إن ما نشهده اليوم في ظلِّ هذا النظام الجديد، والتبشير بالعولمة: دولٌ تفكَّكَتْ كما يحدث الآن في العراق وسوريا وليبيا والسودان وأفغانستان، والصومال . . . هي في واقع الحال مذابح ضد الإنسان بشكْلٍ عام، والإنسان المسلم بشكل خاصٍّ، وارتكبت دون تحقيق دولي. . . وكما حدث في البوسنة والهرسك في قلب أوروبا، وما حدث في كوسوفو، وكما حدث في رواندا؛ حيث أُبِيد أكثر من نصف مليون مواطن، دون أن تُحَرِّك القوى المهيمنة ساكنًا، ومن هذا الباب سوف تنكشف بعض مخاطِر العولمة على حياتنا اليومية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية . . .
الموقف من العولمة:
منذ أن أطلق دعاة العولمة شعارهم وقف شعوب العالم العربي والإسلامي والدول النامية من ذلك مواقف مختلفة يمكن إجمالها في
ثلاثِ فِرق:
الفرقة الأولى: وقفت موقف الاستسلام والخضوع، ورأت في العولمة حتمية تاريخية وإعصاراً مدمراً لا قِبل لأحد بالتصدي له أو الوقوف في وجهه. وعلى شعوب العالم أن يطأطئوا رؤوسهم ويكيفوا أوضاعهم حسب معطيات تيار العولمة ويركبوا قطارها قبل أن يفوتهم، فيضيعوا في متاهات الحياة وتنقطع بهم السبل فيتجاوزهم التاريخ.
الفرقة الثانية: وقفت موقف الرفض المطلق للعولمة ودعوتها، ورأت فيها استعماراً جديداً بأساليب العصر، ودعوة إلى هيمنة الغرب وحضارته على مقدرات الشعوب، والقضاء على خصوصيتها وإحلال النمط الغربي محل النموذج المحلي، والجديد في العولمة ما هو إلا تطوير في أدوات الهيمنة وتقنينها.
الفرقة الثالثة: وقفت وقفة المتدبر إلى دعوة العولمة، المحلل لمعطياتها، المقوم لنتائجها وثمراتها.ومن ثم أعطت لكل حالة حكمها، واتخذت موقفاً يتناسب مع مراحل بروزها وتطور وسائلها وحاولت الإفادة من إيجابياتها والتحذير من سلبياتها.
ولعل من الأنسب أن نميل إلى الفرقة الثالثة ونتبنى موقفها لأنها تدعو إلى الموضوعية والدراسة والتدبر الذي يتأسس على التعقل والتمعن في عملية التحليل والتنظير ، وبالتالي اتخاذ الموقف المناسب للإفادة من الإيجابيات واستغلال نتائجها، ورفض السلبيات وتجنب ما قد يترتب عنها من عواقب. ومن باب أولى أن نتعرف على عيوب العولمة وسلبياتها حتى يتسنى لنا العمل على تفاديها.
سلبيات العولمة وعيوبها:
لعل من أكبر عيوب العولمة وأكثرها وضوحا ازدواجية معاييرها. فحقوق الإنسان مثلا والشرعية الدولية كثيرا ما تزدوج فيها المعايير، وتتدخل الفلسفة البرجماتية في رسم هذه التوجهات وفي ضبط هذه القيم.
فخطر العولمة يهدد كيان الحضارات الإنسانية، ويدفع إلى نشوء حضارة جديدة تعتمد على طغيان رأس المال وجبروته، وهذا الخطر سيهدد العالم العربي والعالم الإسلامي باعتبارهما منطقة استهلاكية ضعيفة ومتخلفة.
ومن السلبيات الاجتماعية الناتجة عن العولمة ذوبان الطبقة الوسطى، تلك الطبقة التي تقود مختلف التغيرات في العالم، لأن الطبقة الثرية تحافظ على امتيازاتها فهي تسعى إلى الإبقاء على ما كان، كما أنها حريصة على استمرار منافعها من الوضع القائم.
أما الطبقة الوسطى في نظام العولمة، وفي ظل خصخصة المؤسسات الصناعية والتجارية فإنها ستنزل إلى الطبقات الفقيرة، وسيزداد الفقر وستكون الدولة عرضة لإملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وتتدخل هذه المؤسسات العالمية في السياسة الاقتصادية والاجتماعية. أما المعارضون للعولمة وغير المتحمسين لها فيرون أنها تهدف إلى تحقيق النتائج التالية:
01- الهيمنة على اقتصاديات العالم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية من خلال السعي إلى السيطرة واحتكار الشركات الأمريكية الكبرى لعوامل الاقتصاد العالمي ووسائله.
02- التحكم في مركز القرار السياسي وصناعته في دول العالم.
03- إلغاء النسيج الحضاري والاجتماعي للشعوب.
04- تدمير الهويات القومية والثقافة القومية للشعوب.
05- ازدياد الدول القوية غنى، بينما تزداد الدول الفقيرة فقرآ.
06- القضاء على الهوية الثقافية وعلى تراث الأمم والشعوب في المجال الفكري والحضاري.
07- فرض السيطرة بشتى أنواعها على الشعوب بقصد نهب ثرواتها واستغلالها.
ولعل أول ما تؤدي إليه العولمة في ضوء هذا المفهوم هو ما يعرف بطمس الهويات وضياع الاتجاهات غير الأمريكية. لأن تعميم النموذجي الأمريكي في هذه المجالات يعني الابتعاد عن أي نظام آخر متبع فيها. فتعميم النموذجي الأمريكي في الاقتصاد على سبيل المثال يعني أول ما يعني الابتعاد عن أي نظام اقتصادي لا يتناغم معه. فإذا وقعت هذه العولمة الاقتصادية في دولة معينة، فذلك سوف يحثها على الابتعاد عن نظامها الاقتصادي وتبني نظام آخر أمريكي، وبهذا تختفي هوية هذه الدولة الاقتصادية.
وعلى صعيد آخر ، فإن بعض ردود الفعل على العولمة قد تأتي لصالح اللغة العربية. ومن ذلك ظهور رغبة متزايدة في بعض الدول في تطبيق نظام الاقتصاد الإسلامي ردا على الاقتصاد الأمريكي الرأسمالي. وهذا قد أدى إلى رغبة متزايدة لتعلم اللغة العربية لأغراض اقتصادية، حيث بدأ المعنيون بالاقتصاد الإسلامي يهتمون باللغة العربية لكونها وسيلة وحيدة للرجوع إلى المصادر الاقتصادية الإسلامية.
ومما يدعو إلى الاستغراب أن الردود المناوئة لظاهرة العولمة قد تركت هي الأخرى من الآثار ما يحسب لصالح اللغة العربية. لأن الحرب على الإسلام وما ينسب إليه من إرهاب قد أثارت فضول الملايين في الغرب لمعرفة الإسلام واكتشاف تعاليمه التي ربطوها بالإرهاب فأصبحوا يندفعون إلى تعلم العربية بدواعٍ كثيرة وفي مقدمتها الرغبة في أن يفهموا بأنفسهم الإسلام والثقافة العربية دون تأثير من أحد. ([3])
ومن ثم فالمنهج الذي يمكن الاستناد إليه في تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية ينبغي أن يجسد استراتيجية لغوية واضحة يمكن وضعها لدعم تعليمها.
أ)- الاستراتيجية اللغوية
لا يختلف اثنان في اعتبار المنهاج تقنية ضرورية يتوجب حسن توظيفها من أجل إنجاح العملية التعليمية غير أن الجدير بالملاحظة أن
تعليم اللغات الأجنبية في العصر الحاضر وخاصة المهيمنة منها مثل الإنجليزية لا يعتمد على المنهج فقط وإنما أيضا على استراتيجية لغوية قوية. لأن المنهج مهما كان فعالا لن يضمن نجاح تعليم أي لغة أجنبية في نطاق واسع ما لم تكن هناك استراتيجية لغوية تدعمه سواء أكانت تلك الاستراتيجية دولية قد وضعتها الدول الناطقة بتلك اللغة أم استراتيجية وطنية وضعتها كل بلاد تهتم بتدريس تلك اللغة. وللأسف الشديد فإن اللغة العربية بصفتها لغة أجنبية كان تعليمها ومازال يعتمد على المناهج التعليمية فقط ولم تكن هناك أية استراتيجية لغوية واضحة وضعت لدعم ذلك سواء أكانت استراتيجية دولية تطبق في جميع الدول الأجنبية أم استراتيجية محلية تخص دولة معينة تعنى بتعليم اللغة العربية.
وهذا يجعل تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية يلجأ كثيرا إلى كونها لغة دينية مما يعني أن تعليمها وتعلمها تحدده رغبة المسلمين في فهم دينهم. فإذا قويت هذه الرغبة زادت رغبتهم في تعلم اللغة العربية والعكس صحيح. لذلك، فمن الضرورة بمكان مبادرة وضع استراتيجية لغوية دولية أو وطنية لدعم تعليم اللغة العربية لكي تستطيع مواكبة العولمة اللغوية في العصر الحاضر، لأن الاستراتيجية اللغوية تغطي جوانب كثيرة يمكن ذكر أهمها فيما يلي:
الاستراتيجية مجال تأهيل المعلمين
يمكن أن تتمثل الاستراتيجية اللغوية العربية بهذا المجال في تنسيق الدورات التكوينية لمعلمي اللغة العربية وذلك بهدف تزويد المعلمين على أيدي الخبراء بأحدث التقنيات التعليمية التي يمكن لهم تطبيقها في رفع مستوى تعليم اللغة العربية أينما كانوا وحيثما وجدوا . وتتمحور مواد التكوين حول تصميم المناهج وتطويرها، وإدارة المواد التعليمية وتطويرها، وحسن استخدام طرائق التدريس وأساليبها، وإدارة الوسائل التعليمية واستثمارها، وإدارة نظام التقويم وأدواته، وثقافة اللغة العربية.
ويمكن تنسيق هذه الدورات التكوينية في مرحلتين: تتخذ المرحلة الأولى شكل "تدريب المعلمين المكونين"(formateurs) وهو تدريب مجموعة من المعلمين البارزين الذين سيكونون فيما بعد مدربين لزملائهم المعلمين الآخرين. وتتمحور المواد التي يتدربون عليها حول الخبرات المعرفية والثقافية وغيرها من المواد التي تفيدهم في تحسين مستواهم وفي أداء مهامهم. أما المرحلة الثانية، فتتم على شكل "تدريب أثناء الخدمة وهو تدريب معلمي اللغة العربية وليس إعدادا لهم. مما يعني أن المشاركين في هذا النوع من التدريب هم الذين يتخصصون في تعليم اللغة العربية ويعملون عليه.
تقوم بعض الدول بممارسة مثل هذه الاستراتيجية اللغوية في برامج تأهيل معلمي اللغة الإنجليزية مثل أستراليا- على سبيل المثال- من خلال تدريبات أثناء الخدمة لمعلمي اللغة الإنجليزية في إندونيسيا التي تهدف إلى تزويد المعلمين بكل ما يحتاجون إليه في تحسين أدائهم التعليمي من خبرات معرفية ومهنية وثقافية. وبالطبع، فإن مثل هذه الاستراتيجية اللغوية تلعب دورا أساسيا في رفع مستوى تعليم اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية في إندونيسيا ومن ثم تتكون لدى المجتمع الإندونيسي اتجاهات إيجابية تجاه هذه اللغة وثقافتها ودوافع قوية لتعليمها وتعلمها.
استراتيجية تصميم المواد التعليمية وتطويرها
تتعلق هذه الاستراتيجية ببرامج مخططة في تأليف السلسلة التعليمية المتكاملة المضمون، ليس من الناحية اللغوية فقط، وإنما من الناحية التعليمية والثقافية أيضا. وبعبارة أخرى فإن السلسلة التعليمية المقصودة هي التي تغطي من الناحية اللغوية أغنى المواد اللغوية العربية في ضوء المهارات اللغوية الأربع، ومن الناحية التعليمية تنبني هذه الخطة على أحدث النظريات والمبادئ التعليمية، ومن
الناحية الثقافية تغطي الملامح والقيم الأساسية لكل من ثقافة الناطقين بالعربية وثقافة المتعلمين الناطقين بغيرها.
وتأتي أهمية تأليف مثل هذه السلسلة التعليمية من أن أهم ما يعاني منه حقل تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها هو انعدام الكتب التعليمية الجيدة. لأن الكتب المستخدمة في تعليم اللغة العربية حتى الآن يمكن وصفها بشكل عام بغير الجيدة لما يلاحظ عليها من تقصير من عدة نواح، منها مثلا:
- الناحية اللغوية. إن الكتب التعليمية لم تغط جميع المهارات الأربع بصورة متوازنة حيث تحظى مهارة القراءة باهتمام أكثر مما تحظى به المهارات الأخرى. ويترتب على ذلك ترقية مهارة الطلاب في القراءة وتدني مهارتهم في الاستماع والكلام والكتابة.
- الناحية الثقافية. إن الكتب التعليمية- سواء منها الصادرة عن الدول العربية أم المؤلفة في الدول الأجنبية- لم تستمد موضوعاتها من الثقافات الإسلامية المحلية التي ينتمي إليها المتعلمون الأجانب. ويترتب على ذلك عدم انفعال المتعلمين بهذه الموضوعات، وتكوّن لديهم اتجاهات سلبية تجاه اللغة العربية بوصفها لغة تخص ثقافة العرب وبيئتهم ولم تتناول ثقافة المتعلمين وبيئتهم فيشعرون بأنها غير قابلة للتعبير عن أنفسهم وأفكارهم وبيئتهم.
- الناحية التعليمية. إن المواد التعليمية في الكتب التعليمية لم يتم اختيارها وتنظيمها بشكل يراعي المبادئ التعليمية. ولعل أبرز ما يؤكد ذلك أن ترتيب المواد التعليمية وخاصة الموضوعات النحوية يتقيد بتبويب الكتب النحوية وليس على أساس الاحتياجات اللغوية للمتعلم. ولعل أهم ما يقف وراء ذلك عدم استفادة عملية اختيار المواد وتنظيمها من الدراسات التقابلية بين اللغة العربية ولغة المتعلم.
وبما أن هذه السلسلة التعليمية المراد تأليفها متكاملة من حيث المحتوى اللغوي ومتوازنة من حيث المحتوى الثقافي فلا بد في عملية تأليفها من التعاون والعمل الجماعي بين خبراء تعليم اللغة العربية العرب ونظرائهم الأجانب، مثل التعاون بين خبراء تعليم اللغة العربية العرب ونظرائهم الإندونيسيين في تأليف السلسلة التعليمية لتعليم اللغة العربية في إندونيسيا مثلا.
استراتيجية بناء المؤسسات اللغوية أو مراكز النشاط اللغوي
ومما لا اختلاف فيه أيضا، أن من أهم العوامل الداعمة لهيمنة اللغات الغربية وسيادتها في العصر الحاضر هو وجود المؤسسات اللغوية التي أنشئت مبدئيا بهدف توفير كل ما يحتاج إليه المتعلم الأجنبي في إجادة هذه اللغات. فاللغة الإنجليزية على سبيل المثال قد أصبحت لغة سائدة على المستوى الدولي لأن تعليمها وتعلمها مدعوم بما يعرف دوليا بالمؤسسة البريطانية (British Council).
والمعروف عن هذه المؤسسة أنها تقدم برامج تعليم اللغة الإنجليزية على جميع المستويات من الابتدائي حتى المتقدم وتوفر مختلف الوسائل والتسهيلات وغيرها مما يحتاج إليه الأجنبيون في تعلم الإنجليزية مثل المعلومات عن الدراسات والمنح الدراسية في الجامعات الغربية. وبقدر متباين قامت بهذا الإنجاز اللغات الغربية الأخرى مثل الفرنسية والألمانية.
أما اللغة العربية وبالرغم من كونها من أكبر اللغات الأجنبية لم تحظ بمثل هذه السياسة وبما يكفيها من الدعم، بل لم تكن هناك أي مؤسسة لغوية بنيت لتوفير كل ما يحتاج إليه الأجنبيون لإجادة هذه اللغة. فكل ما يوجد في بعض الدول هو معاهد تعليم اللغة العربية تقدم برامج تعليمية على مستويات معينة، إلا أنها لم تقدم مثل ما قدمته تلك المعاهد لتعليم اللغة الإنجليزية.
من أجل ذلك وتجنبا لهذا النوع من التقصير فعلى المعنيين بتعليم اللغة العربية أن يبادروا إلى التعاون في بناء مؤسسات لغوية في الدول الأجنبية بهدف توفير جميع الوسائل والتسهيلات المساعدة في تعلم اللغة العربية خاصة ما يسد التقصير في المواد المقروءة حول اللغة العربية وثقافتها وتوفير الفرص للدراسة في الدول العربية مما يمكن الأجانب من الحياة مع هذه اللغة وثقافتها في بيئتها الطبيعية.
المستقبل المأمول لاستفادة العربية من العولمة
لقد بات معروفًا أن العولمة ليست شرًّا يُتَّقى، أو خطرًا يُدفَع؛ وإنما هي ظاهرة تكاد تكون كونية، لها سلبياتها وإيجابياتها. فإن توفرت شروط التعامل معها، والتكيف مع متغيراتها، أمكن تجاوز السلبيات، والتغلب على ما يترتب عليها من مشكلات، وفي مقدمة هذه الشروط امتلاك القدرات الذاتية، على مستوى الأفراد والجماعات، وعلى مستوى الحكومات والهيئات الأهلية، والتوفر على الوعي الحضاري الرشيد الذي هو بمثابة البوصلة التي تقود نحو رسم السياسات الحكيمة، واتخاذ القرارات الواعية، للبناء الذاتي، وللانفتاح على آفاق العصر، وللاندماج في تياراته، من منطلق الاقتناع بأن حماية الذات وترقيتها، والحفاظ على الهُوية، والتشبث بخصوصياتها الثقافية والحضارية - رهين بإثبات الحضور في ساحة التفاعل الإنساني، وفي مضمار الحوار الثقافي، والتحالف الحضاري، وبالإسهام الفاعل في مسيرة التقدم والنماء والرخاء، على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ومما لا شك فيه أن في امتلاك القوة الذاتية، والقدرات العلمية والتقنية، والصناعية والاقتصادية - الحصانةَ ضد التأثيرات السلبية، والانعكاسات الضارة لنظام العولمة، الآخذ في الاكتساح لمواقع الاستقرار والثبات، وفي الاقتحام لمعاقل الخصوصيات التي تميز الثقافات والحضارات بعضها عن بعض، والقدرةَ على إغناء الحضارة الإنسانية بالتنوع الثقافي، والتعدد الحضاري([4]) .
وبما أن العلاقة بين الحاضر والمستقبل مترابطة؛ لأن المستقبل ما هو إلا امتداد للحاضر، ولأن الماضي والحاضر والمستقبل وحدة لا سبيل إلى انفصامها، ومعرفة الماضي هي وسيلتنا لتشخيص الحاضر، ولتنظيم المستقبل، فإن بناءنا لأسس إستراتيجية المستقبل لا بد أن ينطلق من الفهم الواعي لحاضر اللغة العربية، إحاطةً واستيعابًا، ويَصْدُر عن البحث الدقيق في قضاياها ومشكلاتها، تمحيصًا ونقدًا؛ ولذلك فإن العناية ببحث مستقبل اللغة العربية في ضوء المتغيرات والظروف الحالية، واستنادًا إلى خلاصة التاريخ القريب، هي ظاهرة صحية تعبر أصدق التعبير وأقواه عن درجة عالية من التطور في فَهم مقتضيات الحاضر، ومتطلبات المستقبل، وتدل هذه الظاهرة على توجُّه سليم، سيؤدي - لا محالة - إلى نتائج إيجابية، وستدعم خدمة لغة الضاد، بل هي ضرورة من ضرورات الرقي
الحضاري.
إن التفكير في مستقبل اللغة العربية قضية بالغة الأهمية في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، لها صلة وثيقة بسيادة الأمة العربية الإسلامية على ثقافتها وفكرها وعلى كِيانها الحضاري والسياسي والاقتصادي في المقام الأول، وعلى حاضرها ومستقبلها؛ فتلك قضية سيادية بالمعنى الشامل للكلمة، وليست مجرد قضية لغوية وأدبية وثقافية. ولذلك يمكن أن نقول بكل ثقة واطمئنان: إن مستقبل اللغة العربية قضية أمن قومي لغوي بالمعنى السياسي، والسيادي، والجغرافي العام، وليس بالمعنى الجغرافي الوطني الإقليمي المحدود؛ لأن حياة الأمم في حياة لغاتها وقوتها في ازدهارها، فإذا ماتت اللغة - واللغات تموت باعتبارها كائنًا حيًّا - أو ضعفت، أو انهارت، ضاعت الأمة ضياعًا لا يُبقي لها أثرًا في الحياة.
ومن المؤكد أن اللغة لا تحقق الازدهار المطلوب إلا بنجاح العملية التعليمية وبالاعتناء بالمناهج التربوية لأن المنهاج هو مجموع الآليات والتقنيات الضرورية التي يتوجب حسن توظيفها لإنجاح العملية التعليمية.