وإن من أولويات التصحيح المنتظر أن يكون البعد اللغوي معيارا من المعايير التي ترجح كفة المنتدب للعمل العام لأن الموظف الذي لا يعرف لغته غير مؤهل للوفاء بمتطلبات العمل الذي تناط به إدارته. ومن المعروف، في العصر الحديث، أن من متطلبات العمل الناجح خضوع موظفيه للتطوير وما يلزم هذا التطوير من تدريب واطلاع مستمر على أحدث المعلومات في هذا الميدان أو ذاك، وهذا كله يتطلب مستوى لغويا ممتازا يؤهل الموظف لفهم الموضوع والنقاش فيه.
إن خسارة أمتنا من هذا الضنك اللغوي المنتشر في أرجاء واسعة من الأوطان التي من المفترض أنها تحيي اللغة العربية، وتعتز بها، وتتسابق في إتقانها وإثرائها وازدهارها، خسارة كبيرة يصعب التعبير عنها بالأرقام أو المساحات لأنها خسارة حضارية ثقافية أدبية، وهذه ليست سلعة تباع وتشترى، ولكنها أمور عزيزة وأوطان فكرية وعقلية ليس لها من السمات إلا التقديس والخلود!!! فكم من أنهار من العسل الأدبي المصفى ضاعت منا وعلينا من جراء الغيبوبة اللغوية التي غرق فيها أبناؤنا سنوات وسنوات؟! كم ضاع علينا من الشعر والقصة والمسرحية والمقالة؟ وهذه شارات الرقي والرقة في الحياة البشرية المتمدنة؟! وكم ضاع من التفاسير للغة القرآن؟! وكم ضاع من المؤلفات العلمية التي كان لها أن تعيد لنا مجد الخوارزمي وابن الهيثم والفارابي وابن سينا وسيبويه والكندي وابن خلدون وغيرهم من الأفذاذ الخالدين في حضارتنا؟! ولا أريد أن أطنب في أوجه الخسران الذي قاد إليه ضنكنا اللغوي، ولكني سأنبه إلى أمر واحد مهم، وهو أن البراعة في فنون الحياة تتطلب آلة لغوية قوية لتحقيق التفكير القوي الذي يقود إلى النجاح والفلاح، وهل يمكن تحصيل هذا التفكير بدون نجاح لغوي فاعل؟! ولهذا نتحسر على ما خسرته الأمة، نتيجة هذه اللوثة اللغوية، في مختلف صنوف العلوم والفنون والسياسات لأن أي مسؤول في موقعه سيجلب الدمار والوبال على ما هو مسؤول عنه إذا لم يكن مؤهلا تأهيلا لغويا سليما لينمي عقله بالقراءة والتفكير المثمر.
فلنخلص النية لإخراج حياة أمتنا المعاصرة من الضنك اللغوي وغيره إلى الصحة والاستقامة!؟! والله المستعان، واللهم اشهد فقد بلغت.
المصدر